هل توجد فلسفة للشعر الحديث؟

الحرية قد تصبح عبئًا علينا إن لم نعرف كيف نقف بها عند حدود معينة

شارل بودلير و عبد المعطي حجازي
شارل بودلير و عبد المعطي حجازي
TT

هل توجد فلسفة للشعر الحديث؟

شارل بودلير و عبد المعطي حجازي
شارل بودلير و عبد المعطي حجازي

هل للشعر الحديث فلسفة يا ترى؟ أم أنه مجرد انقلاب شكلاني على الشعر القديم بأوزانه وقوافيه؟ ولكن هل يمكن أن يتغير الشكل من دون أن يتغير المضمون؟ حول هذه الأسئلة سوف تدور مقالتنا الحالية. وسوف نعتمد فيها على إضاءات الباحث جون ادوين جاكسون صاحب المؤلفات العديدة حول الموضوع. وهو أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة بيرن بسويسرا، وأستاذ الأدب المقارن في جامعة جنيف. ويعد أحد الاختصاصيين المعدودين في مجال الشعر والحداثة الشعرية بشكل عام. وكان قد أصدر سابقا عدة كتب لافتة، نذكر من بينها: «الشعر ونقيضه: مقالة في الحداثة»، «مسألة الأنا: أحد جوانب الحداثة الشعرية الأوروبية»، «هيجانات الذات: دراسة العلاقة بين التحليل النفسي والأدب»، «بول سيلان: الكلام المضاد والمطلق الشعري»، «بودلير إلى ما لا نهاية».. إلخ.
في مقدمة الكتاب الأول يستشهد الناقد المذكور بمقطع للشاعر الألماني بول سيلان يقول فيه: القصيدة تميل نحو الآخر. إنها بحاجة إلى هذا الآخر. إنها تبحث عنه وتهب نفسها له، ما معنى قصيدة من دون متلقٍّ، من دون سامع؟ كل شيء، كل كائن إنساني يصبح بالنسبة للقصيدة التي تميل نحو الآخر شكلا من أشكال هذا الآخر. هل هناك من علاقة بين هذا الكلام وعبارة رامبو الشهيرة: الأنا هي آخر؟ وهل يعني ذلك أن الشاعر منقسم على نفسه بالضرورة؟ ما معنى الشعر من دون الجنون الداخلي والهستيريا الشعرية؟ يمكن أن نكثر من طرح الأسئلة إلى ما لا نهاية. على أي حال يرى الناقد جاكسون أن الغموض ليس سمة من جملة سمات أخرى للشعر الحديث. وإنما هو السمة الأساسية الملازمة له. فلا أحد يستطيع التحدث عن الشعر بعد عام 1800 وحتى اليوم إن لم يأخذ مسألة الغموض بعين الاعتبار. ينبغي أن نفهم ونقبل أن الشاعر، على عكس الآخرين، يأخذ كامل حريته عندما يستخدم اللغة. وعن هذه الحرية المطلقة ينتج الشعر. الشاعر ليس عالم اقتصاد ولا باحثا سياسيا يكتب خطابات آيديولوجية ويستخدم اللغة بشكل نفعي محض. الشاعر شخص مجاني، وعن هذه المجانية ينتج الشعر أيضا. والغموض حظ للغة وليس نقمة أو مصيبة كما يتوهم الجمهور الكريم. لماذا؟ لأن الغموض يتيح للغة أن تعبر عما لا تستطيع التعبير عنه في الحالة العادية. إنه يتيح لها التعبير عن عدة احتمالات معنوية لا احتمال واحد. وبالتالي فلغة الشعر غنية لا فقيرة. إنها إيحائية لا تقريرية.
ثم يضيف الباحث قائلا:
صحيح أن الغموض ليس مقتصرا على الشعر الحديث. يكفي أن نقرأ بعض أشعار شكسبير لكي نتأكد من ذلك (ونحن العرب نقول: يكفي أن نقرأ شعر أبي تمام..). ولكن الفرق بين الشعر الكلاسيكي والشعر الحديث هو أن الغموض أصبح منتشرا بكثرة في هذا الأخير. لقد تحول إلى ظاهرة عامة ولم يعد استثناء كما كان عليه الحال في السابق. ويمكن القول إن جان جاك روسو هو أول من أحدث انقلابا في الآداب الأوروبية. فقد انتقل بها من المرحلة الكلاسيكية إلى المرحلة الرومانطيقية. وجعل من استكشاف الذات الداخلية محور الأدب. وهكذا لغم أساسات الكتابة التقليدية ودشن العصور الأدبية الحديثة. روسو لم يكن مفكرا عظيما فقط، وإنما كان أيضا كاتبا أديبا لا يشق له غبار. حتى فولتير كان يغار منه ويخشاه. وعندما يرخي لقلمه العنان كان يبلغ ذروة الكتابة الأدبية. ويرى البعض أنه كان مصابا بانفصام سيكولوجي داخلي، وإلا لما استطاع أن يجمع بين قمة الشعر وقمة الفكر في آن. فعادة إما أن تنبغ في هذا أو في ذاك، ولكن ليس في الاثنين معا. إنه أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء تماما كما قالوا عن التوحيدي أو المعري. ولكن هذه الأنا الداخلية التي كانت تبدو لروسو قريبة ومفهومة للوهلة الأولى سرعان ما تعكرت وأصبحت غامضة، ضبابية. وبالتالي فأصبح التعبير عنها هو الآخر ضبابيا معتما. فالشكل يساير المضمون. لا شعر جديدا بأثواب قديمة. وروسو نفسه يتحدث عن أعماقه الداخلية وكأنها متاهة. فالأنا، من يعرف الأنا؟ من يستطيع أن يقول إنه يعرف ذاته عن جد؟ من يتجرأ على النزول إلى أعماقه السفلية، اللهم إلا إذا كان بودلير وريلكه ونيتشه وبعض المجانين الآخرين.. من أيام سقراط، وتلك العبارة الشهيرة «اعرف نفسك بنفسك»، ونحن حائرون. نحن لا نعرف من نحن. ذلك أن استكشاف المهاوي السحيقة للذات الداخلية عملية عويصة ومعقدة. وقد تؤدي إلى معانٍ مختلفة لا إلى معنى واضح أحادي الجانب. من هنا سر غموض الأدب الحديث. فبما أنه متركز أساسا على استكشاف الذات وغياهبها ودهاليزها، فإنه لم يعد بإمكانه أن يكون واضحا كما كان عليه الحال أيام الأدب الكلاسيكي القديم.. وهكذا غاب المعنى الواضح أو تبخر في الهواء. وأصبح الشعر الحديث أداة لاستكشاف هذا المعنى الغائب المفقود.. أصبح يجري لاهثا وراء شيء ضاع. وفقد تلك اليقينية المطلقة والمطمئنة التي كان يتمتع بها أيام الشعر الكلاسيكي. من هنا سبب انزعاج الناس من الشعر الحديث. فهم يريدون معنى واضحا يقبضون عليه قبض اليد، ولكنهم لا يجدون شيئا. إنه يفلت من بين أصابعهم. إنهم يجدون أنفسهم أمام احتمالات معنوية عديدة. ضاعت «الطاسة»! وبما أنهم كانوا معتادين على وضوح الشعر الكلاسيكي ويقينيته، فإنهم يشعرون الآن بفقدان الأمان وانعدام الوزن. لهذا السبب تعرض الشعر الحديث في أوائل ظهوره لهجوم عنيف. وهذا ليس فقط في أوروبا. في سوريا كنا أحيانا نشتبك بالأيادي بين أنصار الشعر العمودي وأنصار الشعر الحر، كما يحقد بعضنا على بعض، أو ينظر بعضنا إلى بعض شزرا. فمحل الطمأنينة اليقينية حلت الحيرة والتساؤل والشك كسمة أساسية من سمات الشعر الحديث. وحل الغموض الواضح أو الوضوح الغامض، محل الوضوح الراسخ للمعنى الوحيد. وقد تحدث عن ذلك بشكل لا مباشر وبنوع من الحنين واللوعة الشاعر الكبير جيرار دونيرفال. يقول في بيته الشهير: أنا المعتم، أنا المظلم، أنا الأرمل الذي يستعصي على كل عزاء.. نعم لقد خسر الشاعر الحديث شيئا كبيرا، إذ انتقل من المرحلة الكلاسيكية إلى مرحلة الحداثة. خسر اليقين والطمأنينة والوضوح والعيش الرغيد. ووجد نفسه مقذوفا في خضم الضياع والمتاهات اللانهائية للحداثة. فالحداثة ليست خيرا كلها، أو قل ليست راحة ولا استقرارا. الحداثة ضياع، قلق، توتر، غثيان. لكن ما أعظم طعم الحرية! ما أجمل الخروج من سجن القوافي والأوزان! كم قيدت الإمكانيات التعبيرية للشاعر القديم. كم جعلته مصطنعا أحيانا ومزيفا ومرهقا يئن تحت وطأتها! إلخ، إلخ.. صحيح أن هذه الحرية قد تصبح عبئا علينا إن لم نعرف كيف نقف بها عند حدود معينة. فالحرية أيضا مسؤولية، وكذلك الشعر. لا تستطيع أن تقول كل شيء اللهم إلا إذا مارست الكتابة الأوتوماتيكية للسرياليين. فالشعر إذ يفقد المعنى الوحيد الموثوق يصبح مفتوحا على كل المعاني. وقد يضيع في متاهات اللامعاني.. من هنا ظهور نظريات العبث واللامعقول والعدمية والمجازات المستحيلة الشاذة التي يمتلئ بها الشعر الحديث. وقبل نيرفال احترق شاعر آخر بسبب فقدان الوحدة المعنوية هو: هولدرلين. واحترق شعراء آخرون ليس أقلهم بودلير، أو رامبو، أو فيرلين، أو مالارميه. وعن هذا الاحتراق نتج الشعر كأعظم ما يكون.
لكن لنوسع الإشكالية أكثر؛ لا يمكن أن نفهم ظاهرة الشعر الحديث في الغرب إلا إذا ربطناها بالمتغيرات الانقلابية التي طرأت على المجتمعات الأوروبية التقليدية بدءا من القرن التاسع عشر. فالمجتمع الصناعي الحديث وضع الفرد في حالة صعبة أو تناقضية. صحيح أن الحداثة حررت الفرد من قيود الماضي وأثقاله، ولكنها أدت إلى اغترابه واستلابه في عصر الصناعة والآلات التي تسحق الأنا والذاتية. لقد انتهى المجتمع الزراعي الفلاحي الجميل. انتهت البراءات الأولى والطبيعة البكر والمناظر الريفية التي لم يسحقها بعد بلدوزر التكنولوجيا. وهكذا حصل الطلاق بين الحلم الرائع للشعراء، والواقع المادي الخارجي التكنولوجي الذي لا يعبأ بهم ولا بمشاعرهم. ما علاقة التكنولوجيا والبلدوزرات بالمشاعر؟ إنها تسحقها. كم تألم بودلير بسبب ذلك؟ أو قل إن أحلامهم تكسرت على رصيف واقع مادي، بارد، لا يرحم. وربما لهذا السبب جن معظمهم، بل وانتحروا. فجيرار دو نيرفال شنق نفسه في ليلة ليلاء على عمود في ساحة الشاتليه وسط باريس. وبودلير مات في عز الشباب بحالة غير طبيعية (46 سنة). وهولدرلين جن تماما لمدة 40 سنة تقريبا. انظروا قصائد الجنون لهولدرلين: من أجمل ما يكون! كتبها قبل أن ينطفئ كليا عندما كان لا يزال في مرحلة مترجرجة بين العقل والجنون. وفيرلين غاص في الكحول حتى التقطوه من شارع السان ميشيل في الحي اللاتيني.. كلهم دفعوا ثمن الحداثة أو مغامرة الحداثة باهظا.
ينبغي أن نعترف بالحقيقة: لقد حصل تناقض مروع أو قاتل بين الأحلام الشعرية الوردية التي كانت تسكنهم والحضارة التكنولوجية الصاعدة التي لا تعبأ بالعواطف والمشاعر. حقا إنها حضارة معادية للشعر والحلم. ألم يتحدث أحمد عبد المعطي حجازي عن «مدينة بلا قلب»؟ ماذا يستطيع أن يفعل الشعر أمام الآلات الزاحفة؟ ألم يتحدث هيدغر عن انحسار براءات الريفية أمام هجمة التكنولوجيا؟ عالم بأسره يموت وينقرض أمام أعيننا عالم المراعي والأغنام وأشجار اللوز والبرتقال.. هذا ناهيك عن السواقي والأنهار والليالي المقمرة وقصص الغرام.. كل هذا انتهى بعد القرن التاسع عشر. وهكذا تحول الشاعر إلى شخص مستلب أو غريب وسط ضوضاء هذه الحضارة الصناعية والتكنولوجية وصخبها.. ألم يتحدثوا عندئذ عن موت الشعر؟ لقد أصبح الشاعر مقتلعا من جذوره، غريبا عن نفسه، عاجزا عن التصالح مع ذاته ومع العالم الخارجي في آن معا.. فماذا يفعل إذن؟ يكتب الشعر، يستمر في كتابة الشعر.. لماذا؟ للشهادة على هذا الانهيار: انهيار عالم بأسره وصعود عالم جديد على أنقاضه. هذه هي الحالة المثالية لكتابة الشعر. ما أجمل أن تكون متصادما مع العالم وعاجزا عن التصالح مع ذاتك. عندئذ ينفجر الشعر من تلقاء ذاته.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.