صدمات ومواهب بعض أعظم الرسامات في التاريخ

الرسم كان ولا يزال ذكورياً إلى حد بعيد

من أعمال فريدا كاهلو
من أعمال فريدا كاهلو
TT

صدمات ومواهب بعض أعظم الرسامات في التاريخ

من أعمال فريدا كاهلو
من أعمال فريدا كاهلو

قالت الروائية راشيل كَسك (Cusk) مؤخراً لمحاورها، في حوار نُشر في مجلة «باريس ريفيو»: «لقد كتبت كثيراً حول الفن والفنانين، وتنامت لديَّ غيرة عميقة إلى حد ما تجاههم»، وأضافت أن «العمل خارج اللغة يبدو أنه الإسهام الأطول بقاء، غير أن الرسم كان -وما يزال- ذكورياً إلى حد بعيد؛ حكاية المرأة مع الفن التشكيلي بالغة القسوة». كتاب «المرآة ولوح الألوان»، وهو يرصد تاريخ تصوير الفنانات التشكيليات لذواتهن، يؤكد تلك القسوة البالغة.
في هذا الكتاب الصريح الذي ألفته جنيفِر هِغي (Higgie)، وهي ناقدة فنية أسترالية، تعاني كل فنانة من صدمة تغير حياتها؛ الرسالة التي لا مواربة فيها أن تلك النساء يحتجن للمعاناة لكي ينجزن أعمالاً فنية كبيرة، وأن الصدمة هي المكون الخيميائي الضروري لتحويل الموهبة إلى عبقرية.
لقد بنت هِغي كتابها في فصول تعتمد على الموضوعات، بدلاً من التسلسل الزمني: الفصل الأول هو «حامل اللوحة» (easel)، والأخير «عارية». وتبدأ بكاثارينا فان هيمِسِّن، وهي رسامة فلمنكية رسمت عام 1548 صورتها الشخصية الصغيرة التي يعتقد كثيرون أنها أقدم عمل لرسام من الجنسين يجلس عند حامل لوحة، وتنتهي بأليس نيل، الرسامة الأميركية التي توفيت عام 1984. وفي ختام الكتاب اقتباس من نيل: «إنك ترث العالم، وبطريقة ما تجد مكاناً فيه».
هل في الرسم «صوت أنثوي»؟ هل هناك مساوية في الرسم لتشارلوت برونتي أو جان ريس أو آني إيرنو؟ يقترح هذا الكتاب أن ذلك موجود، وأن ما يحدده هو «الانجراح» أو «المجروحية» (woundedness).
الفنانات المهمات اللاتي ثابرن في حرفتهن من 1548 فصاعداً حققن سمعتهن بالإيحاء الذكي أن أساليبهن تشبه أساليب مشاهير الفنانين في عصرهن؛ الفنانة الهولندية جودِث ليستر في القرن السابع عشر، مثلاً، حاكت أسلوب مواطنها الفنان فرانز هال بدقة تامة. وفي سلسلة الفنانات موضوع التناول هنا كانت الأكثر إبهاراً بأسلوب أنثوي أصيل هي فريدا كاهلو: عبرت لوحاتها عن أصالة لا يمكن إنكارها، ووعي جديد حديث بالعالم لا شبيه له على الإطلاق.
ولدت كاهلو في مكسيكو سيتي عام 1907. وتقول عنها هِغي: «أصيبت فريدا بالشلل وهي في السادسة من عمرها»، وحين بلغت الثامنة عشرة «كانت ضمن من تعرضوا لحادثة ضخمة: اصطدام ترام بحافلة كانت مسافرة عليها. وقد نتج عن الحادث كسر في عمودها الفقري وأضلاعها؛ ساقها التي ذبلت بسبب مرض الطفولة أصيبت بأحد عشر كسراً، وكتفها انخلع، وإحدى قدميها تحطمت. أجريت لها 32 عملية... إحدى ساقيها أصيبت بالغرغرينا فقُطعت». وفضلاً عن ذلك، تسبب لها زوجها دييغو ريفيرا بمعاناة عاطفية. تقول هِغي: «كانت علاقتهما شديدة الاضطراب، كانت علاقة عشق وغضب، وكانت لكليهما علاقات أخرى».
لكن كل ذلك لم يمنع كاهلو من الرسم. فبينما هي على سرير المرض، كانت تعلق مرآة فوق سريرها لكي ترسم نفسها، وتقول: «إنني أرسم لأنني وحدي. أنا الموضوع الذي أعرفه أكثر من غيره». ولقد كان «ثمة طاقة، قوة خارقة تقريباً، فيما يتصل بعملها يصعب التعبير عنها بالكلمات. لتلك الطاقة صلة بالاستعجال في علامات الرسم: الحاجة التي دفعتها لتحويل إعاقتها واضطرابها النفسي إلى جمال وديمومة».
وفي الفصل الخامس من كتاب هِغي، وعنوانه «العزلة»، تتحدث عن حياة وأعمال فنانتين تعنيان الكثير بالنسبة لي: هيلين شيرفبك المولودة في هلسنكي عام 1862، وغوين جون المولودة في هافرفوردويست في مقاطعة ويلز عام 1876. كلتا الفنانتين وجدت أسلوبها المميز بالانسحاب من العالم. على النقيض من كاهلو، يبدو انجراحهما نتيجة لفعل ذاتي. لكن ألم الحنين كان الوقود الذي دفع بهما إلى الأمام.
وقد رأيت أول معرض شخصي لأعمال شيرفبك في بريطانيا، في الأكاديمية الملكية للفنون، عام 2019، ولم أكن قد سمعت عنها من قبل. القاعة المهمة في العرض كرست للوحاتها التي رسمت بها نفسها. واللوحات المتأخرة من أكثر الاستكشافات الذاتية تميزاً على الإطلاق، سواء لرجل أو امرأة. أما اللوحات المبكرة، فساحرة لكنها تقليدية. شيء ما حدث بعد ذلك.
في تفسير هِغي، فإن شيرفبك بعد دراستها في باريس، حيث كانت سعيدة ناجحة، وسفرها إلى الخارج، عادت إلى فنلندا متقاعدة في نهاية المطاف في بلدة صغيرة في الريف لكي ترعى والدتها. وقد قامت برعاية والدتها ونفسها ببيع أعمالها الفنية، وحققت تدريجياً الاعتراف بها في عالم الفن الفنلندي. ثم وقعت بعد ذلك في حب «آينار رويتر الذي كان معنياً بالغابات، ورساماً، وكاتباً، وجامعاً للأعمال الفنية». وحين علمت أنه مرتبط بغيرها، مثل الخبر «صدمة أدت بها إلى البقاء ثلاثة أشهر في المستشفى لتتعافى».
وحين عادت إلى البيت، كان فنها قد تغير. تصف هِغي إحدى هذه اللوحات التي رسمت فيها نفسها: «خطوط نحيلة تجرح سطح اللوحة، وبعنف شديد حول عينيها. جسدها قاتم مثل ثقب... كما لو أنه لا توجد حدود بين بشرتها واللوحة. بسبب الألم، كانت تؤذي الصورة التي صنعتها لنفسها». وبعد وفاة أمها، مرضت شيرفبك مرة أخرى. ومع أنها صارت الآن مشهورة، لم تتمكن من التحكم بحزنها عن طريق الرسم وحده في العزلة، حين ماتت عام 1946. تقول هِغي: «كان حامل اللوحة إلى جانب سريرها مثل عائلة».
ولقد شعرت دائماً بالقرب الشديد من غوين (Gwen) جون، وأعمالها مألوفة لديَّ وبحميمية. طوال حياتها، كان على جون أن تجابه أخاها أغسطس جون الذي حقق في الرسم نجاحاً أكبر من نجاحها. ودرس كلاهما في مدرسة سليد للفن بلندن، وعاشا معاً حين كانا تلميذين. ولكن وجدت غوين أخاها متعجرفاً. وسعيها للتعرف على نفسها جاء نتيجة لحاجتها إلى التخلص من تأثيره. التغير جاء في لوحتين صورت فيهما نفسها.
في الأولى التي تعود إلى عام 1900، ترسم نفسها بيد موضوعة على وركها، وأصابعها تكاد تلمس مشبكها الذكوري، وتنظر مباشرة باتجاه من يراها نظرة تحدٍ. كانت ترسم مثل رجل، مثل أخيها. الطاقة في علامات الفرشاة تتدفق إلى الخارج، وليس إلى الداخل؛ لم تكن قد وجدت بعد الكثافة الهادئة التي ستحدد أعمالها الأخيرة.
وبعد عامين تقريباً، رسمت نفسها مرة أخرى؛ تعابيرها نائية مثل تمثال رأس على سفينة: إنها تقول إنها مستعدة لمواجهة أي شيء يلقيه العالم باتجاهها، لكنها لن تكون جزءاً من دائرة أي أسرة أو نادٍ للفن. كان أخوها قد تزوج مؤخراً صديقتها المقربة، وكان الزوجان قد أنجبا طفلاً. كانت جون تدرك أنها لكي تكون أماً عليها أن تتنازل، ولم تكن على استعداد لذلك. كانت ستختار العزلة والحرمان، بدلاً من ذلك. ونتيجة لما اختارته، صارت واحدة من أعظم الرسامات الروحانيات في التاريخ.
حين نصل إلى أليس نيل، المولودة عام 1900 في فيلادلفيا، فإنها ستبدو كما لو أنها تفتح دون عناء باباً بدا مقفلاً من قبل، محضرة معها احتمالات الحرية وخفة الظل. أما نصيبها من المأساة، فيعلم الله أنها تلقت نصيبها منه: ماتت بنتها بالدفتيريا قبل بلوغها العام، وزوجها اختطف ابنتها الثانية، فانهارت نتيجة ذلك وأُدخلت المستشفى. ثم جاءت علاقات مختلفة مع شركاء مضطربين عنيفين بعد تعافيها، وبعد مجيء ابنين ربتهما وحدها تقريباً في حالة من الفقر.
ومع ذلك، فإن روحها التي لا تُقهر تشع لتنتهي حياتها بانتصار. حين بلغت السبعين، طُلب منها أن ترسم الناقدة النسوية كيت ملّت (Millet)، مؤلفة كتاب «سياسيات جنسية»، لتكون اللوحة على غلاف مجلة «تايم»؛ جعلها ذلك مشهورة. وفي الرابعة والسبعين، تحدثت في «متحف وتني» في نيويورك عن ماضيها، وقالت إن تجربتها أقنعتها بأنه «كان من حقها أن ترسم». رسمت نفسها لأول مرة في الثمانين. رسمت نفسها عارية، وقالت: «مخيف، أليس كذلك؟... أحبها. إنها تظهر على الأقل ثورة ما على كل شيء محترم». لقد استطاعت نيل أن تجعل الانجراح يبدو بهجة.

* مراجعة لكتاب جينِفر هِغي «المرآة ولوح الألوان:
تمرد، ثورة، مرونة»



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.