الإصلاحات الدستورية والحوارات في فكر الملك فهد ونهجه

الحرية قد تصبح عبئًا علينا إن لم نعرف كيف نقف بها عند حدود معينة

عبد الرحمن الشبيلي
عبد الرحمن الشبيلي
TT

الإصلاحات الدستورية والحوارات في فكر الملك فهد ونهجه

عبد الرحمن الشبيلي
عبد الرحمن الشبيلي

ظل المجتمع المحافظ في المملكة العربية السعودية؛ والشرعي منه خاصة، يستنكر إطلاق مصطلح «الدستور» المتعارف عليه في العصور المتأخرة، وذلك خشية إعطاء الانطباع بأن الحاكمية والسيادة التشريعيّة هي ولو جزئيّا، للقوانين الوضعيّة المألوفة في المجتمعات الأخرى، وظلت الدولة السعودية في قرونها وعهودها الثلاثة تؤكّد دوما على أن المرجعيّة التشريعيّة المطلقة والوحيدة لكل الأنظمة هي للقرآن الكريم والسنة النبوية، وبقيت السلطات الثلاث؛ القضائية والتنظيمية والتنفيذية، تلتزم بهما أساسا لإصدار الأنظمة وتتلافى الأخذ بما يتعارض معهما، بل وتتجنّب إطلاق تعبير «القانون» الدال كناية على التشريعات الوضعية.
ولو تأمل المرء مصطلح «الدستور» الشائع في المجتمعات الأخرى، لوجد أنه من حيث القوة والمدلول لا يوازي فضل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة، ومع ذلك صار البعض يحمّله أكثر مما يحتمل، وربما وضعه في مرتبة تماهي مكانتهما، في حين أنهما مصدران «فوق الدستورية» وأن قدرهما أكبر من المصطلحات المستحدثة، مما يعني أن وصفهما بالدستور هو انتقاص من مقدارهما، فالدستور (constitution) معني بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، يدلّل في القانون الدولي على «المبادئ الأساسية المنظّمة للسلطات الرئيسية الثلاث والعلاقة بينها، ولتبيان نظام الحكم وشكل الدولة، ولتوضيح حقوق الحاكم والمحكوم وواجباتهما» في حين أن القرآن الكريم نظام سماوي والسنة المطهّرة تشريع نبوي ينظّمان حياة الإنسان وشؤونه فيما هو أعمّ وأشمل.
ولقد صار الحرج في المملكة العربية السعودية يتوارى تدريجيا، بعد أن صدر النظام الأساسي للحكم عام 1992 وأصبح بعض الفقهاء كالشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى يعُدّونه مجازا في المحافل الدولية بمثابة الدستور شكلا ومضمونا، لأنه يضمّ في مواده كثيرا من القواعد المنظّمة لشؤون الحكم وشكل الدولة وعلمها، كما يؤكّد على ديانة المجتمع وعلى مرجع السلطات الدستورية الثلاث، وعرَف بأسس اقتصادها ومواردها وبجغرافيتها، إلى غير ذلك من القواعد المكتوبة المنظّمة للحكم، فالمقصود بـ«الإصلاحات الدستورية» هنا هو: مجموعة الإصلاحات الإداريّة والسياسيّة والتنظيميّة التي تبنّاها الملك فهد منذ أن كان نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء، ثم وليّا للعهد، وانتهاء بالأنظمة الأساسية التي صدرت بعد تولّيه الحكم، بهدف تنظيم السلطات العليا ومجالسها في البلاد.
وأحسب أن توظيف مصطلح «الإصلاحات الدستورية» في العنوان يبقى الأكثر ملاءمة للدلالة على المعاني المقصودة في السياق، لكونه يمسّ جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها ويجمع بين الإداري والسياسي والتنظيمي، أما المقصود بالشقّ الثاني من العنوان «الحوارات» فهو النهج الذي اتّبعه - ملكا - في لقاءاته الدوريّة المتكرّرة للحديث مع طلّاب الجامعات وفروعها والمبتعثين ومع أعضاء مجلس الشورى ومع القيادات الإعلامية، وكانت حوارات عامة تبادليّة مفتوحة تمتدّ لساعات، ولعل بين نهج الحوار المفتوح ومنهج الإصلاح المجتمعين في فكره، من التلازم ما سوّغ جمعهما في عنوان واحد، لكونهما يُمثّلان - في العلوم السياسية - جناحي الفكر الحديث المنفتح للقيادة، وبعض مرتكزات رجل الدولة والزعامة السياسية المتطوّرة.
يلحظ من يقرأ في تطوّر الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، أن عملية الإصلاح، قد بدأت - وبكثافة - منذ أن تفرّغ الملك المؤسس في العشرينات لتنظيم شؤون الدولة بعد دخول الحجاز في الحكم السعودي، ولقد سهّل وجود بعض التنظيمات العثمانية في الحجاز لأن يُبنى عليها ويُعمل على تطويرها، وكان الأخذ بمنهج الشورى من الأمثلة الواضحة على ذلك، فلقد بدأ بتكوين نواة سميّت المجلس الأهلي ثم المجلس الاستشاري ثم الشوري في خطوات متسارعة انتهت - في غضون عامين - إلى الرسوّ على تسميته مجلس الشورى مكوّنا من ثمانية أعضاء منتخبين مع إصدار نظام له مطلع عام 1926م وصار يتطوّر - عددا وتنظيما واختصاصات - حتى عام 1932م الذي أُعلن فيه بيانُ توحيد البلاد تحت اسمها الحالي: المملكة العربية السعودية، وفي ذلك البيان، وجّه الملك عبد العزيز مجلس الوكلاء - السلطة التنفيذية في حينه - بوضع نظام أساسي مكتوب للبلاد، يوضح قواعد توارث الحكم وانتقال السلطة في البلاد، وقد أعد مجلسا الوكلاء والشورى بعد ثلاثة أعوام مشروع النظام المطلوب، وشاء الله أن تنشغل البلاد بعد تلك الفترة - بالتطورات السياسية والإدارية ومن بينها ظروف نشوب الحرب العالمية الثانية وتبعاتها الاقتصادية والأمنية - قبل أن يتحقق ما أمر به الملك، غير أن السلطات الثلاث، القضائية والتشريعية والتنفيذية، كانت تعمل متناغمة مع وجود مجلس الوكلاء طيلة السنوات الثلاثين الأخيرة من عهد الملك عبد العزيز، ثم بعد تحويله إلى مجلس للوزراء قبيل عهد الملك سعود. وفي أواخر عهد الملك سعود (1962) تبنّى مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد الأمير فيصل مشروعا من عشرة بنود سُمّي «منهج الإصلاح الداخلي» تضمّن الكثير من أوجه التطوير والإصلاح التي كان الرأي العام المحلي يتطلّع إليها، وقد نُفّذ في حينه معظم بنود ذلك البرنامج، ثم بدأ في عهد الملك خالد - الذي استمر نحو ثمانية أعوام اضطلع فيها ولي العهد الأمير فهد بتسيير مقاليد الأمور السياسية والإدارية للبلاد - بدأ نشاط متواصل لإعادة النظر في العلاقة بين السلطات الدستورية، ولوضع التنظيمات الحديثة لكل من مجلسي الوزراء والشورى على أسس جديدة وواضحة من التكامل في المسؤولية وفصل السلطات، فتشكّلت في عام 1980م برئاسة وزير الداخلية (الأمير نايف) لجان لإعداد مشروع للنظام الأساسي للحكم، ولتحديث أنظمة مجلسي الوزراء والشورى ومجالس المناطق، وكان المراقب الإعلامي والإداري يستطيع - من خلال تكوين اللجان وصياغة الأفكار ومن لغة التنظيمات التي أفرزتها تلك الاجتماعات - أن يلحظ بصمات النفس التنظيمي والفكر السياسي للفهد، خاصة وقد ظهرت نتائجها في عهده، وكان من الواضح للكثيرين من معاصريه قبل تولّيه الحكم وفي أثنائه، أنه كان ذا فكر يميل نحو الانفتاح والتجديد ومواصلة مسيرة الإصلاح التي بدأت نواتها (لجنة التفتيش والإصلاح) في عهد والده المؤسّس منذ العشرينات.
ومع أن الظروف السياسية المعقّدة التي أحاطت بالبلاد في عهدي الملك خالد والملك فهد - منذ حادثة احتلال الحرم المكّي (1989) والمشكلة الأفغانية والحرب العراقية الإيرانية ثم حادثة احتلال الكويت (1990) وما أفرزته تلك الأزمات من مخاضات عميقة التأثير في الأوساط المحلية والإقليمية - قد جعلت صياغة الأنظمة تأخذ منحى متحفّظا نسبيّا عن أن تولد بمستوى التوقّعات المأمولة (كمشاركة المرأة والانتخابات في مجلس الشورى) لكنها لم تكن لتمنع الملك فهد من تلمّس «فن الممكن» لمواصلة مسيرة الإصلاح السياسي، وقد أشبهت تلك الظروف إلى حد ما، التحوّلات التي أحاطت بالبلاد في أعقاب ثورة اليمن وجعلت الملك فيصل المعروف بفكره التقدّمي يتبع سياسة حذرة ومتدرّجة في تنفيذ منهجه الإصلاحي السابق ذكره.
فلقد شهد عهد الملك فهد مشاريع إصلاحية مدروسة بُني عليها تحديث الكثير من المؤسسات الدستورية، وتأسيس حقبة من الحراك السياسي الداخلي والمشاركة الشعبيّة، وقيام صور جديدة من نشاطات المجتمع المدني، مثل: إنشاء الجمعية الوطنية (الشعبية) لحقوق الإنسان وهيئة حقوق الإنسان (الرسمية) وتأسيس مركز الحوار الوطني، وتنظيم عودة انتخابات المجالس البلدية في ظل نظام المناطق، ونحوها مما يصبّ في تعزيز الإصلاحات الحقوقية وإشاعة ثقافة الحوارات.
من بين حزمة الأنظمة المهمة التي صدرت مجتمعة عام 1992 كان النظام الأساسي للحكم الوثيقة الأهم والأشمل، وكان المظلة الدستورية التي تغطّي الثوابت والأسس وكل ما يتعلق بشؤون الحكم وشكل الدولة وديانتها ونظامها السياسي والشوري واقتصادها وحقوق الإنسان فيها وأسلوب توارث الحكم الملكي فيها، فضلا عن التأكيد على أنها دولة مؤسسات، فصدر النظام في تسعة أبواب تضمّ ثلاثا وثمانين مادة، تناولت مختلف الجوانب التي تتضمّنها الدساتير عادة، كما تناول أحد أبوابها بشكل مجمل قضية وراثة الحكم. في عام 1992 أيضا صدر أمران ملكيان بنظامين ؛ أحدهما لتحديث مجلس الوزراء (بوصفه السلطة التنفيذية) والآخر لتحديث مجلس الشورى (بصفته السلطة التنظيمية - التشريعية) وقد حدد النظامان اختصاصات المجلسين وارتباطهما بالملك بوصفه مرجع السلطات، كما حدّدا العلاقة التكاملية بين المجلسين، بما جعلهما معا يشتركان في إصدار الأنظمة، وعلى جانب السلطة القضائية، صدرت في أواخر عهد الملك فهد مجموعة تشريعات بالغة الأهمية لاستكمال منظومة الهيكل القضائي للبلاد وتطوير الإجراءات، كان منها نظاما القضاء والمرافعات.
ولم تتوقّف مسيرة الإصلاح في عهد الملك فهد عند إصدار الأنظمة الرئيسية المذكورة، فلقد تضمّنت كلمة الملك في مجلس الشورى عام 2003 نصوصا بالغة الصراحة والشفافية تعبّر عن النيّة في المضي بمنهج الإصلاح السياسي والدستوري، وبتوسيع آفاق المشاركة السياسية للمواطنين، وقد طلب الملك من الوزراء موافاته بجوانب التطوير والإصلاح التي يمكن أن تحقق مزيدا من تلك الأهداف، وكان ذلك الخطاب من أقوى ما مر على مجلس الشورى في تاريخ المملكة من كلمات سامية، واكتسب مجلس الشورى في العام نفسه زيادة في صلاحياته كان من شأنها تكريس مسؤوليّته التشريعية وتعزيز مرجعيّته بالنسبة للأمور التي يختلف معه مجلس الوزراء بشأنها، وقد جاء ذلك الخطاب قبل نحو عامين من وفاة الملك فهد.
أما بالنسبة لمجالس المناطق، فكان قد صدر أول نظام حديث للمقاطعات عام 1963 عندما كان الأمير فهد على سدة وزارة الداخلية، وأوضح النظام التقسيمات الإدارية للمناطق على نحو مقارب لما هي عليه الآن، في حين أُحدث في وزارة الداخلية قطاع يعنى بشؤون تلك المقاطعات، وقد بقي النظام معمولا به نحو أربعين عاما، حلّ محله نظام المناطق الذي أصدره الملك فهد في أربعين مادة عام 1992 قُسّمت المناطق بموجبه إلى ثلاث عشرة منطقة، تتضمن عددا من المحافظات والمراكز بُنيت على أساس التقسيم الإداري والجغرافي والسكاني للبلاد، ويتولّى أمراء المناطق إدارتها وحفظ الأمن والنظام فيها وتنفيذ الأحكام الشرعية، وتطوير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، وبحسب هذا النظام أُنشئ مجلس لكل منطقة برئاسة الأمير وعضوية نائبه ووكلائه ورؤساء الأجهزة الرئيسية الحكومية ومحافظي المحافظات وعدد من الأهالي من أهل العلم والخبرة.
ولقد برز من نهج الملك فهد في السنوات الثلاث الأولى من حكمه، حرصه على الالتقاء المباشر بالطلاب - ذكورا وإناثا - في الجامعات وفروعها، وبالمبتعثين الذين تجمّعوا في المدينة الرياضية بجدة، فشهدت تلك السنوات لقاءات مفتوحة مطوّلة، تحدّث فيها - مرتجِلا - أحاديث تلقائية، تطرّق فيها إلى ما كان يجول في خاطره وفي خاطر محاوريه في شؤون الوطن ومن الأحداث السياسية المحيطة بالمنطقة، كما كان يلتقي مع أعضاء مجلس الشورى في بداية كل سنة شوريّة، ويعقد لقاءات دوريّة مع الصحافيين المحليين ومسؤولي الإعلام بحضور الوزير ووكلائه، وذلك بغرض تزويدهم بالخلفيّات السياسية للأحداث ولتفسير مواقف المملكة نحوها، بما يساعدهم على قراءتها بشكل واعٍ عندما تتناولها صحفهم، وكان التلفزيون المحلي يعرض تلك الحوارات بأكملها، كما تقوم الجامعات ومجلس الشورى ووزارة الإعلام بطباعة هذه الأحاديث والحوارات في كتيّبات في حينه، وكان من ملامح تلك الحوارات وضوح الرؤية وسلاسة التعبير والإسهاب في تبيان المواقف التي تتخذها الحكومة تجاه بعض القضايا الداخلية والخارجية، ووقوفه مباشرة على المشكلات التي تواجه الشباب خاصة والمواطنين بعامة، من دون وساطة بيروقراطية، وكان يُصدر أحيانا توجيهات فوريّة بالحلول المطلوبة متى ما اقتنع بوجاهتها، أو يطلب الكتابة إليه بتفصيل الموضوع متى ما كان الأمر بحاجة إلى دراسة يليه اتخاذ قرار بأداة نظامية من مجلس الوزراء مثلا.
وقد بدت في حواراته المهارة السياسية في التوفيق بين متطلبات السريّة والكتمان من ناحية ومتطلّبات الشفافية من ناحية أخرى، كما كانت أحاديثه تتسم بدعابات تجعل من تلك الحوارات جلسات محببة للشباب، وبسعة صدر تخفف من عناء طولها، في روح من الودّ المتبادل التي أضافت إلى شعبيّته وتثبيت مكانته في قلوب الحاضرين والمتابعين، وقد شهد كل من عايش تلك الحوارات كيف كان يتقبّل بصدر رحب كل المداخلات والأسئلة، لا يستبعد شيئا منها أو يعتذر عن عدم الإجابة عنها. ومثّلت الحوارات فرصا دسمة لوسائل الإعلام الداخلية والخارجية لاستقاء المعلومات والأخبار منها، ومواد للاستشهاد بها والاقتباس منها، كما شكّلت نصوصها مادة توثيقية مهمة تضاف إلى سيرته، واستفاد منها معظم من كتب عنه في أثناء حياته وبعد وفاته، وكانت تلك الحوارات من السمات المتقدمة في شخصيّته ومنهاج حكمه، وهي سمات تلازم الزعامات السياسية المنفتحة على مواطنيها في النظم العصرية التي تهتم بقياسات الرأي العام والتواصل مع شعوبها. وكانت تلك الحوارات في حينها مؤتمرات صحافية ينتظرها الطلاب والإعلاميون والشوريّون للتعبير عن همومهم، وأعطت نماذج مثلى للمسؤولين والوزراء للانفتاح على المواطنين والخروج من المكاتب المغلقة، كما أبرزت جوانب من شخصيّته القيادية ومن فكره السياسي، ما كان من الممكن للمواطن العادي أن يستكشفها من دون هذه الوسيلة التي كانت تصل مباشرة إليه دونما تدخّل رقابي أو تحسينات. وبعد: لقد شكّلت القدرات القيادية في شخصية الملك فهد في عهوده السياسية الثلاثة، وخاصة في جانبي الإصلاحات الدستورية والإدارية والحوارات الجمعية، منعطفا تاريخيا مهما في تجديد دماء الحُكم وفي تقوية دعاماته وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الوطنية، وهو ما وصفتُه في حينه بأنه أشبه بــ«ميلاد جديد للدولة» وأحسب أنه لو لم يتزامن عهده الذي دام قرابة ربع قرن مع بعض النوازل التي عصفت بالمنطقة وتسببت في أن تعتري تلك الفترة نظرة محافظة اضطر معها السير بدفة البلاد إلى شواطئ الأمان في عالم متلاطم الأمواج، فلربما كان لمسيرة الإصلاح السياسي والدستوري شأن آخر، ومع ذلك، فإن جوانب الإصلاح التي ذُكرت نماذج منها، لم تحظ بعد من المؤسسات التعليمية والبحثية بما تستحقه من تحليل علمي يتناسب وأهميته، خاصة أن المصادر متوافرة والمعلومات لم يمض على رحيل شخصيّتها سوى عقد من الزمن.

ـ محاضرة ألقيت في الندوة العلمية لتاريخ الملك فهد، الرياض.
* إعلامي وباحث سعودي



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.