الإصلاحات الدستورية والحوارات في فكر الملك فهد ونهجه

الحرية قد تصبح عبئًا علينا إن لم نعرف كيف نقف بها عند حدود معينة

عبد الرحمن الشبيلي
عبد الرحمن الشبيلي
TT

الإصلاحات الدستورية والحوارات في فكر الملك فهد ونهجه

عبد الرحمن الشبيلي
عبد الرحمن الشبيلي

ظل المجتمع المحافظ في المملكة العربية السعودية؛ والشرعي منه خاصة، يستنكر إطلاق مصطلح «الدستور» المتعارف عليه في العصور المتأخرة، وذلك خشية إعطاء الانطباع بأن الحاكمية والسيادة التشريعيّة هي ولو جزئيّا، للقوانين الوضعيّة المألوفة في المجتمعات الأخرى، وظلت الدولة السعودية في قرونها وعهودها الثلاثة تؤكّد دوما على أن المرجعيّة التشريعيّة المطلقة والوحيدة لكل الأنظمة هي للقرآن الكريم والسنة النبوية، وبقيت السلطات الثلاث؛ القضائية والتنظيمية والتنفيذية، تلتزم بهما أساسا لإصدار الأنظمة وتتلافى الأخذ بما يتعارض معهما، بل وتتجنّب إطلاق تعبير «القانون» الدال كناية على التشريعات الوضعية.
ولو تأمل المرء مصطلح «الدستور» الشائع في المجتمعات الأخرى، لوجد أنه من حيث القوة والمدلول لا يوازي فضل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة، ومع ذلك صار البعض يحمّله أكثر مما يحتمل، وربما وضعه في مرتبة تماهي مكانتهما، في حين أنهما مصدران «فوق الدستورية» وأن قدرهما أكبر من المصطلحات المستحدثة، مما يعني أن وصفهما بالدستور هو انتقاص من مقدارهما، فالدستور (constitution) معني بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، يدلّل في القانون الدولي على «المبادئ الأساسية المنظّمة للسلطات الرئيسية الثلاث والعلاقة بينها، ولتبيان نظام الحكم وشكل الدولة، ولتوضيح حقوق الحاكم والمحكوم وواجباتهما» في حين أن القرآن الكريم نظام سماوي والسنة المطهّرة تشريع نبوي ينظّمان حياة الإنسان وشؤونه فيما هو أعمّ وأشمل.
ولقد صار الحرج في المملكة العربية السعودية يتوارى تدريجيا، بعد أن صدر النظام الأساسي للحكم عام 1992 وأصبح بعض الفقهاء كالشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى يعُدّونه مجازا في المحافل الدولية بمثابة الدستور شكلا ومضمونا، لأنه يضمّ في مواده كثيرا من القواعد المنظّمة لشؤون الحكم وشكل الدولة وعلمها، كما يؤكّد على ديانة المجتمع وعلى مرجع السلطات الدستورية الثلاث، وعرَف بأسس اقتصادها ومواردها وبجغرافيتها، إلى غير ذلك من القواعد المكتوبة المنظّمة للحكم، فالمقصود بـ«الإصلاحات الدستورية» هنا هو: مجموعة الإصلاحات الإداريّة والسياسيّة والتنظيميّة التي تبنّاها الملك فهد منذ أن كان نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء، ثم وليّا للعهد، وانتهاء بالأنظمة الأساسية التي صدرت بعد تولّيه الحكم، بهدف تنظيم السلطات العليا ومجالسها في البلاد.
وأحسب أن توظيف مصطلح «الإصلاحات الدستورية» في العنوان يبقى الأكثر ملاءمة للدلالة على المعاني المقصودة في السياق، لكونه يمسّ جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها ويجمع بين الإداري والسياسي والتنظيمي، أما المقصود بالشقّ الثاني من العنوان «الحوارات» فهو النهج الذي اتّبعه - ملكا - في لقاءاته الدوريّة المتكرّرة للحديث مع طلّاب الجامعات وفروعها والمبتعثين ومع أعضاء مجلس الشورى ومع القيادات الإعلامية، وكانت حوارات عامة تبادليّة مفتوحة تمتدّ لساعات، ولعل بين نهج الحوار المفتوح ومنهج الإصلاح المجتمعين في فكره، من التلازم ما سوّغ جمعهما في عنوان واحد، لكونهما يُمثّلان - في العلوم السياسية - جناحي الفكر الحديث المنفتح للقيادة، وبعض مرتكزات رجل الدولة والزعامة السياسية المتطوّرة.
يلحظ من يقرأ في تطوّر الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، أن عملية الإصلاح، قد بدأت - وبكثافة - منذ أن تفرّغ الملك المؤسس في العشرينات لتنظيم شؤون الدولة بعد دخول الحجاز في الحكم السعودي، ولقد سهّل وجود بعض التنظيمات العثمانية في الحجاز لأن يُبنى عليها ويُعمل على تطويرها، وكان الأخذ بمنهج الشورى من الأمثلة الواضحة على ذلك، فلقد بدأ بتكوين نواة سميّت المجلس الأهلي ثم المجلس الاستشاري ثم الشوري في خطوات متسارعة انتهت - في غضون عامين - إلى الرسوّ على تسميته مجلس الشورى مكوّنا من ثمانية أعضاء منتخبين مع إصدار نظام له مطلع عام 1926م وصار يتطوّر - عددا وتنظيما واختصاصات - حتى عام 1932م الذي أُعلن فيه بيانُ توحيد البلاد تحت اسمها الحالي: المملكة العربية السعودية، وفي ذلك البيان، وجّه الملك عبد العزيز مجلس الوكلاء - السلطة التنفيذية في حينه - بوضع نظام أساسي مكتوب للبلاد، يوضح قواعد توارث الحكم وانتقال السلطة في البلاد، وقد أعد مجلسا الوكلاء والشورى بعد ثلاثة أعوام مشروع النظام المطلوب، وشاء الله أن تنشغل البلاد بعد تلك الفترة - بالتطورات السياسية والإدارية ومن بينها ظروف نشوب الحرب العالمية الثانية وتبعاتها الاقتصادية والأمنية - قبل أن يتحقق ما أمر به الملك، غير أن السلطات الثلاث، القضائية والتشريعية والتنفيذية، كانت تعمل متناغمة مع وجود مجلس الوكلاء طيلة السنوات الثلاثين الأخيرة من عهد الملك عبد العزيز، ثم بعد تحويله إلى مجلس للوزراء قبيل عهد الملك سعود. وفي أواخر عهد الملك سعود (1962) تبنّى مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد الأمير فيصل مشروعا من عشرة بنود سُمّي «منهج الإصلاح الداخلي» تضمّن الكثير من أوجه التطوير والإصلاح التي كان الرأي العام المحلي يتطلّع إليها، وقد نُفّذ في حينه معظم بنود ذلك البرنامج، ثم بدأ في عهد الملك خالد - الذي استمر نحو ثمانية أعوام اضطلع فيها ولي العهد الأمير فهد بتسيير مقاليد الأمور السياسية والإدارية للبلاد - بدأ نشاط متواصل لإعادة النظر في العلاقة بين السلطات الدستورية، ولوضع التنظيمات الحديثة لكل من مجلسي الوزراء والشورى على أسس جديدة وواضحة من التكامل في المسؤولية وفصل السلطات، فتشكّلت في عام 1980م برئاسة وزير الداخلية (الأمير نايف) لجان لإعداد مشروع للنظام الأساسي للحكم، ولتحديث أنظمة مجلسي الوزراء والشورى ومجالس المناطق، وكان المراقب الإعلامي والإداري يستطيع - من خلال تكوين اللجان وصياغة الأفكار ومن لغة التنظيمات التي أفرزتها تلك الاجتماعات - أن يلحظ بصمات النفس التنظيمي والفكر السياسي للفهد، خاصة وقد ظهرت نتائجها في عهده، وكان من الواضح للكثيرين من معاصريه قبل تولّيه الحكم وفي أثنائه، أنه كان ذا فكر يميل نحو الانفتاح والتجديد ومواصلة مسيرة الإصلاح التي بدأت نواتها (لجنة التفتيش والإصلاح) في عهد والده المؤسّس منذ العشرينات.
ومع أن الظروف السياسية المعقّدة التي أحاطت بالبلاد في عهدي الملك خالد والملك فهد - منذ حادثة احتلال الحرم المكّي (1989) والمشكلة الأفغانية والحرب العراقية الإيرانية ثم حادثة احتلال الكويت (1990) وما أفرزته تلك الأزمات من مخاضات عميقة التأثير في الأوساط المحلية والإقليمية - قد جعلت صياغة الأنظمة تأخذ منحى متحفّظا نسبيّا عن أن تولد بمستوى التوقّعات المأمولة (كمشاركة المرأة والانتخابات في مجلس الشورى) لكنها لم تكن لتمنع الملك فهد من تلمّس «فن الممكن» لمواصلة مسيرة الإصلاح السياسي، وقد أشبهت تلك الظروف إلى حد ما، التحوّلات التي أحاطت بالبلاد في أعقاب ثورة اليمن وجعلت الملك فيصل المعروف بفكره التقدّمي يتبع سياسة حذرة ومتدرّجة في تنفيذ منهجه الإصلاحي السابق ذكره.
فلقد شهد عهد الملك فهد مشاريع إصلاحية مدروسة بُني عليها تحديث الكثير من المؤسسات الدستورية، وتأسيس حقبة من الحراك السياسي الداخلي والمشاركة الشعبيّة، وقيام صور جديدة من نشاطات المجتمع المدني، مثل: إنشاء الجمعية الوطنية (الشعبية) لحقوق الإنسان وهيئة حقوق الإنسان (الرسمية) وتأسيس مركز الحوار الوطني، وتنظيم عودة انتخابات المجالس البلدية في ظل نظام المناطق، ونحوها مما يصبّ في تعزيز الإصلاحات الحقوقية وإشاعة ثقافة الحوارات.
من بين حزمة الأنظمة المهمة التي صدرت مجتمعة عام 1992 كان النظام الأساسي للحكم الوثيقة الأهم والأشمل، وكان المظلة الدستورية التي تغطّي الثوابت والأسس وكل ما يتعلق بشؤون الحكم وشكل الدولة وديانتها ونظامها السياسي والشوري واقتصادها وحقوق الإنسان فيها وأسلوب توارث الحكم الملكي فيها، فضلا عن التأكيد على أنها دولة مؤسسات، فصدر النظام في تسعة أبواب تضمّ ثلاثا وثمانين مادة، تناولت مختلف الجوانب التي تتضمّنها الدساتير عادة، كما تناول أحد أبوابها بشكل مجمل قضية وراثة الحكم. في عام 1992 أيضا صدر أمران ملكيان بنظامين ؛ أحدهما لتحديث مجلس الوزراء (بوصفه السلطة التنفيذية) والآخر لتحديث مجلس الشورى (بصفته السلطة التنظيمية - التشريعية) وقد حدد النظامان اختصاصات المجلسين وارتباطهما بالملك بوصفه مرجع السلطات، كما حدّدا العلاقة التكاملية بين المجلسين، بما جعلهما معا يشتركان في إصدار الأنظمة، وعلى جانب السلطة القضائية، صدرت في أواخر عهد الملك فهد مجموعة تشريعات بالغة الأهمية لاستكمال منظومة الهيكل القضائي للبلاد وتطوير الإجراءات، كان منها نظاما القضاء والمرافعات.
ولم تتوقّف مسيرة الإصلاح في عهد الملك فهد عند إصدار الأنظمة الرئيسية المذكورة، فلقد تضمّنت كلمة الملك في مجلس الشورى عام 2003 نصوصا بالغة الصراحة والشفافية تعبّر عن النيّة في المضي بمنهج الإصلاح السياسي والدستوري، وبتوسيع آفاق المشاركة السياسية للمواطنين، وقد طلب الملك من الوزراء موافاته بجوانب التطوير والإصلاح التي يمكن أن تحقق مزيدا من تلك الأهداف، وكان ذلك الخطاب من أقوى ما مر على مجلس الشورى في تاريخ المملكة من كلمات سامية، واكتسب مجلس الشورى في العام نفسه زيادة في صلاحياته كان من شأنها تكريس مسؤوليّته التشريعية وتعزيز مرجعيّته بالنسبة للأمور التي يختلف معه مجلس الوزراء بشأنها، وقد جاء ذلك الخطاب قبل نحو عامين من وفاة الملك فهد.
أما بالنسبة لمجالس المناطق، فكان قد صدر أول نظام حديث للمقاطعات عام 1963 عندما كان الأمير فهد على سدة وزارة الداخلية، وأوضح النظام التقسيمات الإدارية للمناطق على نحو مقارب لما هي عليه الآن، في حين أُحدث في وزارة الداخلية قطاع يعنى بشؤون تلك المقاطعات، وقد بقي النظام معمولا به نحو أربعين عاما، حلّ محله نظام المناطق الذي أصدره الملك فهد في أربعين مادة عام 1992 قُسّمت المناطق بموجبه إلى ثلاث عشرة منطقة، تتضمن عددا من المحافظات والمراكز بُنيت على أساس التقسيم الإداري والجغرافي والسكاني للبلاد، ويتولّى أمراء المناطق إدارتها وحفظ الأمن والنظام فيها وتنفيذ الأحكام الشرعية، وتطوير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، وبحسب هذا النظام أُنشئ مجلس لكل منطقة برئاسة الأمير وعضوية نائبه ووكلائه ورؤساء الأجهزة الرئيسية الحكومية ومحافظي المحافظات وعدد من الأهالي من أهل العلم والخبرة.
ولقد برز من نهج الملك فهد في السنوات الثلاث الأولى من حكمه، حرصه على الالتقاء المباشر بالطلاب - ذكورا وإناثا - في الجامعات وفروعها، وبالمبتعثين الذين تجمّعوا في المدينة الرياضية بجدة، فشهدت تلك السنوات لقاءات مفتوحة مطوّلة، تحدّث فيها - مرتجِلا - أحاديث تلقائية، تطرّق فيها إلى ما كان يجول في خاطره وفي خاطر محاوريه في شؤون الوطن ومن الأحداث السياسية المحيطة بالمنطقة، كما كان يلتقي مع أعضاء مجلس الشورى في بداية كل سنة شوريّة، ويعقد لقاءات دوريّة مع الصحافيين المحليين ومسؤولي الإعلام بحضور الوزير ووكلائه، وذلك بغرض تزويدهم بالخلفيّات السياسية للأحداث ولتفسير مواقف المملكة نحوها، بما يساعدهم على قراءتها بشكل واعٍ عندما تتناولها صحفهم، وكان التلفزيون المحلي يعرض تلك الحوارات بأكملها، كما تقوم الجامعات ومجلس الشورى ووزارة الإعلام بطباعة هذه الأحاديث والحوارات في كتيّبات في حينه، وكان من ملامح تلك الحوارات وضوح الرؤية وسلاسة التعبير والإسهاب في تبيان المواقف التي تتخذها الحكومة تجاه بعض القضايا الداخلية والخارجية، ووقوفه مباشرة على المشكلات التي تواجه الشباب خاصة والمواطنين بعامة، من دون وساطة بيروقراطية، وكان يُصدر أحيانا توجيهات فوريّة بالحلول المطلوبة متى ما اقتنع بوجاهتها، أو يطلب الكتابة إليه بتفصيل الموضوع متى ما كان الأمر بحاجة إلى دراسة يليه اتخاذ قرار بأداة نظامية من مجلس الوزراء مثلا.
وقد بدت في حواراته المهارة السياسية في التوفيق بين متطلبات السريّة والكتمان من ناحية ومتطلّبات الشفافية من ناحية أخرى، كما كانت أحاديثه تتسم بدعابات تجعل من تلك الحوارات جلسات محببة للشباب، وبسعة صدر تخفف من عناء طولها، في روح من الودّ المتبادل التي أضافت إلى شعبيّته وتثبيت مكانته في قلوب الحاضرين والمتابعين، وقد شهد كل من عايش تلك الحوارات كيف كان يتقبّل بصدر رحب كل المداخلات والأسئلة، لا يستبعد شيئا منها أو يعتذر عن عدم الإجابة عنها. ومثّلت الحوارات فرصا دسمة لوسائل الإعلام الداخلية والخارجية لاستقاء المعلومات والأخبار منها، ومواد للاستشهاد بها والاقتباس منها، كما شكّلت نصوصها مادة توثيقية مهمة تضاف إلى سيرته، واستفاد منها معظم من كتب عنه في أثناء حياته وبعد وفاته، وكانت تلك الحوارات من السمات المتقدمة في شخصيّته ومنهاج حكمه، وهي سمات تلازم الزعامات السياسية المنفتحة على مواطنيها في النظم العصرية التي تهتم بقياسات الرأي العام والتواصل مع شعوبها. وكانت تلك الحوارات في حينها مؤتمرات صحافية ينتظرها الطلاب والإعلاميون والشوريّون للتعبير عن همومهم، وأعطت نماذج مثلى للمسؤولين والوزراء للانفتاح على المواطنين والخروج من المكاتب المغلقة، كما أبرزت جوانب من شخصيّته القيادية ومن فكره السياسي، ما كان من الممكن للمواطن العادي أن يستكشفها من دون هذه الوسيلة التي كانت تصل مباشرة إليه دونما تدخّل رقابي أو تحسينات. وبعد: لقد شكّلت القدرات القيادية في شخصية الملك فهد في عهوده السياسية الثلاثة، وخاصة في جانبي الإصلاحات الدستورية والإدارية والحوارات الجمعية، منعطفا تاريخيا مهما في تجديد دماء الحُكم وفي تقوية دعاماته وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الوطنية، وهو ما وصفتُه في حينه بأنه أشبه بــ«ميلاد جديد للدولة» وأحسب أنه لو لم يتزامن عهده الذي دام قرابة ربع قرن مع بعض النوازل التي عصفت بالمنطقة وتسببت في أن تعتري تلك الفترة نظرة محافظة اضطر معها السير بدفة البلاد إلى شواطئ الأمان في عالم متلاطم الأمواج، فلربما كان لمسيرة الإصلاح السياسي والدستوري شأن آخر، ومع ذلك، فإن جوانب الإصلاح التي ذُكرت نماذج منها، لم تحظ بعد من المؤسسات التعليمية والبحثية بما تستحقه من تحليل علمي يتناسب وأهميته، خاصة أن المصادر متوافرة والمعلومات لم يمض على رحيل شخصيّتها سوى عقد من الزمن.

ـ محاضرة ألقيت في الندوة العلمية لتاريخ الملك فهد، الرياض.
* إعلامي وباحث سعودي



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».