{التحالف} يحسم نصف معركة تكريت وسط صمت حكومي حيال إنكار دوره

القوات العراقية المشتركة تستعيد المجمع الحكومي في المدينة ومستشفاها

جندي عراقي يرفع العلم الوطني خلال قصف صاروخي لمواقع {داعش} في تكريت أمس (رويترز)
جندي عراقي يرفع العلم الوطني خلال قصف صاروخي لمواقع {داعش} في تكريت أمس (رويترز)
TT

{التحالف} يحسم نصف معركة تكريت وسط صمت حكومي حيال إنكار دوره

جندي عراقي يرفع العلم الوطني خلال قصف صاروخي لمواقع {داعش} في تكريت أمس (رويترز)
جندي عراقي يرفع العلم الوطني خلال قصف صاروخي لمواقع {داعش} في تكريت أمس (رويترز)

بعد رفع العلم العراقي فوق المجمع الحكومي في تكريت (يضم مبنى محافظة صلاح الدين ومجلس المحافظة) والمستشفى مساء أول من أمس تكون معركة تحرير المدينة من سيطرة «داعش»، التي مضى عليها أكثر من شهر، قد انتهت رمزيا.
وأعلن محافظ صلاح الدين رائد الجبوري استعادة كل مباني المقرات الحكومية في وسط مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين شمال العراق، بعد سلسلة من الهجمات انطلقت منذ بداية الشهر الحالي لاستعادة المدينة من سيطرة مسلحي تنظيم داعش.
وقال الجبوري لـ«الشرق الأوسط» إن القوات العراقية «سيطرت على مبنى محافظة صلاح الدين ورفعت العلم العراقي على مستشفى تكريت التعليمي ومبنى كلية الطب وسجن التسفيرات ومبنى الوقف السني» وتقع جميعها في القسم الجنوبي من مدينة تكريت.
من جهته، أعلن رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة صلاح الدين، جاسم الجبارة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن قوة عسكرية مشتركه قوامها أكثر من 5 آلاف مقاتل اقتحمت منطقة القصور الرئاسية في تكريت وأنها تضيق الخناق على مسلحي التنظيم في وسط المدينة.
بدوره، أكد العقيد محمد إبراهيم، مدير إعلام الشرطة الاتحادية، لـ«لشرق الأوسط» أن القوات الأمنية وأفواجا من الشرطة الاتحادية وفصائل من الحشد الشعبي وأبناء العشائر، اخترقت مقار «داعش» في منطقة «عرب شيشن» في المدينة، مضيفا أن منطقة «المائة دار»، ومباني التربية والإعمار والإسكان، وقصر الثقافة، وأكاديمية الشرطة وسط المدينة، أصبحت تحت سيطرة القوات الأمنية العراقية.
وقال ضابط عراقي رفيع المستوى وقريب من غرفة العمليات المشتركة لـ«الشرق الأوسط» إن «عملية التقدم البطيء باتجاه عمق المدينة ولأول مرة منذ أكثر من أسبوعين جرت بعد قصف مؤثر قام به طيران التحالف الدولي وكذلك طيران الجيش العراقي لمواقع تنظيم داعش من خارج المدينة مستهدفا التجمعات وطرق الإمداد التي لم تغلق بعكس ما أشيع عن حصار مطبق لتكريت». وأضاف الضابط العراقي أن «حصار تكريت لم يكن فعليا من الناحية الواقعية بسبب وجود أماكن مفتوحة لكن قسما منها سرية ومحكمة بحيث لا يمكن اختراقها إلا من قبل الطيران الدولي الذي يملك الأجهزة والتقنيات المتطورة الأمر الذي أدى في النهاية إلى تدمير مواقع التنظيم بشكل كبير ومن أكثر من محور خصوصا المحور الجنوبي الذي كان أحد المنافذ الرئيسية لـ(داعش) لإدامة زخم المعركة»، مشيرا إلى أن «القصف المتواصل أدى إلى مقتل العشرات من مقاتليهم المتحصنين وتحطيم تحصيناتهم وتفكيك مئات العبوات الناسفة».
وبينما كانت فصائل الحشد الشعبي، باستثناء سرايا عاشور التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم، قد أعلنت انسحابها من المعركة احتجاجا على الطلب الذي تقدمت به الحكومة العراقية بشأن المساعدة من الولايات المتحدة الأميركية لإشراك طيران التحالف الدولي في المعركة فإن هذه الفصائل بدأت تؤكد إما أنها لم تنسحب أصلا وإنما علقت مشاركتها فقط أو أنها عادت الآن بعد حصولها على تأكيدات من رئيس الوزراء حيدر العبادي بعدم مشاركة طيران التحالف الدولي.
وفي هذا السياق أكد الضابط العراقي المسؤول أن «الحاجة الآن لم تعد ماسة إلى طيران التحالف الدولي في مدينة تكريت ومحيطها بعد أن مهد الأرض للتقدم وأنه يتم الاكتفاء الآن بطيران الجيش العراقي»، مبينا أن «طيران التحالف الدولي مستمر في شن الغارات على مواقع (داعش) في الأنبار والموصل كجزء من الجهود التي يقوم بها المجتمع الدولي لمساعدة العراق في حربه ضد الإرهاب».
رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي حاول من جانبه وعبر مصدر مقرب منه وفي بيان مقتضب التوفيق بين حاجته إلى التحالف الدولي مقابل عدم إزعاج فصائل الحشد الشعبي التي يرهن غالبيتها مشاركته في عمليات تكريت بعدم مشاركة واشنطن, لكنه أقر في بيان أمس بمشاركة طيران التحالف الدولي في معركة تكريت إلى جانب طيران الجيش العراقي.
وحاول القيادي في الحشد الشعبي عن محافظة صلاح الدين، يزن الجبوري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» التقليل من الجهود التي قام بها طيران التحالف الدولي في معركة تكريت، قائلا إن «طيران التحالف لم يقم سوى بضربة جوية واحدة لموقع داخل المدينة، بينما قواتنا العراقية اقتحمت لتعبر الساتر الترابي والخندق الذي يبلغ عرضه 5 أمتار وعمقه 3 أمتار وسيطرت على القاطع تماما». وأضاف الجبوري أنه «لم يبق بيننا وبين نهر دجلة سوى 900 متر بينما كانت قواتنا تقدمت من محاور عدة من كل مكان باتجاه الداخل»، مؤكدا أن «حسم معركة تكريت بشكلها النهائي لم يعد مسألة أيام بل أستطيع أن أقول ساعات»، مبينا أن «حسم معركة تكريت يفتح الباب أمام التوجه نحو قضاء الشرقاط الذي هو آخر معاقل (داعش) في محافظة صلاح الدين».
وبينما تصر فصائل الحشد الشعبي على إنكار أي دور للتحالف الدولي في معركة تكريت فإن الحكومة العراقية تلتزم الصمت حيال هذا الإنكار رغم أن لجنة الأمن والدفاع البرلمانية تبدو هي الأخرى منقسمة على نفسها بهذا الاتجاه. ففي الوقت الذي يصر أعضاؤها ممن ينتمون إلى كتل تؤيد فصائل الحشد الشعبي على عدم فاعلية ضربات التحالف فإن هناك أعضاء من كتل أخرى يرون العكس تماما. ويقول كاظم الشمري، عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية عن ائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «دور التحالف الدولي كان ضروريا ومؤثرا في معركة تكريت وغيرها من المعارك»، مشيرا إلى أن «الملاحظة الوحيدة التي يمكننا تسجيلها على دور التحالف الدولي هي أن مشاركته لا تزال أقل مما هو مطلوب». وأكد الشمري أن «الحكومة العراقية كانت تنتقد التحالف لجهة عدم فاعليته بالقياس إلى حجم التحدي الذي يمثله (داعش) لكنها اليوم مضطرة، مجاراة لبعض فصائل الحشد، إلى عدم التركيز على هذا الأمر إعلاميا في الأقل بينما هي تريد من التحالف الدولي فاعلية أكبر»، مبينا أن «الولايات المتحدة الأميركية تتفهم الوضع الحرج للحكومة العراقية حيث من الواضح أن هناك صراعا إيرانيا - أميركيا يجري داخل الأرض العراقية».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.