نصر الله يسعى لوقف الاستخفاف بـ«فائض القوة» لدى حزبه

TT

نصر الله يسعى لوقف الاستخفاف بـ«فائض القوة» لدى حزبه

يقول مصدر سياسي معلقاً على المواقف التي أعلنها الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله وخصّ بها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع من دون أن يسمّيه، إنه أدى خدمة سياسية لخصمه اللدود، ليس بدعوته له إلى أن «يقعد عاقل ويتأدّب» فحسب؛ وإنما للتهويل عليه بأن لدى الحزب 100 ألف مقاتل مسلحين على أكمل وجه، وينتظرون الإشارة «لطحن الجبال»، ويعزو السبب إلى أن تهديد جعجع هو الذي استوقف الرأي العام اللبناني؛ ومن خلاله الدولي والإقليمي، من دون أن يتوقف أمام سرده تاريخه السياسي بأبرز محطاته؛ «لأن تهديده أقلق السواد الأعظم من اللبنانيين الذين تعاملوا معه على أنه يؤدي إلى تعويم جعجع سياسياً في الشارع المسيحي، وبالتالي لم يكن مضطراً للتلويح بفائض القوة الذي يتمتع به الحزب».
ويلفت المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن نصر الله «لم يكن مضطراً للخروج عن المضامين السياسية في محاكمته جعجع التي لم تكن قضائية، باستحضاره الهيكل العسكري لحزبه الذي يتجاوز تعداد الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة، وإنما أراد التوجُّه إلى محازبيه وأنصاره لاستيعابهم؛ ولطمأنتهم على مستقبلهم بغية استعادة زمام المبادرة بالهجوم على خصومه؛ وأولهم جعجع، وصولاً لتصفية حسابه مع حزب (القوات) على خلفية اتهامه بأن مشروعه هو الرهان على الحرب الأهلية».
ويستبعد أن يكون نصر الله اضطر للحديث عن الهيكل العسكري لحزبه لتوجيه رسالة إلى الذين يدققون في نتائج الانتخابات النيابية في العراق على أنها أول مؤشر لتراجع نفوذ إيران لمصلحة خصومها، ويقول إنها قادرة على استرداد ما خسرته لأن جميع القوى؛ وعلى رأسهم من يصنّفون على لائحة الخلاف معها، لن تذهب بعيداً في مشروعها الذي يبقى تحت السيطرة، ويؤكد أن البعض، وإن كان ينطلق في تقديم الموقف المستجدّ لنصر الله على أنه يأتي في سياق الهجوم في موقع الدفاع عن الدور الإيراني في العراق، فإنه يغيب عن باله أنه يهدف من وراء تهديده إلى استيعاب الإرباك الذي أصاب قاعدته الحزبية والحاضنة الشعبية للمقاومة بعد العاصفة الدموية التي استهدفت مناطق التماس في الضاحية الجنوبية.
ويكشف المصدر نفسه عن أن نصر الله كان مضطراً للتهديد بقوة الهيكل العسكري الذي يتمتع به حزبه لوقف الاستخفاف بفائض القوة الذي لم يسمح له باستخدامه عندما تعرضت مجموعة من الشبان في بلدة شويا في قضاء حاصبيا لعناصر الحزب والشاحنة التي استخدموها لقصف المنطقة المفتوحة الممتدة بين منطقة مزارع شبعا المحتلة وبين تخوم منطقة جنوب الليطاني التي هي بمثابة منطقة مشتركة لعمليات الجيش و«يونيفيل» لتنفيذ القرار «1701»، ومن ثم لوقف الاشتباك الذي كان اندلع في منطقة خلدة بين عناصر حزبية وأخرى عشائرية وقبلية على خلفية الثأر لمقتل شخص ينتمي إلى العشائر العربية.
ويؤكد أن الحزب بات مضطراً لأن يستعيد هيبته لئلا يتحوّل إلى «مكسر عصا»، ولم يجد أمامه سوى «القوات» محمّلاً إياها مسؤولية مواجهات الطيونة التي أدت إلى سقوط 7 قتلى؛ بينهم امرأة، ويقول إن نصرالله «أراد أن يُخضع جعجع لمحاكمة سياسية على أن تضاف إلى المحاكمة القضائية التي طالته سابقاً وأدت إلى سجنه، مع أنها مسبوقة في تاريخ العلاقة بين الطرفين من موقع الاختلاف والخصومة الدائمة، رغم أنه كانت جرت محاولات لفتح حوار بينهما لكنها لم تفلح لتنظيم الخلاف انطلاقاً من التفاهم على ربط النزاع أسوة بما هو حاصل الآن في علاقة (حزب الله) بكل من (تيار المستقبل) و(الحزب التقدمي الاشتراكي)».
ويرى أن «لا خلفية إقليمية أو دولية لحديث نصر الله عن الهيكل العسكري لحزبه، لكن هذا لا يمنع من توظيفه في خانة توجيه رسالة إلى إسرائيل لمنعها من المساس بقواعد الاشتباك في جنوب لبنان، وأيضاً إلى المجتمعين الدولي والإقليمي بعدم الرهان على (القوات) كرأس حربة في مواجهة الحزب والتصدي لتمدّده ونفوذه إلى خارج الحدود»، ويقول إن نصر الله أراد أن يواجه «القوات» على «عتبة الاستعدادات لخوض الانتخابات النيابية، لعل خصومه يبادرون إلى التحسب منذ الآن لرد فعله في حال قرر جعجع أن يتجرّأ على (حزب الله) من دون حساب لقدرته على حسم الموقف».
ويعدّ أن لجوء «حزب الله» لإخضاع جعجع إلى محاكمة سياسية لم يمنعه من التهويل عليه وتهديده بمحاكمة «ميدانية» من نوع آخر في حال استمر في تطاوله على «الحزب» والتحريض عليه، ومن هنا تهديده بعدد مقاتليه الـ100 ألف لبناني، كما قال.
ويلفت إلى أن تهديد نصر الله لجعجع «لن يمر مرور الكرام إقليمياً ودولياً؛ وإن كان يقصد من ورائه شد العصب داخل الحاضنة الشعبية للمقاومة لمواجهة ما سمّاه نصر الله (رهان جعجع على جر البلد إلى حرب أهلية)»، ويقول إنه ستكون هناك تداعيات لتهديده على المستويين العربي والدولي، «وهذا يشكل إحراجاً للحكومة الميقاتية وهي تواصل التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات».
ويؤكد أن تهديد نصر الله يؤدي إلى «ضرب مشروع إعادة بناء الدولة، فيما يسعى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى تدوير الزوايا لعله يتمكن من معاودة جلسات مجلس الوزراء وإخراج التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت من المأزق الذي يواجهه، كما أن هذا التهديد سيُدرج على جدول الاهتمامات الدولية بلبنان التي تعوق إعادته إلى الخريطة الدولية التي هي من أولويات ميقاتي».
لذلك؛ فإن تهديد نصر الله لجعجع سيؤدي، على الأقل في المدى المنظور، لرئيس «القوات» خدمة من السابق لأوانه التكهّن بمردودها عليه في الانتخابات النيابية؛ لأنها أتاحت له التقدُّم بشكل ملحوظ على خصومه في الشارع المسيحي، كما أن استحضار القوة العسكرية للحزب يشكّل قلقاً لدى الطوائف الأخرى من خلال أبرز قياداتها التي تتواصل مع «الحزب» تحت سقف التهدئة لتنفيس الاحتقان المذهبي والطائفي.
كما أن خصوم جعجع في الشارع المسيحي كانوا يفضّلون، بحسب المصدر نفسه، «ألا يتطرّق نصر الله إلى القوة العسكرية لحزبه؛ لأن استحضارها لن يؤسس لحلفائه للدخول في مرحلة سياسية تسمح لهم باسترداد القوة الثالثة في شارعهم التي ما زالت تتموضع في منتصف الطريق بين (القوات) و(التيار الوطني الحر) وتختزن قوى معارضة تتواصل مع أطراف الحراك المدني».
أما إذا كان «حزب الله» يعوّل على أن هجومه على «القوات» سيخدم حليفه النائب جبران باسيل بإعادة تعويم ورقة التفاهم مع احتفاظ الأخير بحقه في التمايز عن «الحزب»، فإنه سيكتشف أن هناك صعوبة في إحداث فرز في الشارع المسيحي يؤدي إلى خلط أوراق التحالفات بحسابات جديدة.
وعليه؛ فإن «أمر العمليات» الذي أصدره نصر الله باستهدافه حصراً «القوات» يحول حتى الساعة دون تحقيق الحد الأدنى من الأهداف المرجوّة منه، إن لم يكن سيدفع باتجاه تعميق الهوّة بين الحزب وقوى أساسية في الشارع المسيحي، فيما أن الحوار بين «بكركي» و«الحزب» في حاجة إلى إعادة التواصل بعد أن انقطع منذ دعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى تحييد لبنان.
وتبقى الإشارة إلى أن نصر الله، بحسب المصدر السياسي، اضطر لإدراج اسم «القوات» بنداً أول على جدول أعمال «الحزب» في المرحلة الراهنة لأنه في حاجة إلى استنفار جمهوره للدفاع عن قضية وجودية باتهامه جعجع بالعمل على إقامة «كانتون مسيحي»، فيما يصر على قطع الطريق على من يحاول أن يجره إلى خلاف مع الجيش بعد أن تعرّضت قيادته لهجوم منظّم من مواقع التواصل وبعضها محسوب على «الحزب»، وكانت «استقوت» بالحملات التي شنّها عدد من أبرز المسؤولين في «الحزب» الذين غمزوا من قناة المؤسسة العسكرية في تطرّقهم إلى ما حدث في الطيونة.



«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.


نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلال مداخلة عبر الفيديو السبت، تطرّقت ألبانيزي إلى «عدو مشترك»، سمح على حد تعبيرها بوقوع «إبادة جماعية» في غزة.

وقالت: «بدلاً من إيقاف إسرائيل، قامت معظم دول العالم بتسليحها، ومنحتها أعذاراً سياسية ومظلّة سياسية، ووفرت لها دعماً اقتصادياً ومالياً».

وأضافت: «نحن الذين لا نتحكم برؤوس أموال ضخمة، ولا بالخوارزميات، ولا بالأسلحة، ندرك الآن أنه، كبشرية، لدينا عدو مشترك».

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرنس-24»، اليوم، قبل إدلاء بارو بموقفه، ندّدت ألبانيزي بـ«اتهامات كاذبة تماماً» وبـ«تحريف» لتصريحاتها.

وقالت المقررة الأممية: «لم أقل أبداً أبداً أبداً إن إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية»، موضحة: «تحدثتُ عن جرائم إسرائيل، وعن الفصل العنصري، وعن الإبادة الجماعية، ودِنت النظام الذي لا يسمح بسوق إسرائيل إلى العدالة ولا بوقف جرائمها، بوصفه عدواً مشتركاً».

لكن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن تصريحات ألبانيزي «تضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الشائنة، من تبرير (هجوم) السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أسوأ مجزرة معادية لليهود في تاريخنا منذ المحرقة، إلى التطرق إلى اللوبي اليهودي، وحتى تشبيه إسرائيل بالرايخ الثالث».

وقال في معرض ردّه على سؤال وجّهته النائبة في المعسكر الرئاسي كارولين يادن: «إنها ناشطة سياسية تروّج لخطابات كراهية تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني التي تزعم الدفاع عنها، وإلى الأمم المتحدة. لا يمكن بأي حال من الأحوال، وبأي صفة، أن تتحدث ألبانيزي باسمهم».

وطالبت يادن ومعها نحو عشرين نائباً في رسالة إلى الوزير، أمس، بأن تُجرَّد ألبانيزي «من أي تفويض أممي وبأثر فوري» بعد تصريحاتها.