ماكرون يعلن اليوم «الاعتراف» بقمع الجزائريين قبل ستين عاماً

الرئيس الفرنسي {لن يعمد إلى الاعتذار أو طلب الصفح}

الرئيس الفرنسي يفترض أن يعلن اليوم «الاعتراف» بحقيقة القمع الدموي للجزائريين قبل ستين عاماً في باريس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي يفترض أن يعلن اليوم «الاعتراف» بحقيقة القمع الدموي للجزائريين قبل ستين عاماً في باريس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يعلن اليوم «الاعتراف» بقمع الجزائريين قبل ستين عاماً

الرئيس الفرنسي يفترض أن يعلن اليوم «الاعتراف» بحقيقة القمع الدموي للجزائريين قبل ستين عاماً في باريس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي يفترض أن يعلن اليوم «الاعتراف» بحقيقة القمع الدموي للجزائريين قبل ستين عاماً في باريس (أ.ف.ب)

في ملف العلاقات الفرنسية - الجزائرية، ثمة فصل دام «من بين فصول كثيرة» يعود إلى الواجهة كلما اقترب تاريخ 17 أكتوبر (تشرين الأول). ففي ذلك اليوم «وتحديداً ذاك المساء» قبل ستين عاماً، كانت الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا على موعد مع عنف السلطات الفرنسية التي كانت قد اتخذت مجموعة قرارات تمييزية بحق الجزائريين أبرزها منع تجوالهم ليلاً وتكاثر عمليات التفتيش التي كانوا يخضعون لها فضلاً عن الأجواء المسمومة لا بل الملتهبة الناتجة عن الحرب الدائرة في الجزائر بين القوات الفرنسية وجبهة التحرير الجزائرية.
ولسنوات، عتمت باريس على القمع الذي واجه مظاهرة سلمية احتجاجاً على منع التجوال ومطالبة بتمكين الجزائر من الحصول على استقلالها. وجاء قمع الأجهزة الأمنية بأمر من مدير شرطة باريس موريس بابون غاية في الضراوة والوحشية، بحسب المؤرخين البريطانيين، جيم هاوس ونيل ماكماستر، اللذين وصفاه في كتابهما «الجزائريون، الجمهورية ورعب الدولة»، بأنه «أعنف قمع لمظاهرة في أوروبا الغربية في التاريخ المعاصر». وفي العقود الماضية، تجاهلت السلطات الفرنسية هذه المجزرة وقزمتها إلى عملية «محافظة على الأمن» بينما سقط ضحايا القمع الأعمى عشرات من القتلى في الشوارع والساحات أو في محطات المترو إلى درجة أن كثيرين رموا أنفسهم في نهر السين للإفلات من رجال الأمن أو تم رميهم فيه. ومع انبلاج الصباح، ظهرت عشرات الجثث الطافية على سطح الماء. كذلك تم القبض على 12 ألف جزائري وجزائرية جمعوا في الملاعب الرياضية أو في قصر المعارض حيث خضعوا للاستجواب ولممارسات مهينة منها الضرب والتعذيب.
حتى عام 2012، التزمت السلطات الفرنسية سياسة الإنكار والتقليل من أهمية ودموية ما حصل في 17 أكتوبر عام 1961، وفي العام الأخير من عهده، قام الرئيس السابق فرانسوا هولاند بخطوة متواضعة حينما اعترف بحصول «القمع الدموي». بيد أن هولاند لم يحدد الجهة المسؤولة عنه. من هنا، فإن الأنظار تتجه لما سيصدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون اليوم السبت في تكريم ذكرى الضحايا بمناسبة مشاركته، الأولى من نوعها في تاريخ الجمهورية الخامسة، التي ستحصل عند جسر بوزون، الواقع في ضاحية كولومب، غرب العاصمة الفرنسية. واختيار هذا الجسر ليس من باب الصدف بل لأنه كان أحد مواقع القمع الأعمى.
وأمس، قالت مصادر قصر الإليزيه إن بادرة ماكرون تندرج في إطار ما يسميه «تصالح الذاكرتين» الفرنسية والجزائرية وتنفيذاً للتوصيات التي قدمها المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا في تقريره الشهير حول كيفية التقريب بين الطرفين، سيعمد ماكرون إلى وضع باقة من الزهور والتزام دقيقة من الصمت والاستماع لممثلي كافة الفئات المعنية بالتاريخ المذكور. وأفادت أوساط الإليزيه بأن دعوات للمشاركة وجهت لعدد لأبناء وأحفاد ضحايا القمع ولممثلين عن الجالية الجزائرية والحركيين والفرنسيين الذين رحلوا عن الجزائر عند استقلالها وآخرين عن الشرطة والمجندين... واللافت أن ماكرون لن يلقي خطاباً بهذه المناسبة بل استعيض عنه ببيان سيصدر اليوم عن قصر الإليزيه. ورفضت أوساطه الكشف عن مضمونه، إلا أنها بالمقابل، أكدت أنه «سيذهب أبعد مما ذهب إليه» الرئيس هولاند.
حقيقة الأمر أن ماكرون، وفق أوساطه، يرفض أمرين: الأول، الإنكار أو التوبة كما أنه لن يعمد إلى الاعتذار أو طلب الصفح كما فعل قبل أسابيع قليلة مع «الحركيين» أي الذين حاربوا إلى جانب الجيش الفرنسي إبان حرب الجزائر وانتقل عدة آلاف معه إلى الأراضي الفرنسية حيث تعرضوا لمعاملة مهينة طيلة سنوات طويلة. ويؤكد مستشارو ماكرون أن ما سيقوم به هو «الاعتراف» بحقيقة ما حصل في ذلك اليوم المشؤوم. وبحسب هؤلاء، فإن «الاعتراف أهم من الاعتذار». والمرجح أن ماكرون سيعين في البيان الذي سيصدر عن قصر الإليزيه الجهات التي تقع عليها مسؤولية القمع الدامي. وعن الأسباب التي تمنعه من القيام ببادرة تصالحية كالتي قام بها إزاء «الحركيين» الذين طلب منهم الصفح، تجيب مصادره أنه في الحالة الأولى كانت هناك سياسة منهجية ظالمة بحقهم، أقرت على أعلى مستويات الدولة. أما في حالة 17 أكتوبر، فإن القمع جاء في إطار الحرب القائمة في ذلك الوقت ولم تكن هناك تعليمات لمدير شرطة باريس موريس بابون بأن يأمر بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين أو معاملتهم بالعنف الأعمى.
بيد أن هذا التبرير قد يكون على علاقة ما بالاستحقاقات الانتخابية القادمة وأهمها الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) القادم. والثابت أن إقدام ماكرون على خطوة اعتذار أو طلب الصفح ستستخدم حجة انتخابية من اليمين المتطرف واليمين الكلاسيكي وكلاهما يركز حملته الانتخابية على ملفات الهجرة والإسلام والدفاع عن الهوية الفرنسية... وبالتالي سيكون الاعتذار أو طلب الصفح مضرين له انتخابياً وسياسياً. لكن مستشاري الإليزيه يؤكدون أن ماكرون ماضٍ في مشروعه لمصالحة الذاكرتين وأنه قام ببادرات إزاء الجزائر ومنها تقرير ستورا والاعتراف بمسؤولية الجيش الفرنسي عن مقتل المحامي المناضل علي بومنجل وإعادة جماجم مناضلين جزائريين كانت المتاحف الفرنسية تحتفظ بها وفتح جانب من الأرشيف الوطني.
بيد أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية تعرف منذ أسابيع حالة من التوتر الشديد بعد تصريحات لماكرون عن الأمة الجزائرية واتهام النظام «السياسي - العسكري» بالعيش على «ريع الذاكرة» أي ذاكرة الاستعمار وحرب التحرير وكره الجزائر. ومؤخراً، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنه لن يعيد السفير الجزائري إلى باريس «قبل أن تبين فرنسا أنها تحترم الجزائر».



خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.