«البنتاغون»: تعطيل حضور «داعش» الإلكتروني حل مؤقت لمعضلة استراتيجية

شرطة لندن لـ«الشرق الأوسط» : أزلنا أكثر من 55 ألف مادة عن الإرهاب من الإنترنت خلال السنوات الأربع الأخيرة

«البنتاغون»: تعطيل حضور «داعش» الإلكتروني حل مؤقت لمعضلة استراتيجية
TT

«البنتاغون»: تعطيل حضور «داعش» الإلكتروني حل مؤقت لمعضلة استراتيجية

«البنتاغون»: تعطيل حضور «داعش» الإلكتروني حل مؤقت لمعضلة استراتيجية

بات الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي من أبرز المجالات التي تستغلها الحركات المتطرفة والإرهابية سواء للترويج لأفكارها أو تجنيد المناصرين والمقاتلين. وفي ضوء هذا الواقع، تعكف الدوائر المولجة بمتابعة ما ينشر في الإعلام الإلكتروني، في الأجهزة الأمنية الغربية، على إعداد الخطط الكفيلة بدعم الجهود العسكرية والاستخباراتية المعدة والمعتمدة لمكافحة الإرهاب، لا سيما، بعد تشكيل التحالف الدولي لمواجهة «داعش» في العراق وسوريا. وفي هذا السياق، نعرض لما هو معتمد في الولايات المتحدة وبريطانيا، والأولويات المدرجة في نطاق التصدي للجماعات الإرهابية ونشاطاتها في أوروبا وأميركا. ونشير إلى قول مسؤول عسكري أميركي لـ«الشرق الأوسط»، بأن التحديات الإلكترونية في مجابهة تحركات تنظيم «داعش» وأمثاله، باتت «تحتاج إلى جهد واسع يشمل مواجهة طواقم عناصره من منتجين وموزعين في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وذلك بالتوازي مع دعم جهود دول التحالف لدحض خطاب (داعش) المستنكر واستخدامه العنف» وسيلة لتحقيق غاياته.
معلوم أن خطر المتطرفين في أوروبا وأميركا يزداد يوما بعد يوم، وما عاد الساسة والمسؤولون الأمنيون الغربيون بين الفينة والأخرى يترددون في الإعراب عن مخاوفهم علنا؛ إذ قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس مطلع الشهر الحالي إن «نحو 10 آلاف أوروبي قد ينضمون إلى المجموعات المتطرفة في سوريا والعراق بحلول نهاية 2015؛ أي أكثر بثلاثة أضعاف من عددهم حاليا».
من جانبه، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال خطابه بالجلسة الافتتاحية للقمة العربية في دورتها الـ26، أول من أمس، أن العالم بات يشهد خطرا إرهابيا غير تقليدي على مواقع التواصل الاجتماعي.
وحقا، كان تنظيم «داعش» قد بث منذ يونيو (حزيران) الماضي سلسلة سينمائية من الأفلام الدموية تضمنت مشاهد قتل أشخاص أجانب وعرب في العراق وسوريا وليبيا، من بينهم الطيار الأردني معاذ الكساسبة.. ونشرها بشكل مكثف على حسابات التواصل الاجتماعي المختلفة، مستخدما أدوات إعلامية متطورة في عملية إخراج وتصميم المقاطع. وحول هذا الأمر، يؤكد جوزيف ناي، المفكر السياسي الأميركي البارز والأستاذ في معهد كيندي بجامعة هارفارد، في مقال كتبه على موقع «بروجيكت سينديكيت» الأميركي، أن «الجماعات الإرهابية على يقين من أنها لن تتمكن من التغلب على جيوش الدول بخوض حروب مباشرة. ولذا، يلجأ (داعش) إلى حروب هجين على جبهات عدة وبتكتيكات متنوعة، منها اللجوء لإعدامات بشعة تلفت الأنظار، والحضور المكثف على وسائط التواصل الاجتماعي». كما يوضح ناي أن «هذه الحرب الاستفزازية التي يقودها التنظيم حشدت بدورها صفوفا من مندديه. وكان من نتاج التنديد الدولي أنه خلق أقلية من المتعاطفين أعلنوا ولاءهم لما يمثله التنظيم. وبذلك يصبح المتعاطفون مع (داعش) عناصر مجندين به، وجيشا يحشد له».
من جانبه، قال الأميرال مايكل رودجرز، رئيس نشاطات البحرية الأميركية على شبكة الإنترنت، إن الولايات المتحدة قلقة من قدرة «داعش» على «توليد موارد وتمويل ماكينة إعلامية، لأن ذلك يثبت قدرة التنظيم على إعالة نفسه ونشر أخطاره مع مرور الوقت على الأرض في معاقله في سوريا والعراق وليبيا.. وغيرها» وذلك خلال مؤتمر صحافي مطلع الشهر الحالي نشر بيانه على موقع البنتاغون الرسمي.
وبحسب تقرير «بروكينغز أكاديميكس» الشهر الماضي، فإن «داعش» يتحكم اليوم بنحو 90 ألف حساب للتجنيد على «تويتر»، وذلك بعدما حلل التقرير أكثر من 50 ألف حساب مشتبه به على الشبكة وجمع معلومات متفرقة من أكثر من 1.9 مليون حساب ناشط. وقال التقني جي إم بيرغر، أحد معدي التقرير، لجريدة الـ«ديلي ميل» البريطانية إن على الحكومات ووسائط التواصل الاجتماعي التعاون لإخماد الحرب الدعائية للتجنيد التي يهيمن عليها عناصر «داعش».

**  نهج استباقي في بريطانيا

وفي بريطانيا، تتولى «وحدة مكافحة الإرهاب البريطانية المعنية بشبكة الإنترنت» رصد المواد «الإرهابية» والمتطرفة على الشبكة باستمرار. وتتبع الوحدة منهجا استباقيا وفعالا في رصد المواد الإرهابية، كما تتلقى أيضا بلاغات عامة من مستخدمي الشبكة، ولهم الاختيار بطلب إغفال الإشارة لهويتهم. وتعمل هذه الوحدة، التي يديرها خبراء تقنيون ومحللون، على حذف هذه المواد من الشبكة، من خلال التنسيق مع وسيط التواصل الاجتماعي المعني مثل «تويتر» وغيره، في حال انتهاك المواد المنشورة قوانين الإرهاب البريطانية.
وتعد «الوحدة» مسؤولة أيضا عن إبلاغ الشرطة عن أي إساءات إرهابية - مثل تعظيم أفعال إرهابيين ومدحها، أو ترويج حملاتهم أو حشد للقتال - على الشبكة، وذلك من أجل اتخاذ إجراءات لمحاكمة الجناة.
وحسب شرطة العاصمة لندن (اسكوتلاند يارد)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإنه خلال السنوات الـ4 الأخيرة، استطاعت «الوحدة» إزالة أكثر من 55 ألف مادة إلكترونية عن الإرهاب، مضيفة أنه «في الآونة الأخيرة، ترصد الوحدة أكثر من ألف مادة تنتهك قانون الإرهاب لعام 2006 البريطاني أسبوعيا، و80 في المائة منها عن سوريا والعراق، وهي متداولة على جميع وسائل التواصل الاجتماعي؛ منها (تويتر) و(فيس بوك) و(تويتر)».
كذلك تعمل شرطة لندن و«الوحدة» على حذف مقاطع فيديو مشاهد القتل والتعذيب والمداهمات والعمليات الانتحارية بالتنسيق مع الشركات المستضيفة للمواقع ووسائل التواصل الاجتماعي. أما التجاوزات التي ترصدها الوحدة خارج المملكة المتحدة، فأكدت «اسكوتلاند يارد» أن «وحدة مكافحة الإرهاب تحافظ على علاقات جيدة مع شركات الإنترنت الدولية وتتعاون معها لمحاربة التطرف الإلكتروني». وأضافت: «في معظم الأحيان يصار إلى حذف المواد المتطرفة بناء على توافق بين الوحدة والشركات الدولية، ولكن قد تلجأ الوحدة إلى قضاء الدولة الحاضنة لتلك الشركة إن احتاج الأمر».
من جانبها، قالت شركة «تويتر» إنها وجهات أخرى، عاملة في مجال إنفاذ القانون في الولايات المتحدة، تحقق باستمرار في تهديدات مزعومة من أنصار تنظيم «داعش» على الإنترنت ضد موظفي الشركة، كما تعمل شركتا «تويتر» و«فيسبوك» على إغلاق الحسابات التي تنشر رسالة تنظيم «داعش».

**  لا تغير في رسالة «البنتاغون»

إلا أن الأسلوب الأميركي يختلف على ما يبدو عن الأسلوب البريطاني؛ إذ أوضح مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» - طلب إغفال ذكر اسمه - لـ«لشرق الأوسط» أن «استخدام شبكة الإنترنت، التي تتضمن وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك تقنية المعلومات الحديثة، في الترويج للإرهاب وجرائم التنظيم المختلفة، يستوجبان التعامل معه بكل الطرق القانونية، ولكن مع احترام الالتزامات والموجبات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بما فيها حرية التعبير وحرية سريان الأخبار ومشاركة المعلومات لضمان شبكة إنترنت مفتوحة وحرة». وتابع المسؤول العسكري خلال رده على أسئلة «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن «داعش» بالفعل «استغل وسائل التواصل الاجتماعي في ماكينته الدعائية التي تهدف إلى تعزيز التطرف، وتجنيد الشباب لحمل رسالة التنظيم المفعمة بالكراهية حول العالم».
إلا أن ماكينة «داعش» الإعلامية الإلكترونية قد لا تحظى إلا بدور ثانوي نسبيا في حرب الولايات المتحدة على التنظيم المتطرف بالمقارنة مع الجهد العسكري المباشر. ويشير المسؤول العسكري إلى أن «استراتيجية (البنتاغون) في مواجهة (داعش) لم تتغير بعد؛ ففي حين يبقى تركيز وزارة الدفاع الأميركية العاجل على طرد (داعش) من العراق الذي يسيطر التنظيم على بعض المدن فيه، فإن القوات الأميركية وحلفاءها يواصلون ضرب التنظيم المتطرف في سوريا لحرمانه من ملاذات آمنة وتعطيل قدرته على ممارسة سلطته»، وبذلك تتقدم أولويات الحرب العسكرية على الإعلامية منها.
ومن ثم، شدد المسؤول العسكري على أن تعطيل حضور «داعش» الإلكتروني على وسائل الإعلام وقنوات التواصل الاجتماعي المختلفة، لن يؤدي إلا إلى حل مؤقت لمعضلة استراتيجية. وأكد أن الوضع بحاجة إلى نهج واسع النطاق يتصدى لجهاز «داعش» الدعائي والإعلامي، بمن فيه من طواقم المنتجين والموزعين، بالتوازي مع دعم جهود دول التحالف لدحض الخطاب المستنكر للتنظيم واستخدامه العنف.
في المقابل، تختلف ريتا كاتز، مديرة موقع «سايت» مع استراتيجية حرب «البنتاغون» على التنظيم المتطرف؛ ففي مدونة نشرت لها على موقع وكالة «رويترز» للأنباء تزامنا مع بدء ضربات التحالف على معاقل «داعش» العام الماضي، قالت كاتز إن الضربات وحدها لن تبيد التنظيم، لأن «(داعش) يتوارى في مخبأ مثالي.. هو الفضاء الإلكتروني». وأضافت في مدونتها أن «الإنترنت سلاح خطر استخدمه المتطرفون منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) لمشاركة المعلومات، وتنظيم العمليات، واستقطاب وتجنيد عناصر جدد إلى صفوفهم».
وذكرت كاتز أن «(داعش) عدو متطرف جديد.. عناصره الذين يلقون حتفهم جراء الضربات العسكرية، يصار إلى تعويضهم بآخرين عن طريق الإنترنت». واستطردت مديرة «سايت» بأن «الحرب الحقيقية لإنهاء حلقة التطرف المفرغة هي من خلال إيقاف التجنيد على شبكة الإنترنت، لأن جذور المشكلة هناك؛ ولن تستطيع واشنطن مدعومة بحلفائها الانتصار على التطرف إلا بهذه الطريقة»، بحسب قولها.

**  «المراقبة» من فوائد إبقاء الحسابات

في هذه الأثناء، بينما يبذل موقع «سايت» وبعض الحكومات جهودا كبيرة للتعاون مع مواقع التواصل لإغلاق حسابات المتطرفين ومؤيدي «داعش» وغيره من التنظيمات المتطرفة، وذلك للحد من وجودها الإلكتروني وضرب دعايتها، تهتم مراكز الأبحاث المختصة بشؤون الإرهاب والتطرف، بدورها، بتعقب حسابات عناصر «داعش» ومناصريه على مواقع التواصل لتجميع معلومات استختباراتية وأمنية عن التنظيم وتحركاته. وهنا يثور سجال بين ضرورة الحد من نشاط عناصر «داعش» على الإنترنت وضرورة الإبقاء عليه لتسهيل تعقبه.
وحول هذا الجانب، تقول الدكتورة إرين سولتمان، كبيرة الباحثين في شؤون المرأة والتطرف بـ«معهد الحوار الاستراتيجي» المتعاون مع «المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي» التابع لـ«كلية كينغز» بجامعة لندن، في بريطانيا، في إدارة أكبر قاعدة بيانات للمهاجرين الأجانب إلى منطقة «داعش»، إن «قاعدة بياناتنا تحتوي على أكبر عدد من النساء الغربيات اللاتي هاجرن للالتحاق بـ(داعش). نحن نتعقب حساباتهن بمواقع التواصل الاجتماعي؛ منها (فيسبوك) و(تويتر) و(يوتيوب) والمدونات.. وغيرها، لأنهن يتفاعلن من خلالها بشكل مفتوح وحر». وأضافت سولتمان: «توفر لنا القاعدة مدخلا لاستكشاف آيديولوجية وتكوين شخصيات الفتيات اللاتي يسافرن للالتحاق بـ(داعش)، وترسم لنا صورة عن حياتهن عند الوصول إلى هناك». وتؤكد سولتمان على صعوبة إدارة قاعدة البيانات، مستطردة: «بمجرد أن يصبح حساب شخص ما مؤيدا لـ(داعش) علنا، يصار إلى إلغائه، وهنا يتوجب علينا البحث عن الحساب ومن ثم تسجيل جميع تلك المعلومات من جديد».
وفي أحدث تقرير نشره «معهد الحوار الاستراتيجي» باسم «بيكومينغ مولان»، استطاع الباحثون تفهم نفسيات الفتيات الغربيات اللاتي يلتحقن بتنظيم «داعش» من خلال تعقب حسابات 12 مجندة على مواقع التواصل الاجتماعي. وحول ذلك، تقول الدكتورة سولتمان: «الفتيات اللاتي تعقبناهن تبين أن لهن استعدادات للتطرف، وأفكارهن عنيفة ودموية كالرجال المجندين». وأوضحت أن ذلك تبين من خلال «مشاركة النساء صورا ومقاطع دموية ولغة عنيفة جدا على حساباتهن للتواصل الاجتماعي؛ وتشير إلى أنهم جاهزات لممارسة العنف وحتى قطع الرؤوس».
وأيضا، ساعد تعقب الحسابات الإلكترونية النسوية هذه على الكشف عن أنهن على استعداد للقتال مثل الرجال أيضا؛ إذ تقول سولتمان: «نرى حسابات لنساء بايعن (داعش)، وهن يتبعن مخططات أخرى خارج التنظيم مثل حياة بومدين (ذات الصلة باعتداءات شارلي إيبدو). والبعض منهن عبرن من خلال حساباتهن عن أحلامهن بالقتال». وأردفت: «لكن هناك قوانين صارمة للنساء هناك، وتنص على أن الحالة الوحيدة التي يتاح فيها المجال للنساء بأن يشاركن بالقتال، هي إذا جرى إضعاف جيوش رجال التنظيم ولم تعد كافية للتصدي. فإذا انضمت النساء إلى القتال، فسيكون ذلك مؤشرا على أن التنظيم أنهك وأضعف». وتشير سولتمان إلى أن النساء يلعبن دورا استقطابيا ودعائيا لتجنيد أخريات على مواقع التواصل، وذلك «لأن الصوت النسائي يهدئ ويشجع النساء ويؤكد لهن أنه الخيار المناسب لهن»، وهو ما يسلط الضوء على مخاطر التجنيد الإلكتروني أيضا.. ويبقى موضوع وجود «داعش» الإلكتروني سجالا جدليا.
وأما عن علاقة الحكومات بمواقع التواصل، فترى سولتمان أن «العلاقة بين الحكومات ومواقع التواصل متوترة؛ إذ تختلف الحكومات أحيانا مع حدود حريات الرأي التي تحددها منابر التواصل الاجتماعي؛ والعكس صحيح». ومن ثم تتوافق مع تصريحات «البنتاغون» بقولها إن «الرقابة الإلكترونية وحدها لن تنجح. فنحن نشهد حسابات بديلة للتي تلغى، ونرى مقاطع فيديو محملة بديلة للتي سبق حذفها في غضون ثوان.. ولذلك عندما يأتي الأمر للعالم الإلكتروني، فإن طرق الوقاية السلبية لن تكفي بمواجهة المسبب الأكبر».
وعن دخول المجندين إلى سوريا عن طريق حدودها مع تركيا، تؤكد سولتمان على وجود «أناركية» على الحدود جراء توافد اللاجئين. وتقول إن «المتطرفين يستغلون هذه الفوضى لدخول سوريا»، مضيفة: «لا يمكننا إلقاء اللوم.. جميع اللوم على الحكومة التركية أو الحكومات الأوروبية لسوء التنسيق.. ولكن على الحكومات التعلم من الحالات التي نشهدها». وتعود لتنوه بأن «السبب الرئيسي والجذري للتطرف هو وجود عناصر (داعش) الذين ينشرون دعايته على الشبكة وحتى على الأرض بين الناس لاستقطابهم وتجنيدهم»، وتستطرد سولتمان: «لذلك، علينا إيقاف نشاطهم وجهودهم الدعائية».
وبقي أن نشير إلى أن أوروبا والعالم الغربي يشهدان راهنا أعدادا ضخمة غير مسبوقة لشباب يلتحقون بـ«داعش» في سوريا والعراق. وفي العام والنصف الأخير بدأت النساء أيضا بالتوافد للالتحاق بالتنظيم. وتشير آخر الإحصاءات إلى أن 550 امرأة غربية وأوروبية التحقن بالتنظيم؛ منهن 50 بريطانية، و70 فرنسية على الأقل، شققن طريقهن إلى هناك من خلال منابر التواصل الاجتماعي، ولم تعد منهن إلا واحدة العام الماضي عندما سافرت والدتها إلى تركيا لاسترجاعها.
وهي «عائشة» (19 سنة) الشقراء الشعر والزرقاء العينين التي سافرت إلى سوريا للزواج من متطرف ينتمي إلى تنظيم داعش. والعدد المتزايد للمقاتلين الأجانب يقلق السلطات التي تتخوف من هجمات إرهابية في أوروبا بعد عودة المتطرفين، ومسألة النساء اللاتي سافرن إلى سوريا لكنهن لم يقاتلن فيها، تظل مسألة شائكة.
وعلى ضوء تلك التخوفات، حث روب وينبرايت، رئيس جهاز الشرطة الأوروبية (يوروبول)، أمس، شركات مواقع التواصل الاجتماعي على التعاون مع الحكومات لتعقب النشاط المتطرف لتفادي حدوث عمليات إرهابية يرتب لها على الإنترنت. ويأتي تصريح وينبرايت بعد ظهور آخر الإحصاءات التي تشير إلى أن المتطرفين يرسلون أكثر من 100 ألف تغريدة يوميا حول مخططات «إرهابية» من خلال أكثر من 50 ألف حساب مخصص لعناصر «داعش».



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.