بحث شعري عن جغرافيا جديدة للحب

سمية عسقلاني تستضيف «دالي» في «خارطة اللون.. قبعة السماء»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

بحث شعري عن جغرافيا جديدة للحب

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

تنفتح الشاعرة سمية عسقلاني، في ديوانها «خارطة اللون.. قبعة السماء» الصادر حديثا عن دار الأدهم بالقاهرة، بحيوية على فضاء الفن التشكيلي والموسيقى ومناخات الطبيعة والطفولة، وتتخذ منها ملاذا فنيا لتنويع مدارات الفعل الشعري. وخلال قصائد الديوان التي تربو على مائة صفحة، تسعى الشاعرة لأن تحول هذه العلاقة إلى نافذة صغيرة، تنظر من خلالها إلى العالم، بعين مشوبة بالقلق والضجر والحيرة وغيرها من قضايا الوجود المرتبطة بتعقيدات العيش في واقع أصبح لا يتسع لأفكار خاصة تعبر فيها الذات عن أحلامها وأشواقها بحرية، وفي إطار حي يجعل من السعي لاكتشاف الحقيقة وجها من وجوه الإبداع والجمال، حيث البحث عن خارطة اللون، هو نفسه البحث عن قبعة السماء، وكأننا إزاء بعد هارب أو عبثي من أبعاد الوجود والذات معا.
يعزز ذلك لوحة سلفادور دالي التي تشكل غلاف الديوان، بإيقاعها السريالي ورموزها الساخرة، حيث الوجود مجرد جمجمة تبحث عن تشكل ما في نسيج الكون؛ لذلك يبدو سلاح الشاعرة طيلة النصوص وكأنه محاولة للبحث عن اللايقين في اليقين نفسه، ولا يشي هذا ضمنيا بنوع من التعالي تمارسه على اليقين بكل رسوخه وثباته الوجودي والمعرفي، وإنما تحاول الذات من نافذة النص فهم تجلياته وشظاياه المختلفة، سواء في بعده الواضح المعيش، أو في بعده الآخر النقيض، الذي يفيض عنه ويعانقه كظل في حركة البشر والطبيعة والعناصر والأشياء. وعلى ذلك، فيقين الحب لا يكمن في اكتمال العلاقة بين الروح والجسد، بل في تعارضاتهما أيضا، وكذلك يقين الحلم لا يتجسد في الامتلاء بالواقع والتحقق على أرضه فحسب، وإنما أيضا في معارضته لهذا الواقع والتمرد عليه أحيانا إلى حد الثورة.
يطالعنا هذا الهم ويتنوع في نصوص الديوان، تارة مشربا بقيم التجريد كمقوم فني للاختزال والتبسيط، خاصة في التعامل مع اللغة وبناء الصورة الشعرية، وتارة مشربا بوجع خاص، يتوحد فيه مأزق الذات والنص معا. فيبدو كلاهما وكأن أحدهما يفتش في الآخر عن معنى ما للخلاص من هذا الوجع.. وهو ما يتجسد في نصوص تشبه الومضات الخاطفة، تتخلل الديوان.. ففي ومضة بعنوان «ألم» تقول الشاعرة:
«مريضة جدا
الحروف التي أشنقها
على صوت الموسيقى تصرخ..
فتسقط أسناني».

وفي أخرى بعنوان «وحشة» تقول:
«لن أقول صباح الخير
ولا مساء السعادة
سأقتفي أثر الوقت
في دقات الثواني التي تتلكأ
على أطراف أصابعي
وأبدأ في العد».
وفي ثالثة بعنوان «حبة الكرز» تقول:
«حبة كرز
غير تامة النضج
أحب هذا اللون
أحمر يشعّ
حين أقطفها
يسيل على فمي
يذكرني بدمي المتناثر حولي».

ورغم هذا الوجع الذي يشف في طوايا نصوص الديوان فإن الذات الشاعرة تتعامل مع الأشياء في ألفتها وبساطتها، وينعكس هذا على منطق الاشتباك معها، حيث تحافظ الذات على العلاقات الصورية بين الأشياء، ويبدو جل همها من هذا الاشتباك أن تضع هذه العلاقات أحيانا في قوس تساؤل، أو دهشة مكسوة بغلالة من المفارقة، للتعبير عن القلق والحيرة، ومعاناة الكتابة، في واقع خامل، يكرر نفسه يوميا في مشهد رتيب، لا يعكس انحرافا خلاقا لمعنى الحياة البارد المعتم.
وينعكس هذا أيضا على عالم الرؤية واللغة في الديوان، ففي سياق الرؤية، لا تحفل الذات بالبحث عن تحولات فارقة في تعاملها مع العالم والعناصر والأشياء، إنها تستدعيها وتناوشها على سطح النص، ولا تريد أن تغامر بها أبعد من ذلك، حتى لا تفقد الذات الشاعرة اتساقها مع موضوعها، أو تتوه في المسافة بينها وبينه.
ولا تسلم اللغة من هذا الصدى، فرغم شغفها بملامسة الأشياء والعناصر والتحاور معها بمنطق النص الشعري، فإنها لغة تراعي دوما بوصلة التوازن في الاشتباك مع العالم، لا تنتهك الغامض من أجل أن تجره إلى عتبة الوضوح، أو تعري علائقه السرية، وإنما لتختبر في عتمته قدرة الذات على الرؤية والمواجهة والصمود. ومن ثم يصبح الميل إلى التجريد بمثابة غطاء لتخفي الداخل، يحفظ أسرار الذات، ومساحات ضعفها وهشاشتها، بعيدا عن مغامرة التجسيد ومظاهره الحسية المضطربة في الخارج، التي تصل أحيانا إلى حد الشعور بالفجاجة، مما قد يشوه صورة الذات، أو على الأقل يجرح مرآتها أمام نفسها، أو يمنحها ملامح زائفة.. لذلك نحن إزاء ذات لا تبوح، تحتفظ بجراحها في الداخل، وتتخذ من هذه الجراح معولا للبناء، وجرسا صغيرا، لا توقظ به شيئا، ولا تزعج أحدا، بل ترسم به علامة استفهام وتنبيه عابرة، خلاصتها الدلالية هو أن يقين الأشياء يتجلى في مقدرتنا على أن نتعامل معها بحب، بهذا النزع الذي لا يخلو من رومانسية، تستهل الشاعرة ديوانها بجملة تشبه المتاح، حيث تقول: «انتبهوا.. هنا عشبة لم تجف، وشعاع يثقب غيمة».
وضمنيا تعكس هذه الجملة الاستهلالية علاقة شفيفة ودافئة، تعد من أبرز الملامح الجمالية في الديوان، وهي علاقة الذات الشاعرة مع الطبيعة، وتحولاتها سواء على مستوى الفصول الأربعة أو على مستوى الواقع اليومي، حيث تتحول الطبيعة إلى مرآة تنعكس عليها مدارات النص الشعري وهموم الذات معا. كما تشف العلاقة باللون عن اختيارات لافتة، كثيرا ما تتجاوز الجمالي العابر بإيقاعه الطبيعي المرئي، وتنعكس حركة المشهد الطبيعي في الخارج على ما يدور داخل الذات، ونحس برعشة الطبيعة على العين والجسد، وطوايا الروح.. ففي أحد النصوص بعنوان «غير حيادي هو اللون»، تقول الشاعرة:
«تكسّر طعم البرتقال على شفتي-
غير أن اللون نجا قليلا من التحريف
بعدما أفسدته الوراثة
سيان أن تقول برتقالي
أو تسقط الشمس في كوب ماء
(برتقالي) لفظة تدعو إلى البهجة المؤقتة
كأن تتذكر حبك القديم».

وتنمو هذه العلاقة بالطبيعة وتصعد دراميا وشعريا، حين ترتبط بتحولات العاطفة وفعل الحب، وكأنها وعاؤهما الهارب من قسوة الزمن ومتاهة الذات والأشياء، بل تصبح بمثابة نقطة اتزان لنزق وشطح فعل الحب نفسه، ومحاولة اصطياد جغرافيا جديدة له، فالحب ليس معادلة كيميائية كما تصوره الشاعرة بقولها:
«كأن خللا كيمائيا يصيبنا
بل.. كأن صوابا كيميائيا يمّسنا».

إنه لحظة انفلات من هذه المعادلة التي تشبه يقينا نيئا، حيث تطرح الذات وجها آخر للحب يشف عن نبضه الحقيقي، بل تتحول علاقته مع الطبيعة إلى عباءة، تحتوى ظلاله وهواجسه ومخاوفه وأحلامه المسروقة، وفي هذه العلاقة يكتسب فعل الحب نوعا من السمو، ويصل إلى مرتبة العشق والغرام.. وهو ما يتكشف في نصوص عدة بالديوان، من أبرزها نص بعنوان «الغرام» تقول فيه:
«الفصول الصريحة غير مناسبة
يحتاج الغرام إلى فصل انتقالي
خلل في الطقس هو إشارة المرور
والشتاء شرطي مدرب.
***
كان حظي قليلا في الغرام
لم أحب مطربا ولا عازفا للكمان
شاعرا أحببتُ..
ومن حسن حظي أنني لم أصادف
شاعرا خارج الكتاب.
***
لم أتورط في الشعر الغنائي
لأن الشاعر مات قبل أن أحبه
وزميلات الفصل لم تتزوج إحداهن ع
ازف الكمان».

فهكذا، يدفع هذا المناخ الحذر من غواية التجريب الذات دائما إلى الوقوف على الحافة، كبديل عن عدم السقوط فيها، وهو ما جعل شرائح التناص المتعددة في الديوان، مع أمكنة وبشر، وأساطير، من أبرزها أسطورة آدم وحواء، أو الجنة والتفاحة، لا تكسر قشرة الحكاية وتعيد تخليقها وبناءها من جديد، وإنما تدور حولها، فبدت كأنها مجرد صدى يومض بخفوت في النص.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.