إرهاب وسلاح ومخدرات... مسؤول منشق يكشف أدوات حكم زعماء كوريا الشمالية

المسؤول الكوري الشمالي المنشق كيم كوك سونغ (بي بي سي)
المسؤول الكوري الشمالي المنشق كيم كوك سونغ (بي بي سي)
TT

إرهاب وسلاح ومخدرات... مسؤول منشق يكشف أدوات حكم زعماء كوريا الشمالية

المسؤول الكوري الشمالي المنشق كيم كوك سونغ (بي بي سي)
المسؤول الكوري الشمالي المنشق كيم كوك سونغ (بي بي سي)

تحدث عقيد سابق بالمخابرات كوريا الشمالية عن أسرار لم يتم الكشف عنها من قبل عن كيفية حكم الزعيم كيم جونغ أون ووالده من قبله للبلاد، حيث أشار إلى أنه تم تكليفه بإرسال قتلة لقتل منتقدي النظام، وأنه قام ببناء معمل مخدرات غير قانوني للمساعدة في جمع قدر كبير من الأموال.
وفي مقابلة أجراها مع شبكة «بي بي سي » البريطانية، قال كيم كوك سونغ، الذي عمل لمدة 30 عاماً في وكالات التجسس القوية في كوريا الشمالية حتى وصل إلى أعلى المراتب بها، إن هذه الوكالات هي «عيون وآذان وعقل زعماء كوريا الشمالية».
وهذه هي المرة الأولى التي يُجري فيها ضابط عسكري كبير من بيونغ يانغ مقابلة مع شبكة تلفزيونية كبيرة.
وقال العقيد الكبير السابق «لقد كنت خادماً شيوعياً مخلصاً، لكن الرتبة والولاء لا يضمنان سلامتك في كوريا الشمالية». مشيراً إلى أنه اضطر إلى الفرار من البلاد للنجاة بحياته في عام 2014، ومنذ ذلك الحين يعيش في سيول ويعمل لدى المخابرات الكورية الجنوبية.
وأكد سونغ، أنه في مايو (أيار) 2009، وبعد إصابة الزعيم الكوري الشمالي السابق كيم جونغ إل بجلطة دماغية، أصدر نجله كيم جونغ أون أمراً بتشكيل «قوة عمل إرهابية » لقتل مسؤول كوري شمالي سابق كان قد انشق عن النظام وهرب إلى الجنوب.
وقال سونغ «تم تشكيل هذه «القوة الإرهابية» بالفعل لاغتيال المسؤول المنشق هوانغ جانغ يوب سراً. أنا شخصياً قمت بتوجيه وتنفيذ هذا العمل».
وأضاف «كان يوب شديد الانتقاد لعائلة كيم منذ وصوله إلى سيول، وقد أراد كيم الانتقام منه إرضاء لوالده المريض».

إلا أن سونغ أشار إلى أن محاولة اغتيال يوب فشلت، مضيفاً «لا يزال اثنان من ضباط الجيش الكوري الشمالي يقضيان عقوبة بالسجن لمدة 10 سنوات في سيول بسبب هذه المؤامرة. وقد نفت بيونغ يانغ مراراً وتكراراً تورطها في محاولة الاغتيال، وزعمت أن كوريا الجنوبية هي التي نفذت هذه المحاولة».
علاوة على ذلك، قال سونغ، إن الإرهاب كان «أداة سياسية» استخدمها كيم جونغ إل ثم نجله من بعده لحماية أنفسهم.
وأضاف قائلاً «في عام 2010، غرقت سفينة تابعة للبحرية الكورية الجنوبية بعد أن أصيبت بطوربيد، وقد قُتل ستة وأربعون شخصاً في ذلك الحادث الذي لطالما نفت بيونغ يانغ تورطها به».
واستطرد «وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، سقطت عشرات قذائف المدفعية الكورية الشمالية على جزيرة يونغ بيونغ الكورية الجنوبية. وقُتل جنديان ومدنيان. وكان هناك الكثير من الجدل حول من أعطى الأمر بهذا الهجوم. لم أشارك بشكل مباشر في هاتين العمليتين لكن تلك العمليات ما كانت لتحدث دون أوامر من زعيم البلاد».
وأضاف سونغ «في كوريا الشمالية، حتى عندما يتم بناء طريق، لا يمكن القيام بذلك دون موافقة مباشرة من الزعيم. إن غرق السفينة وقصف جزيرة يونغ بيونغ ليسا من الأمور التي يمكن أن يقوم بها المرؤوسون من تلقاء أنفسهم. هذا النوع من العمل العسكري تم تصميمه وتنفيذه بأوامر خاصة من كيم جونغ أون».
ويقول سونغ، إن إحدى مسؤولياته في المخابرات الكورية الشمالية كانت تطوير استراتيجيات للتعامل مع كوريا الجنوبية.
وأوضح قائلاً «يتضمن ذلك زرع عيون وآذان لبيونغ يانغ داخل سيول. وقد أرسلت بالفعل العديد من الجواسيس إلى كوريا الجنوبية وقمت بمهام عملية من خلالهم».
وتابع «على سبيل المثال، قمت مرة بإرسال عميل كوري شمالي للعمل في المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية. كان ذلك في أوائل التسعينيات. وبعد عمله في البيت الأزرق (المكتب الرئاسي لكوريا الجنوبية) لمدة ست سنوات، عاد العميل سالماً لكوريا الشمالية. أستطيع أن أقول لك، إن عملاء كوريا الشمالية يلعبون دوراً نشطاً في منظمات المجتمع المدني المختلفة، وكذلك المؤسسات المهمة في كوريا الجنوبية».
وأشار العقيد الكبير السابق إلى أن الشمال يتجه إلى التقنيات الجديدة لجمع المعلومات الاستخباراتية، بدلاً من التجسس القديم، مؤكداً أن الزعيم السابق، كيم جونغ إل، أمر بتدريب أفراد جدد في الثمانينيات «للاستعداد للحرب الإلكترونية».
وكشف سونغ أيضاً عن أنه تلقى أوامر في التسعينات، أثناء مرور البلاد بأزمة اقتصادية كبيرة، بجمع «أموال هائلة» لزعيم كوريا الشمالية بأي طريقة ممكنة، وهذا، حسب قوله، كان يعني «ضرورة التعامل مع المخدرات بطريقة غير مشروعة».
ويقول «بعد تكليفي المهمة، أحضرت ثلاثة أجانب من الخارج إلى كوريا الشمالية، وبنيت قاعدة إنتاج في مركز تدريب تابع لحزب العمال الحاكم، وأنتجت المخدرات».
وبسؤاله عما إذا كانت أموال هذه المخدرات قد تم تحويلها إلى نقود لدعم الشعب، قال سونغ «كل الأموال في كوريا الشمالية تخص الزعيم الكوري الشمالي. بهذا المال، كان يبني فيلات، ويشترى السيارات والطعام والملابس، ويستمتع بالرفاهية».
وزعم المسؤول المخابراتي السابق أيضاً، أنه سُمح له بالسفر بحرية إلى الخارج لجمع الأموال لزعيم كوريا الشمالية مؤكداً أنه باع معادن نادرة وفحماً لجمع الملايين نقداً.
وقال سونغ، إن الزعيم الكوري الشمالي اعتمد على مصدر آخر للدخل، جاء من مبيعات الأسلحة غير المشروعة إلى إيران.
وأضاف «كانت هناك غواصات قزمية خاصة، وغواصات شبه غاطسة. كانت كوريا الشمالية جيدة جداً في بناء معدات متطورة كهذه».
ووفقاً لسونغ، باعت بيونغ يانغ أيضاً أسلحة لدول تخوض حروباً أهلية طويلة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وعن سبب انشقاقه وهروبه لسيول، قال سونغ، إنه شعر بالفزع والرعب بعد صعود كيم جونغ أون إلى العرش السياسي في عام 2011، وقيامه بقتل أولئك الذين اعتبرهم تهديداً له ولحكمه، بما في ذلك عمه، جانغ سونغ ثايك، الذي كانت تربط سونغ علاقات قوية به.

وأوضح سونغ «عندما أعلنت وسائل الإعلام الحكومية في كوريا الشمالية في ديسمبر (كانون الأول) 2013 أن السيد ثايك قد أُعدم، فوجئت بشدة وشعرت بالفزع وبوجود خطر على حياتي. علمت أنني لم يعد بإمكاني التواجد في كوريا الشمالية».
وأضاف «كنت وقتها خارج البلاد وقد قررت الهروب مع عائلتي إلى كوريا الجنوبية. كان قرار ترك بلدي في الحقيقة محزناً جداً بالنسبة لي».
ولفت سونغ إلى أنه قرر التحدث بهذه الأسرار الآن لكي «يحرر الشماليين من قبضة الديكتاتورية ولكي يتمتعوا بالحرية الحقيقية».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».