«مرحبا أيها الغريب»... كيفية التواصل في عالم مفكك

ول بكنغهام يتأمل في متع وآلام العالم أثناء الجائحة

الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي
الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي
TT

«مرحبا أيها الغريب»... كيفية التواصل في عالم مفكك

الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي
الضيافة تعلب دوراً مهماً في المجتمع العربي

إحدى أعمق صور الفقدان التي عانى الكثير منا أثناء الجائحة – لا سيما أولئك الذين كانوا محظوظين إلى درجة أنهم لم يفقدوا فرداً من أسرهم – كان الانقطاع عن الناس الذين لم نكن قريبين منهم. أحن إلى ضجيج المؤتمرات الأكاديمية، للأحاديث التي تدور أثناء استراحات القهوة مع أناس أراهم مرة في العمر. لقد تعلمنا من إدراك مدى ما نجنيه من قرب الناس الذين لا نحبهم ولكن حضورهم يمنحنا راحة وانتعاشاً.
في كتابه «مرحباً أيها الغريب» يقدم ول بكنغهام، وهو أكاديمي ومؤلف مشاء، استكشافاً متألقاً ومؤثراً في الغالب لما يعنيه الاتصال بالغرباء. نقطة انطلاقه الألم. يطارد كتابه موت زوجته (إلي) بسبب السرطان. يقول إنه بينما كان ينتظر مواساة أصدقائه في أعقاب تلك الحادثة «دهشت بالقدر الذي احتجت فيه إلى الغرباء – الناس الذين لم يعرفوا (إلي)، الذين لم يعرفوا شيئاً عن خصوصية معاناتي».
حتى قبل وفاة زوجته، أمضى بكنغهام حياته بين غرباء. أثناء نموه كان البيت الديني لوالده مفتوحاً للمصلين وحشد من المتسكعين والباحثين عن مأوى. وفي كبره سافر على نطاق واسع وأمضى فترات طويلة يعمل ويستكشف ويتعلم في إندونيسيا والصين وميانمار وأماكن أخرى. بل إنه بعد اكتشاف المرض لدى زوجته استمر في السفر معلماً في تشينغدو ولم يعد إلا بعد أن اتضح أن المرض في مرحلته النهائية.
يتجذر «مرحباً أيها الغريب» في تقليد عريق من التفكير حول ما يعنيه العيش في عالم نحاط فيه بالغرباء، ونحتاج مع ذلك إلى متعة البيت وراحته. تجربة بكنغهام الأنثروبولوجية من حيث هو كثير التجوال تمد الكتاب بالمعلومات بينما يتكئ العمل على معرفة المؤلف بالتواريخ والآداب والأساطير القديمة. يشكل هوميروس حضوراً دائماً في الكتاب وتمثل متاعب أوديسيوس في العودة إلى وطنه – واتكاؤه المشوب بالصعوبات على الغرباء لكي يستضيفوه على الطريق – متاعبنا بمعنى ما. وفي حين يأخذ بكنغهام في الاعتبار تاريخ الخوف من الأجانب والشك تجاههم، فإنه يؤكد التاريخ المقابل لـ«الفيلوكسينيا»، وهي كلمة يونانية في الإنجيل تحمل معنى حب الاستطلاع تجاه أولئك الذين لا يشبهوننا والرغبة في الاتصال بهم.
من المؤكد أن «الفيلوكسينيا» جديرة بالاحتفاء. للإنسان تاريخ ثري من الاستضافة والترحيب ومد العون لأولئك الذين ليسوا من الأقارب. بكنغهام نفسه جرب شخصياً المتع المدوخة والكامنة في الضغط عليه لكي يضع الطعام في يديه ويدعى للإقامة في البيوت حيثما كان، من بلغاريا إلى باكستان. وقد بادل ذلك بمعاملة مثيلة. في السنوات الأولى من زواجه، وبعد أن شعرا بالملل من هدوء حياتهما في برمنغهام، فتح بكنغهام وزوجته شقتهما للعالم من خلال تطبيق «كاوتشسيرفنغ».
«وبينما كان الضيوف يعبرون تخوم منزلنا، جاءوا حاملين هدايا غريبة ورائعة... زجاجات من اليونيكوم اللاذع، المشروب الكحولي الهنغاري ذي المذاق القوي الشبيه بالأدوية، وكتل من الجبن البارميجاني المجلوب من مزارع عائلية في إيطاليا. حلي منزلية. وفي إحدى المرات استضفنا طاهياً سورياً مختصاً بالبانكيك. وضع مقلاته في مطبخنا وأعد وليمة من الكريب والفطائر».
إن بدا كل ذلك نزوعاً اجتماعياً (هو كذلك بالتأكيد بالنسبة لي)، فإنه لا يعني أن «مرحباً أيها الغريب» يدعو إلى الحد الأقصى من الاختلاط الاجتماعي في كل الأوقات. بل إن بكنغهام يعترف أنه أثناء إقامته في قرية إندونيسية، حيث يعيش الناس حياة اجتماعية وعامة كان يحن أحياناً إلى سكينة الفندق وعزلته. كما أنه صارع لكي يتكيف مع الضيافة المهيمنة التي واجهها في باكستان، وفي تعلم كيف يكون «ضيفاً طيباً».
استضافة الغرباء ليست مجرد غيرية. من الممكن أن تكون مسألة التزام، احترام، وكرامة. يتذكر بكنغهام لاجئاً إيرانياً اسمه رحيم، كان بكنغهام معلماً له في مادة حول الكتابة في ليستر. دعاه رحيم إلى بيته لتناول الشاي وفرش له مائدة من المؤكد أنها أضرت بإمكاناته المتواضعة. وفي حين خرج بكنغهام غير مرتاح في البدء لقبوله تلك الوليمة، علم أن «القدرة على القيام بدور المضيف ربما ساعده على بناء شعور بإنسانيته وقوة في وجه عالم بالغ القسوة».
لكن هناك حدود. حتى في أكثر تقاليد الضيافة تعقيداً، كما في الجزيرة العربية ومنغوليا، على الضيف واجبات أيضاً، ليس في قبول الطعام والمأوى بطريقة مناسبة فحسب، وإنما أيضاً في المغادرة في الوقت الصحيح وبالطريقة الصحيحة. ينطوي الانفتاح دائماً على المخاطر والثقة. ليس من المصادفة أن تكون رموز الضيافة مرتبطة غالباً برموز الشرف التي تحكم على أولئك الذين يخالفونها بأسوأ المصائر. ربما يمتد رمز «الكانون» الألباني الشمالي إلى أكثر من 3000 سنة، لكنه لا يزال يفرض سيطرته. يقتضي الشرف أن يتنازل المضيفون عن أسرتهم وأفضل طعامهم لمن يزورونهم. لكن حين يهان ذلك الشرف فإنه يؤدي إلى صراعات دموية قد تمتد لأجيال.
يحتفي كتاب «مرحباً أيها الغريب» بالمدني مثلما يحتفي بالريفي. حتى في المناطق الحضرية من تشينغدو، يجد بكنغهام في نهاية المطاف «بيتاً» ضمن شوارعها المكتظة بالبهجة. في الوقت نفسه، يؤدي الخطو المتسارع للتحول المدني إلى عزل أولئك المتخلفين عنه. أحب بكنغهام الفترة التي قضاها يعمل في يانغون وشارع الثقافة النابض الذي أحاط به في بورما. غير أن جارته التي يفترض أن تشترك معه في الباحة لم تتظاهر فقط بأنه لم يكن موجوداً، بل إن من المحتمل أنها فوق ذلك مسؤولة عن ترك إناء من «أبِن»، وهو نوع من الطين السحري الأسود اللزج، على عتبة بابه. يقر هو بأنها قد تكون محقة في عدم الثقة به، وذلك لأنه كان جزءاً من موجة من النزوع للاختلاف التي كانت تجتاح الحي والتي كانت هي مستَبعَدة عنها.
العيش مع الغرباء ليس سهلاً إذن. مع كل المتع الناجمة عن الاجتماع التي يصفها هذا الكتاب بحيوية، فإنه ليس مجرد مديح لدعوة الناس إلى العشاء.
ومع ذلك، فإن بكنغهام وإن بدا حذراً، فإنه في الواقع لا يناقش الصعوبات المترتبة على التواصل (أونلاين). وفي حين توجد على الشبكة تقاليد ترحيبية (تطبيق «كاوتشسيرفينغ» مثلاً، مع أنه حتى هنا ليس المكون الرقمي سوى البداية) فقد رأيت العديد من الناس يمزقون أنفسهم على شبكات التواصل لكي لا يشعروا أن الإنترنت تستدعي خوفنا من الآخرين أكثر من استدعائها سعينا إليهم.
شعرت أيضاً أن بكنغهام لم يعرف تماماً ما يفعل تجاه الوباء. في النص لا توجد سوى إشارات قليلة إليه، إلى جانب ملاحظة للمؤلف في نهاية الكتاب. هنا يتحدث عن ألوان القلق في حياته في بلد مثل بلغاريا تخرج من الحجْر، قبل أن يؤكد بثقة أن «الأوبئة تأتي وتذهب... فقط إن استطعنا أن نتمسك... بحاجتنا، بعضنا لبعض، عندئذٍ – حين تمر العاصفة - نكون مهيئين لفتح أبوابنا، لاستعادة التواصل، للعناق والمضي في بناء عالم مشترك يستحق العيش فيه».
ذلك شيء يستحق التمسك به فعلاً، لكن كما يعترف المؤلف نفسه، المرض أيضاً إحدى النتائج الحتمية للرغبة الإنسانية في العيش مع الغرباء. وقد أدهشتني الكيفية التي صارت بها إحدى النقاط البارزة في الكتاب – وهي وصف الكاتب لمتع مطاعم الطبخ الحار في تشينغدو – وصفاً أيضاً للحالات المثالية لانتشار الوباء. الطبخ السيشواني متعة مشتركة، فوضوية ومليئة بالضجيج، ظهرت في ثقافة تعلي من شأن الاحتشاد الحميم. الفيروسات تزدهر في أوضاع من التداخل الاجتماعي المفرط كتلك. لقد انتشر «كوفيد» من ووهان، وهي مدينة صينية ضخمة، ووجد بيئته الأكثر ترحيباً في المجتمعات التي يعيش فيها الناس في حشود اجتماعية.
لذلك نعم، الأوبئة تأتي وتذهب، ومع ذلك يظل الإنسان مدمناً للتجمع. لكننا اليوم نُمطَر كما لم يحدث من قبل بمعرفة مفصلة حول الثمن الذي تتقاضاه حياة كتلك. إن كان ثمة نهاية لهذا الوباء، فإن الصدمة التي نتجت عنه ستظل معنا في المستقبل. لذا فإن كان «مرحباً أيها الغريب» تأملاً جميلاً لمتع وآلام العالم الذي يحن الكثيرون منا للعودة إليه، فقد يكون مرثية لعالم سنفتقد لبعض الوقت.

* مراجعة لكتاب «مرحباً أيها الغريب» لـوِل بكنغهام (الغارديان)



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.