حيدر العبد الله: لا أستطيع حمل حصان امرئ القيس على كاهلي

الشاعر السعودي يقول إنه قد يكون «سيّاب» الهايكو العربي

حيدر العبد الله
حيدر العبد الله
TT

حيدر العبد الله: لا أستطيع حمل حصان امرئ القيس على كاهلي

حيدر العبد الله
حيدر العبد الله

شارك الشاعر السعودي حيدر العبدالله في آخر أمسيات الشعر بمعرض الرياض الدولي للكتاب. ويتميز العبدالله بأنه منفتح على مختلف التجارب الشعرية، يكشف عنها مشروعه المميز في ترجمة أعمال الشاعر الأميركي بيلي كولينز إلى اللغة العربية، ومشروعه الطموح في تقديم صياغة عربية لقصيدة «الهايكو» بعد أن وجد خلال البحث والتجربة خمسة بحور شعرية خليلية على الأقل، يمكنها، بتطويع بسيط، استضافة الهايكو ذي السبعة عشر مقطعاً صوتياً، ما يسمح بـ«كتابة الهايكو بإيقاع عربي خالص».
حيدر العبدالله كان أصغر شاعر عربي وأول شاعر سعودي يحصل على لقب وبردة أمير الشعراء بأبوظبي (عام 2015)، إضافة إلى حصوله على لقب وبردة شاعر شباب عكاظ عام 2013.

(*) دعنا نبدأ من أمسيتك في معرض الرياض الدولي للكتاب، اختاروا لها عنوان: «أمراء الشعر»... هل يطربك لقب «عرش الإمارة» وأنت في ريعان الشباب؟
- لنقل إن القصيدة نوعان: قصيدة «أميرة» وقصيدة «فقيرة». ولكن كلما أدركت القصيدة فقرها توسعت رقعة إمارتها. وفي المقابل؛ كلما تأمّرت القصيدة وتكبرت، زاد في الميزان فقرها. فالقصائد تُؤمَّر ولا تتأمَّر. يُؤمِّرها شعورها الدائم بالترابية، ويمرّغها في التراب تأمُّرها. لا أجد القصيدة متكئة على أرائك المخمل لابسة ثياب الحرير وشاربة في كؤوس الفضة. ليس هذا ما يراد لها وليس هذا مكانها الطبيعي أبداً. نعم للألقاب نشوتها وللجوائز والتنويهات لحظتها، ولكن لحظة الكتابة والتجلي تعيش في الشوارع والأزقة، وتجلس على الأرض والحصير وتلبس ما يلبس الناس وتأكل مما يأكلون. وبصراحة، لم أكن لأوافق على عنوان الأمسية لو كان لي فيه يد، ليس استهانة بنفسي وصاحبيّ الشاعرين العزيزين سلطان السبهان وسلطان الضيط، ولكن لأن نصوص الشاعر أولى بتقديمه وتزكيته من ديباجة الأوسمة والألقاب. ليس لهذا فحسب، فالمعرض يضج أيضاً بأمسيات شعرية أخرى تسبق أمسيتنا وتتلوها، لشعراء سعوديين وعرب يكبروننا عمراً وتجربة، ولذلك فأنا متنازل عن هذه الصفة احتراماً لهم، وأختار أن ألبي دعوة الشعر، شاعراً مجرداً من الألقاب.

- شاعر من القمة
(*) لكنك بالفعل بدأت من القمة حين حصلت على بردة ولقب شاعر شباب عكاظ عام 2013. ولقب أمير الشعراء عام 2015...
- لا شك حالفني الحظ، وربما الموهبة، ولكن الحظ والموهبة لا يمثلان شيئاً ذا بال ما لم تعضدهما تجربة إنسانية ناضجة وعميقة. لتلك النجاحات وسواها شعور مؤقت بالنشوة، وشعور دائم بالمسؤولية وخطورة الموقف.
(*) هل يتعين على الشاعر أن يكون «مشاءً» أم «عـداءً»، كما عبرت مرة؟
- نعم، قلت مرة إن الشاعر المشاء خير وأفضل عند الكتابة من الشاعر العداء. فالأدب هو عصارة التجربة الإنسانية، التي لا يمكن لها أن تتكثف وتتبلور تحت الأضواء وداخل مضامير السباق. يحتاج الشاعر إلى التوقف أكثر من المضيّ قدماً، إلى البطء أكثر من السرعة، وإلى الإصغاء والتأمل أكثر من الكتابة والقول.
حين كنت صغيراً كانت أمي تحضر لنا وجبة فاخرة تسمى «المطموم». تشعل أمي النار في كرب النخيل، حتى إذا تحول جمراً ورماداً، دفنت به القدر في حفرة، وصبرت عليه الساعة والساعتين والثلاث حتى يستوي اللحم، فإذا بالغداء المنتظر ينبعث لنا من تحت الرماد كما تنبعث العنقاء.
ولكن المايكرويف أفسد علينا لذة المطموم، وأخذ منا الصبر والأناة. ومع تسارع وتيرة الحياة، خسرنا الإحساس بقيمة الأشياء. وليت كل قصيدة وجبة مطموم، وجولة مشي حر.
(*) أنت متفاعل شعرياً مع الجمهور عبر منصات التواصل... هل وفرت لك تلك المنصات جمهوراً افتراضياً؟
- للأمانة، لم أكن حتى وقت قريب متفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي، ولكني أدركت أخيراً أهمية العودة إليها، ليس بالضرورة عودة الشاعر إلى منبره، بل عودة الإنسان إلى سربه. ربما تظلم منصات التواصل القصيدة أكثر مما تنصفها، فضآلة المساحة، وسهولة النشر، وأزمة التلقي السريع، كلها تفسد على القصيدة، وسواها من الأشكال الأدبية، خلوتها بك، وبالآخر. سابقاً كان الشاعر يتردد ألف مرة قبل أن يعتمد نصاً في ديوان سيطبعه أو في جريدة ستنشره له.
أما الآن فالشعراء ينشرون مسوداتهم دون مبالاة، لأن التلقي السريع يستدرج الكتابة السريعة، والعكس صحيح. ولكن لمنصات التواصل أهمية بالغة على الصعيد الاجتماعي، فمن المؤلم أن ينساك الناس، وأن تنسى كيف تتواصل معهم.
(*) ماذا أردت أن تقول لمحمود دوريش في قصيدتك «ترجل يا حصان»؟
- أردت أن أقول له إنني لا أستطيع حمل هذا الحصان العربي على كاهلي. الحصان الذي سرقناه من امرئ القيس ذات معلقة. والحصان الذي تركتَه أنت وحيداً. هذا الحصان بكل ما يحمله من فروسية خائبة، وتراث بطولي أثقله وأرسله إلى الشيخوخة المبكرة، يفترض أن يقلّني بدل أن أقلّه. أقول له، لست ساعي بريد لك.
وقبل أن أغادره، أقول له كلمة أخيرة، إن سلالة الشعر العربي، لن تتوقف عندك يا محمود درويش، لأنها لم تتوقف قبلك عند امرئ القيس، ففي الأفق شعراء يمكنهم التمرد على أبوتك وسلطة نصك، وأنا أحدهم.

- الهايكو عربياً
(*) لديك مشروع كتابي جديد... حدثنا عنه.
- أعمل على كتابة أطروحة جادة وأصيلة تعيد التأسيس والتقعيد لقصيدة «الهايكو» العربية. فالهايكو منذ دخلت إلى وعينا العربي عبر الشاعر السوري الراحل محمد عضيمة في ستينات القرن الماضي، لم تنجح في الوصول إلى نجاح ومستوى الهايكو الياباني أو حتى نظيره الإنجليزي. فقصيدة الهايكو التي تكتب بالعربية اليوم قصيدة خُنثى، لا تمت إلى الهايكو الأصلي بصلة، فضلاً عن قطيعتها مع تراثنا اللغوي والطبيعي. سأحاول من خلال هذا المشروع الضخم، تطويع الخصائص اللغوية والجغرافية العربية في كتابة هايكو عربي يتمتع بالموسيقى ويذوب في الطبيعة العربية، بما يتماهى مع يقظة الزن وخفة الهايكو، عبر كتاب تنظيري، وأمثلة تطبيقية. وآمل أن ينجز المشروع قبل النسخة المقبلة من معرض الرياض الدولي للكتاب.
(*) كيف يمكننا أن نتحدث عن «هايكو» عربي بسمات وأوزان مختلفة عن نسخته اليابانية؟
- شعر الهايكو الياباني هو في الأصل شعر موزون على الطريقة اليابانية، ومن العيب والعبث كتابة الهايكو باللغة العربية على شكل نصوص نثرية، بالنظر إلى الترسانة الموسيقية العربية، التي تعد من أقوى وأنجع الأنظمة الشعرية بين اللغات كلها. وقد وجدت خلال البحث والتجربة خمسة بحور شعرية خليلية على الأقل، يمكنها، بتطويع بسيط، استضافة الهايكو ذي السبعة عشر مقطعاً صوتياً، ما يسمح بكتابة الهايكو بإيقاع عربي خالص. هل أكون «سيّاب» الهايكو العربي؟ ربما. ولم لا؟ ولكن الميزان الإيقاعي ليس شرط الهايكو الوحيد، فثمة شروط أخرى أكثر جوهرية تتعلق بالمضمون، كاجتراح الطبيعة، وتوظيف الفصول الأربعة، ونسيان الذات بحثاً عن الموضوعية، والتقشف البلاغي التام، وغيرها.
(*) هل تعتقد أن هذه التجربة تنجح في الشعر العربي الميّال للرمزية؟
- غاية الهايكو الأسمى هي التخفف من الغلالة المجازية، وتكريس البساطة، للدخول في حالة تأمل نقية أشبه بالنرفانا. فالهايكو ليست قصيدة قصيرة الهيكل فحسب، إنها قصيدة شفافة وغير مثقلة بإكليل البلاغة والمحسنات البديعية، والرمز والأسطورة.
وهذا ما يشكل التحدي الأكبر لفحولة القصيدة العربية، وعرامتها. الهايكو ثوب من نسيج واحد، في مقابل ثوب القصيدة العربية الموشى ذي الأنسجة المتعددة. ولكن لحظة الشعر العالمية المعاصرة، تحتم علينا مجاراتها. على الشاعر العربي خوض تجربة الهايكو، كتمرين على الأقل، وكاختبار لصدق وشجاعة تجربته الإنسانية، حين تتعرى قصيدته من دروع اللغة السميكة.
(*) لديك كذلك، مشروع لترجمة أعمال الشاعر الأميركي بيلي كولينز إلى اللغة العربية، الذي تقول إنك تعلمتَ منه «أنـه لا يوجـد فـي الحيـاة شـيء تافـه»... حدثنا أولاً عن هذا المشروع... وهل حقاً أنه لا يوجد في هذه الحياة شيء تافه، وأنت ترى كيف تطوقنا التفاهة من كل مكان؟
- يعلمنا بيلي كولينز مهارة الإصغاء إلى التفاصيل، وتحويل الهامش إلى متن، وهو بذلك يتماس مع عمق الحياة البشرية وأدق شؤونها، لأن إحدى فضائل الشعر الأهم هي القدرة على إعادة صهر التوافه وتحويلها إلى تحف ذات قيمة. أما التفاهة التي تطوقنا من كل مكان، فهي نتاج وعينا اللاشعري لما حولنا. واسمح لي أن أهديكم ترجمتي لإحدى قصائد بيلي كولينز، التي آمل أن توضح ما أعنيه.

- الكراسي التي لا يجلس عليها أحد
تراها في الشرفات أو على العشب جوار البحيرة في الأسفل، منسقة بشكل ثنائي عادة، إيحاءً بزوجين قد يجلسان هناك ويتأملان الماء أو شجرات الظل العملاقة. المشكلة هي أنك لا ترى أحداً على الإطلاق يجلس في تلك الكراسي المهجورة لا بد أنها، ولو لمرة، بدت مكاناً جيداً للتوقف برهة والقيام بلا شيء.
أحياناً، ثمة طاولة صغيرة بين الكرسيين، حيث لا كأس تستريح وحيث لا يضع أحد كتاباً مقلوباً على وجهه.
ربما لا يخصني هذا الأمر برمته، ولكن دعنا نفترض لو أن أولئك الذين وضعوا تلك الكراسي الخاوية في شرفة أو على مرفأ لو أنهم يوماً جلسوا عليها فقط من أجل استحضار الشيء الذي ظنوا أنه يستحق المشاهدة من كرسيين جنباً إلى جنب مع طاولة بينهما.
الغيوم مرتفعة وكثيفة ذلك اليوم المرأة تصرف نظرها من كتابها إلى السماء والرجل يأخذ رشفة من شرابه.
ثم لا صوت سوى صوت نظراتهما، وهدير ماء البحيرة وصيحة طائر ما، ثم آخر صيحتي بهجة أم صيحتا نذير - كفيلةٌ بتمضية الوقت... هذه الحَيرة.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».