300 متر خط التماس الفاصل بين اللبنانيين والقنص السوري

الحرب المجاورة غيرت حياة القرويين في المناطق الحدودية

لبنانيون يعاينون منزلا في عرسال أصابته قذيفة أطلقت من الجانب السوري (رويترز)
لبنانيون يعاينون منزلا في عرسال أصابته قذيفة أطلقت من الجانب السوري (رويترز)
TT

300 متر خط التماس الفاصل بين اللبنانيين والقنص السوري

لبنانيون يعاينون منزلا في عرسال أصابته قذيفة أطلقت من الجانب السوري (رويترز)
لبنانيون يعاينون منزلا في عرسال أصابته قذيفة أطلقت من الجانب السوري (رويترز)

يحمل أحمد (22 عاما) بندقية صيد على كتفه، ويسير خلف بقراته نحو واد يفصل بين قريتي الكواشرة والدبابية الحدوديتين مع سوريا في عكار (شمال لبنان). «ليس أمامنا حل آخر»، يقول لـ«الشرق الأوسط»، «فقد حال القصف المتكرر للأراضي اللبنانية، دون ارتياد مراع خصبة محاذية للحدود السورية»، وهي المعضلة التي غيرت حياة اللبنانيين في المناطق الحدودية مع تلكلخ في سوريا، وتسببت بنزوح كثيرين منهم إلى عمق الأراضي اللبنانية.
ورسمت الحرب الدائرة في سوريا، خطوط تماس جديدة لم يعتدها سكان القرى المجاورة. كانت علاقة هؤلاء قبل الأزمة، أبلغ مثال على التلاحم الاجتماعي والتجاري بين القاطنين في القرى اللبنانية والسورية، لدرجة تصعب الفصل بينهما. «كان العبور إلى تلكلخ وحمص (وسط سوريا)، أسهل بكثير من النزول إلى طرابلس (شمال لبنان)»، يقول حسن الذي أنهت الحرب علاقاته التجارية مع سكان حلات وأبو مشاعل في ريف تلكلخ، مشيرا إلى أن الجار السوري «بات عدوا الآن، ويرصدنا يوميا بقناصاته، ما يمنعنا من ارتياد أرضنا إلى جانب النهر الكبير، كما يطلق علينا قذائفه، لإفراغ المنطقة من السكان».
وساهمت القذائف التي تطلقها القوات الحكومية السورية من مواقعها الممتدة من نقطة العبودية الحدودية، صعودا نحو الشرق باتجاه ريف القصير، بإفراغ القرى اللبنانية من قاطنيها. ويقول من بقي «صامدا» منهم، إن «القصف المتكرر، وآخره ليل أول من أمس، دفع بمعظم السكان إلى الرحيل، ولم يبق هنا إلا العجائز والرعاة غير القادرين على المغادرة». ويعيش هؤلاء على وقع دوي المدافع التي تطال قذائفها، يوميا، القرى اللبنانية نتيجة للاشتباكات الدائرة في الداخل السوري.
لكن دمشق، تقول، إن «قواتها تطلق النار على متسللين يحاولون العبور إلى الداخل السوري في تلكلخ». هذه العبارة، تتكرر يوميا على التلفزيون السوري، على الرغم من نفي السكان اللبنانيين عبور مقاتلين معارضين إلى الداخل. يقول خالد عباس الذي يسكن قرية النورا اللبنانية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الذباب الأزرق لا يستطيع العبور إلى الأراضي السورية»، مشيرا إلى أن القوات الحكومية تراقب مجرى النهر الكبير، الذي يفصل بين البلدين، من مواقعها.
واستخدم سكان القرى السورية النازحين باتجاه لبنان، مجرى النهر الكبير وسيلة للعبور إلى الأراضي اللبنانية، وممرا لإخراج الجرحى من قرى ريف تلكلخ باتجاه الأراضي اللبنانية، فضلا عن استخدامه ممرا لدخول مسلحين معارضين سوريين إلى الداخل، كما يقول سكان القرى.
غير أن سيطرة قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد، على كامل المناطق الحدودية مع لبنان، واستحداث مواقع جديدة على طول الحدود، وزراعة الألغام على الجانب السوري منها، قلص إلى حد كبير الحركة إلى الداخل. وتسيطر القوات الحكومية السورية على القرى ذات الأغلبية العلوية والسنية المواجهة لقرى عكار اللبنانية، واستحدثت أكبر مواقعها في بلدة أدلين غرب تلكلخ.
ومنعت تلك المواقع النظامية السكان اللبنانيين من الاقتراب من النقاط الحدودية المواجهة. يقول عباس: «لا نستطيع الاقتراب أكثر من 300 متر عن الحدود، كيلا نتعرض لرصاص القنص وقذائف المدفعية»، مشيرا إلى أن القصف المتواصل يمنع المزارعين في الضفة اللبنانية من الوصول إلى أراضيهم، وحال دون زراعة محاصيل تحتاج إلى الري، مثل فستق العبيد وغيرها.
ويطالب اللبنانيون بنشر قوات حفظ سلام دولية في المنطقة لرد الاعتداءات السورية عليهم، كما يقول سكان من بلدتي النورا والدبابية لـ«الشرق الأوسط»، معلنين أن هذا المطلب الذي طالبت به قوى «14 آذار» اللبنانية «من شأنه أن يحمينا من القصف اليومي الذي لا يرد عليه الجيش اللبناني المنتشر على الحدود».
وكان رئيس كتلة «المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة، طالب في يناير (كانون الثاني) الماضي بنشر الجيش على الحدود الشمالية والشرقية ومؤازرته من القوات الدولية.
وينتشر الجيش اللبناني في معظم القرى الحدودية، وتوجد قوة مشتركة قوامها عناصر من الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام في مراكز حدودية. وتظهر آثار القصف على منازل مواجهة للمواقع السورية في البلدات الحدودية، فيما يبدو القصف عشوائيا، ويتنوع بين قذائف الهاون وقذائف الـ130 و155 مللم. وتجدد القصف مساء الثلاثاء – الأربعاء، حيث سقطت قذائف في خراج بلدات النورا، وقشلق، وحكر جنين والدوسة وعمار البيكات وعمار البيكات، كما سجل إطلاق نار استهدف الأوتوستراد الذي يربط العبودية بمنجد.
ويهمس السكان في القرى الحدودية، بأن معارضين حاولوا في مرات سابقة العبور إلى الداخل السوري لتنفيذ عمليات ضد القوات النظامية في تلكلخ. ويقول مصدر ميداني رفض الكشف عن اسمه، إن «تحركات عسكرية على الجانب اللبناني من الحدود، في بلدة العوينات اللبنانية، صعدت وتيرة القصف السوري الذي سجل أعنفه يوم الجمعة الماضي، وأدى إلى سقوط قتيل سوري وثمانية جرحى»، مشيرا إلى أن مقاتلين تربطهم صلات قربى بسوريين في بلدة الحصن داخل الأراضي السورية، حاولوا التسلل لتوفير دعم للمقاتلين في البلدة السورية المحاصرة، ما رفع وتيرة القصف.
وتشير تقارير لبنانية إلى أن معارضين سوريين، يتخذون من بعض المناطق اللبنانية مواقع آمنة لهم. وفي هذا السياق، داهمت قوة من الجيش اللبناني ودورية من أمن الدولة ومخابرات الجيش، أمس، غرفة في خراج بلدة عيدمون في عكار، يستأجرها أحد اللاجئين السوريين، وحولها إلى مستودع أسلحة. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية، بضبط كميات كبيرة من الأسلحة الحربية منها صواريخ غراد وقذائف «آر بي جي». وذكرت تقارير أن الأسلحة المصادرة هي ثلاثة صواريخ «غراد»، وستة مدافع هاون، وعبوات ناسفة محلية الصنع، وقناصة، و40 صندوق ذخيرة عيارات مختلفة، ورشاشين ثقيلين، ومصنع صغير لتصنيع العبوات الناسفة وقدرت الحمولة بنحو حمولة شاحنة.
وباتت الاشتباكات في الداخل السوري، بعيدة إلى حد ما عن الحدود. فقد انحصرت المعارك في تلكلخ، في العمق السوري وتحديدا في بلدة الزارة ذات الأغلبية التركمانية، وبلدة الحصن التي تبعد أربعة كيلومترات عن الحدود اللبنانية. وتستخدم القوات الحكومية سلاح الجو لتنفيذ هجمات ضد المقاتلين المعارضين، إلى جانب سلاح المدفعية. وبعد هدوء استمر لساعتين، كان سهلا من الأراضي اللبنانية مشاهدة طائرة حربية سورية تغير على مواقع للمعارضة في بلدة الزارة داخل الأراضي السورية. ويقول سكان لبنانيون إن «ذلك المشهد يتكرر بالتزامن مع وقوع اشتباكات في الداخل، وترتفع وتيرة القصف في القرى السورية في ساعات الصباح الأولى، ويتردد دوي القذائف والصواريخ هنا».
على المقلب السوري من الحدود، تلاصق القرى العلوية، جاراتها ذات الأغلبية السنية. ويقول لبنانيون إن «القوات الحكومية السورية مارست تطهيرا في القرى السنية، كون معظمها كان معارضا». وقبالة قرى حالات ودبابية والنورا وفريديس والكواشرة اللبنانية، تقع قرية حالات السورية التي يقول لبنانيون إن «سكانها نزحوا منها، إثر المعارك مع القوات النظامية. كذلك قرية أبو مشاعل السورية. أما القرى العلوية فباتت مراكز للقوات النظامية، وأهمها البهلوانية والغوطة وتل سيرين والمخطبية والحارة». أما قرية عزير السورية، ذات الأغلبية المسيحية، فلا يزال قسم كبير من سكانها في منازلهم.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.