رئيس ديوان رئاسة كردستان: «داعش» عاد تنظيما بعدما كان دولة إرهابية

حسين لـ {الشرق الأوسط}: علاقتنا مع العرب وإيران وتركيا جيدة.. ومع بغداد أفضل مما كانت عليه

فؤاد حسين
فؤاد حسين
TT

رئيس ديوان رئاسة كردستان: «داعش» عاد تنظيما بعدما كان دولة إرهابية

فؤاد حسين
فؤاد حسين

بعد الانتصارات التي حققتها قوات البيشمركة يحاول إقليم كردستان العراق معالجة الأزمات التي واجهته من النواحي الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. وبحسب آراء قيادات الإقليم، هناك بوادر انفراج، خاصة بعد أن نجحت القيادة الكردية وحكومة الإقليم في إدارتها للواقع الذي عاشته خلال أكثر من عام مضى.
وقال الدكتور فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة الإقليم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: إن «القيادة الكردية وحكومة الإقليم استطاعتا إدارة الأزمات خاصة الأزمة العسكرية والأمنية، أما بالنسبة للأزمة الاقتصادية الناجمة عن قطع ميزانية الإقليم منذ أكثر من عام، فإن الحكومة الاتحادية قررت إرسال قسم من الميزانية إلى الإقليم والعلاقات بين أربيل وبغداد مقارنة بالعام الماضي أو بالسنوات السابقة، لا بأس بها، فهناك حوار مستمر وهناك تنسيق خاصة في المسائل الأمنية والعسكرية في مجال محاربة (داعش)، والعلاقات لا تخص القضايا المالية والنفطية فقط، بل هي علاقات واسعة، لذا يجب أن تستمر. وبالنسبة للقضايا المالية هناك تفسير مختلف للاتفاقية المبرمة بين أربيل وبغداد من قبل الطرفين، والخطوات التي تم اتخاذها في الآونة الأخيرة تعني أن الباب أصبح مفتوحا أكثر أمام الحوار المستمر، ونأمل أن تكون هناك خطوات أخرى لكي نصل إلى تطبيق قانون الموازنة، فالاتفاق الذي أبرم بين الجانبين أصبح جزءا من هذا القانون، ومع تطبيقه ستحل هذه المشاكل».
وعن المشاكل العالقة بين الطرفين، التي لم يصل الجانبان إلى حل بشأنها لحد الآن، قال رئيس ديوان رئاسة الإقليم: «هناك نقاط قديمة أيضا، بالنسبة لوضع البيشمركة في الاتفاق الأخير الذي أصبح جزءا من قانون الموازنة، هناك حل لمشكلتها المالية، وهذا مهم. يجب تطبيق الاتفاق، لأن القضايا المالية تحل، أما بالنسبة للنقاط الأخرى فهي مسائل تتعلق بتطبيق الدستور مثلا قضية المناطق المشمولة بالمادة 140».
أما بالنسبة لتأثيرات الحرب ضد تنظيم داعش على إقليم كردستان، شدد حسين بالقول إن «إرادة المقاومة في الإقليم أصبحت أكثر قوة من الأشهر السابقة، فالتهديد الذي شكله (داعش) كان تهديدا للوجود، والتنظيم الإرهابي أراد محو الكرد وكردستان من الخريطة والذاكرة والتاريخ، لكن عندما شعرت القيادة الكردية وشعب كردستان بهذا، شاهدنا كيف توجه الشباب الكردي إلى جبهات القتال وحتى الذين تجاوزوا عمر السبعين والثمانين توجهوا إلى جبهات القتال، فهذه الإرادة القوية الموجودة والمترسخة في كردستان هي التي وقفت بوجه الإرهابيين. لكن واقع الحرب والقتال يؤدي إلى الأزمة، والشعب الكردي مستعد لتحمل نتائج هذه الأزمة إلى حين إبعاد خطر الإرهابيين عن كردستان، وهذا تحقق والآن نحن بصدد معالجة نتائج هذه الأزمة، من النواحي المالية والاجتماعية، لا سيما وأن هناك أكثر مليون وثمانمائة ألف لاجئ ونازح في الإقليم».
ومضى حسين إلى القول: «تحول (داعش) من منظمة إرهابية إلى دولة إرهابية بعد احتلاله مدينة الموصل والمناطق العربية السنية الأخرى في العراق في يونيو (حزيران) الماضي ومناطق واسعة في سوريا، والاستراتيجية المطبقة حاليا تتمثل في إعادة (داعش) من حالة الدولة إلى المنظمة، وبعد ذلك القضاء عليه. القوات الكردية نجحت سواء في كوباني أو في الإقليم في دحر (داعش) في مناطق واسعة من كردستان، ومن مناطق أخرى، والآن (داعش) في طريقه إلى الحالة التي ذكرتها، والتنظيم يعاني من أزمة خانقة بين صفوفه، فأكثرية الأجانب الذين التحقوا به وكانوا من خيرة مقاتليه قتلوا في جبهات القتال وانهزم الآخرون، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي يعاني منها، لأنه عندما تحول من تنظيم إلى دولة احتاج إلى مصادر مالية كبيرة، وكان يمتلك هذه المصادر، لكنه الآن في صراع من أجل إيجاد مصادر مالية لدعم قواته، إلى جانب أزمة أخرى تواجه (داعش) وهي أزمة نقص الخدمات ونقص الأدوية ونقص المستشفيات. وتشير المعلومات التي وصلتنا مؤخرا إلى أن المستشفيات في الموصل لا تستطيع استقبال الجرحى حتى إنهم نقلوا جرحاهم إلى البيوت. وازدياد عدد جرحى (داعش) هو بسبب المعارك التي يخوضها ضد قوات البيشمركة في محاور إقليم كردستان وضد القوات العراقية في تكريت والرمادي، إلى جانب الخلافات بين صفوف مسلحيه، خاصة بين المسلحين التلعفريين التركمان المؤثرين في التنظيم والفئة المؤثرة الأخرى في صفوفه من العرب».
وبين حسين أن «الاستراتيجية العسكرية للإقليم، تتمثل في محاربة تنظيم داعش في أي مكان والتحالف مع أي فئة تحاربه وتقوية الخطوط الدفاعية لقوات البيشمركة والتفكير في كيفية التعامل مع القوى العراقية الأخرى من ضمنها الجيش العراقي في العمليات المستقبلية».
وعبر حسين عن شكر الإقليم للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة على دوره في محاربة «داعش». وقال: «التحالف الدولي لعب دورا بارزا في توفير الغطاء الجوي وضرب مواقع التنظيم، كذلك أرسل التحالف العتاد والأسلحة إلى كردستان، وكان من بين الأسلحة التي وصلتنا سلاح ميلان الألماني الذي له دور كبير في الجبهات، لكن نحن في معركة طويلة وشرسة ومعركة تسجل بالدم، فعدد قتلانا تجاوز حتى الآن 1150 قتيلا، ولدينا أكثر من 5000 جريح، فلو كانت لدينا أسلحة ثقيلة من البداية لما دفعنا كل هذا العدد الكبير من التضحيات. الانتصارات التي حققناها، تحققت بدماء أبنائنا، وحسم المعركة النهائية، وأقصد معارك تحرير المدن الكبيرة كالموصل، لا يمكن أن يتم إلا بتوفر الأسلحة النوعية، لذا تحدث الرئيس مسعود بارزاني عن حسم المعركة، والحسم يحتاج إلى أسلحة أخرى، كما ترون الآن في تكريت، القوات العراقية تمكنت من تحرير أكثرية مناطق محافظة صلاح الدين، لكن تكريت في النهاية تحتاج إلى غطاء جوي، وحسنا فعل رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية بطلب الدعم الجوي من قوات التحالف لكي يتم حسم المعركة».
وعن رد الجانب الدولي على مطالبة الإقليم بالأسلحة الثقيلة، قال حسين: «الكثير من دول العالم لا زالت تقدم المساعدات العسكرية لكردستان، لكن هذه المساعدات ليست بمستوى الطموح، ونحن في اتصالاتنا مع العالم الخارجي نشرح هذا الواقع، وهم بدأوا يتفهمون أن (داعش) لا يشكل خطرا على كردستان والعراق فقط بل هو خطر على مجتمعاتهم أيضا، فإذا أرادوا حماية مصالحهم ومجتمعاتهم يجب أن يساعدوا الإقليم بأسلحة نوعية»، مشيرا إلى أن «بغداد أرسلت بعض المساعدات العسكرية إلى الإقليم، لكنها قليلة، والحكومة العراقية، هي الأخرى، تعاني من الناحية العسكرية من المشاكل، سواء أكانت متعلقة بالأسلحة الثقيلة أو التدريب أو العتاد، والوضع المالي أثر على الوضع العسكري في العراق، لكن هناك تعاونا واجتماعات مستمرة بين وزارة الدفاع ووزارة البيشمركة وهناك تبادل للمعلومات العسكرية بين الجانبين، ونأمل أن تتسلم بغداد أسلحة جديدة وأن تكون لقوات البيشمركة حصة منها».
وكشف حسين عن مباحثات جارية بين بغداد وأربيل حول الأشخاص المطلوبين من قبل بغداد الموجودين في الإقليم. وأضاف: «أعتقد أنه سيكون هناك تعاون في هذا المجال، ونحن لا نأوي المجرمين، لكن أبواب كردستان مفتوحة للنازحين واللاجئين، وبصورة عامة نحن مستعدون للتعاون في هذا المجال والاجتماعات مستمرة بين الجانبين».
وبسؤاله عن المخاطر المستقبلية لقوات الحشد الشعبي (الميليشيات الشيعية) على إقليم كردستان، خاصة في مرحلة ما بعد «داعش»، بين حسين أنه «من الناحية النظرية الإنسان حر في التحدث عن المخاطر المستقبلية، لكن طرح هذا النوع من القضايا حاليا فيه نوع من التضخيم، فالحشد الشعبي لا يوجد في حدود كردستان إلا في بعض المناطق المختلطة في جنوب كركوك وفي أطراف جلولاء والسعدية، وتم التنسيق مع هذه القوات في تلك المناطق، وأي نزاع بين قوات تابعة للحكومة الاتحادية وقوات إقليم كردستان يعتمد حلها في النهاية على العلاقات بين أربيل وبغداد».
وبخصوص الإدارة في المناطق المتنازع عليها، في مرحلة ما بعد «داعش»، قال حسين إن «غالبية هذه المناطق الآن هي تحت حماية قوات البيشمركة، فلولا وجود البيشمركة فيها لأصبحت تحت سيطرة تنظيم داعش. الجيش العراقي انهار في هذه المناطق والبيشمركة استطاعت أن تحميها وتحمي الآبار النفطية فيها، والأكثر من ذلك أنها حمت العرب والتركمان والكرد والمسلمين والمسيحيين والشيعة والسنة وكافة المكونات الأخرى في هذه المناطق. أما في مرحلة ما بعد (داعش) فهذه المناطق خاضعة لمادة دستورية وهي المادة 140، التي تتحدث عن إجراء استفتاء، ومن واجب الحكومة الاتحادية تطبيق هذه المادة وإجراء الاستفتاء، لأن أهالي هذه المناطق هم الذين سيقررون مصيرهم، وتأجيل الاستفتاء فترة طويلة سيؤدي إلى أزمة أخرى».
وبسؤاله عن وحدة البيت الكردي حول تجديد ولاية رئيس الإقليم مسعود بارزاني التي تنتهي في أغسطس (آب) المقبل، قال حسين: «لحد الآن لم تطرح هذه المسألة بشكل رسمي، والرئيس بارزاني لم يتحدث عن هذا الموضوع، ومن الصعب حاليا التحدث عن هذه المسألة، لكن من الواضح أننا نقترب من الموعد وهناك مسألة قانونية يجب حلها، ويجب أن نصل إلى نتيجة في هذا الاتجاه، والموضوع متعلق بالأحزاب الكردستانية».
وبسؤاله عن علاقات الإقليم بالدول العربية، قال حسين: «القيادة الكردستانية بنت علاقات قوية مع غالبية الدول العربية، سواء علاقات دبلوماسية أو على مستويات أخرى، ولدينا علاقات جيدة مع دول الخليج والأردن ومع مصر ولبنان أيضا». وأشار حسين خلال حديثه إلى علاقات الإقليم مع جيرانه قائلا: «الإيرانيون أعلنوا إنهم موجودون في العراق فيما يخص الحرب ضد (داعش) وعلاقتنا مع إيران جيدة. وبالنسبة لعلاقاتنا مع تركيا فهي أيضا جيدة وسياستنا تهدف إلى بناء علاقات بناءه مع دول الجوار على أساس المصالح المشتركة وعدم التدخل في الأمور الداخلية، صحيح أن كردستان ليست دولة لكن هناك بعدا كرديا في إيران وفي تركيا، لذا أتحدث عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.