بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون

«المستعمرة القديمة» حاضرة دائماً في الأجندة السياسية الفرنسية

بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون
TT

بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون

بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون

الرئاسة والجيش في الجزائر في قمة الغضب... بعدما وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما اعتُبر كلاماً موجعاً للغاية للمؤسستين وللبلاد عامة. الألفاظ كانت عاكسة لشعور من جانب فرنسا بأن صبرها نفد وهي تبذل جهداً لإقناع الجزائريين، منذ فترة حكم الرئيس جاك شيراك، من دون جدوى، بطيّ صفحة الماضي المرتبط بالغزو الفرنسي في القرن الـ19، ونسيان «آلام الذاكرة». أما الجزائريون، من جهتهم، فيرفضون بحدّة الانخراط في هذا الطرح، قبل أن تعلن فرنسا «توبتها»، وأن يصرح قادتها أنها ارتكبت ذنباً شنيعاً خلال الاحتلال.
وفي 30 من الشهر المنقضي، جمع ماكرون 18 شاباً من أحفاد الذين عاشوا الحرب في الجزائر، في إطار مسعى يقوم به منذ وصوله إلى الحكم، سماه «لملمة جراح الذاكرة». وخلال أخذ وردٍّ معهم، تساءل: «ما إذا كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي». وأشار ماكرون إلى أن «الأتراك تمكّنوا من جعل الجزائريين ينسون أنهم (أي الأتراك) استعمروا بلادهم»، داعياً من ثم «لإعادة كتابة التاريخ الجزائري باللغة الجزائرية لمحو تزييف الحقائق التي قام بها الأتراك».

تلقت الجزائر بحساسية بالغة كلام إيمانويل ماكرون، الذي ينطوي على معنى في غاية الإهانة للبلاد وشعبها، مفاده أن للاستعمار الفرنسي «أفضالاً حضارية على الجزائريين، الذين كانوا يسكنون الخيمة ويرعون الغنم قبل أن تأتي إليهم فرنسا لتدخلهم المدنية».
والواقع أن ماكرون لم يتوقّف عند هذا الحد... إذ ذكر بأن الجزائر أنشأت بعد استقلالها عام 1962 «ريعاً للذاكرة كرّسه النظام السياسي - العسكري». وتحدث عن «تاريخ رسمي للجزائر أُعيدت كتابته بالكامل وهو لا يستند إلى حقائق، إنما على خطاب يرتكز على كراهية فرنسا». ثم ذكر أن «حواراً جيداً يجمعني بالرئيس (الجزائري عبد المجيد) تبون، لكني أرى أنه محتجز لدى نظام متحجّر جداً». ما يعني، حسب مراقبين، أن الرئيس الجزائري «رهينة للعسكر» وأنه لا يحكم فعلياً.
من جانب ثانٍ، استهدف الرئيس الفرنسي «المجتمع الحاكم» - كما سماه - بقرار اتخذ منذ أيام بتقليص منح التأشيرات إلى النصف. وأبرز ذلك على أنه عقاب للمسؤولين الذين يحصلون على التأشيرة بسهولة، بعدما رفضوا طلب فرنسا تسليمهم مهاجرين جزائريين غير نظاميين وأشخاص محل شبهة إرهاب. وهدّدهم بأن فرنسا «لن تجعل حياتهم سهلة» عندما تمنع عنهم «الفيزا».
وسريعاً جاء رد الجزائر باتخاذ سلسلة من الإجراءات الرسمية ضد فرنسا، كان أولها سحب السفير الجزائري من باريس، وإغلاق أجواء الجزائر في وجه الطيران الحربي الفرنسي الذي يقوم بمهام بشمال مالي؛ حيث يلاحق الجماعات المتطرفة منذ 2013.

- الموسم الانتخابي الفرنسي
وما يلفت الانتباه في هذا الفصل الجديد من التشنج، أنه كلما اقترب موعد انتخابي في فرنسا، يقفز التوتر بين الجانبين الفرنسي والجزائري إلى الواجهة... كأنما لا يمكن أن تجري الانتخابات، من دون أن يدعى إلى حضورها «الضيف الجزائر». ويكون ذلك في الغالب بإثارة ملفات تاريخية كـ«الحَركي» (الجزائريين الذين تعاونوا مع الاستعمار وعاش قطاع منهم في فرنسا بعد الاستقلال)، و«الأقدام السوداء» (الأوروبيين الذين ولدوا في الجزائر وغادروها في أيام الاستقلال). ولهذا السبب يربط جلّ المراقبين تصريحات ماكرون بأجندة «الرئاسية» الفرنسية المقرّرة في أبريل (نيسان) المقبل.

- «منطق ميكيافيلي»
الكاتب الصحافي الجزائري عبد العالي زواغي قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً بهذا الخصوص: «في الظاهر، تبدو التصريحات المشينة للرئيس الفرنسي كأنها رقصة الديك المذبوح، فالرجل على أعتاب رئاسيات جديدة يطمح للفوز من خلالها بولاية ثانية. وهذه الغاية بـ(المنطق الميكيافيلي) جعلته يتحرّر من اللباقة والأعراف الدبلوماسية، ويستدعي التاريخ بكل تلك الحساسية المفرطة التي تميز العلاقات مع الجزائر. وهكذا راح يرمي الكلام على عواهنه، ويخوض في تاريخ الأمة الجزائرية بشكل فضح جهله ونقص إلمامه بالتاريخ، علّه يستجلب إليه تعاطف أصوات انتخابية تستهويها الأسطوانة التي رددها، ونقصد طبعاً الخزان اليميني الذي يعادي المهاجرين ويحنّ للماضي الاستعماري مدفوعاً بوهم التفوّق الأبيض ومعاداة الإسلام. وهذا تيار انتعش خلال السنوات الأخيرة في جميع دول أوروبا... وهذه الخطوة تبدو مدروسة، فقد اتبع ماكرون لتنفيذها سياسة التدرج، واستبقها بالاعتذار الرسمي لـ(الحركي) الذين خانوا وطنهم وأبناء شعبهم وحاربوا إلى جانب فرنسا ضدهم».
وبحسب الكاتب زواغي: «درج الرؤساء الفرنسيون على استحضار الملفات الشائكة للعلاقات الفرنسية الجزائرية عند كل موعد انتخابي، وبدرجات متفاوتة من حيث الحدة في طرح بعض التفاصيل، لكن الرئيس الحالي تجاوز كل الحدود المسموحة. ويبدو أنه أفرغ ما بجعبته من عقيدة كولونيالية ما زالت تنظر إلى الجزائر بنظرة استعلائية أبوية كأنها لا تزال مستعمرتها التي كانت قبل 1962». وأردف: «في الحقيقة، ماكرون عبّر بصوت مرتفع عمّا تؤمن به النخبة السياسية الفرنسية في السر، فهو كشف لنا جميعاً العلة الحقيقية في العلاقات بين البلدين، وأبان عن المحرّك الرئيس في بناء المواقف وردود الفعل لدى النخبة الفرنسية، وهي الفكرة الكولونيالية المتجذّرة في السمت التكويني للشخصية الفرنسية بحد ذاتها، والتي تعتبر الجزائر حديقة خلفية لها وخزاناً كبيراً يدفق الحياة في شرايين اقتصادها... وهي علة مزمنة يبدو أن الفرنسيين لا يستطيعون الشفاء منها».

- «منطقة فراغ حضاري»
كذلك قال زواغي: «كانت فرنسا، وما زالت، تستند إلى فريّة كبيرة رافقت احتلالها للجزائر... ويبدو أن الرئيس ماكرون متمسك ومؤمن بها، مؤداها أن الجزائر كانت قبل الغزو البربري المتوحش، منطقة فراغ حضاري يجب ملؤه وتمدينه، لكن بقطع الرؤوس وبقر البطون وتهجير الجزائريين وارتكاب مجازر وحشية بحقهم، لم يسبق لأي قوة استعمارية أن اقترفت مثيلاً لها».
وتابع: «يبدو جلياً أن تطرق ماكرون للنظام الجزائري، ومهاجمته للعسكر، واتهام النظام المتصلب باحتجاز الرئيس تبون، تصريحات استهلاكية وطلقات عشوائية أو رسائل موجهة لطرف ما، تعبر عن تغيير داخلي يجري لغير صالح الطرف الفرنسي. وتبقى تصريحاته هذه قطب الرحى في تحديد معالم المستقبل في العلاقات الثنائية، لأنها استهدفت كيان الأمة الجزائرية وروحها، وهو ما لا يمكن للجزائريين تفويته. ولقد ظهر ذلك من خلال تصريحات الرسميين الجزائريين وموقف الدولة، ومن خلال ردود فعل مستخدمي (فيسبوك) الذين انبروا لإدانة ما صرح به الرئيس الفرنسي، ونشر الحقائق التاريخية والمطالبة بقطع العلاقات مع فرنسا وتحجيم مصالحها الاقتصادية والثقافية في البلد، واعتبار ذلك بمثابة الترياق الشافي الذي بفضله تتخلص الجزائر من تخلفها وترنحها الاقتصادي والاجتماعي».

- ثمة جزائريون يحبون فرنسا
من جهة أخرى، كتب المحلل السياسي عبد الوهاب لكوارع، في حسابه على «فيسبوك»، عن تصريحات ماكرون والسخط الذي خلّفته، فقال: «لقد تحدّث عن نظام بوليتيكو - عسكري يعتاش من ريع الذاكرة، وهو وصف دقيق جداً للنظام الحاكم عندنا. قال إن الشعب الجزائري لا يكره فرنسا، وهو أمر غير دقيق، فهناك من الشعب الجزائري مَن يكره فرنسا حقاً ولكن هناك أيضاً نسبة مُعتبَرة منه يحبون فرنسا، ولا أدلّ على ذلك من قوافل الحراقة (المهاجرين غير النظاميين) التي تحطّ رحالها كل يوم هناك. كذلك لا ننسى، مثلاً، كيف استقبل آلاف الجزائريين جاك شيراك (الزيارة جرت عام 2003) بعد فيضانات باب الواد (حي شعبي بالعاصمة) هاتفين باسمه ومطالبين بالفيزا».
وقال لكوارع أيضاً: «قال (ماكرون) إن السؤال يبقى مطروحاً بشأن وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، وقد ذهب فرحات عباس، أيقونة الحركة الوطنية الجزائرية، وأول رئيس للحكومة المؤقتة، وأول رئيس للمجلس التأسيسي للدولة الجزائرية، أبعد من ذلك حين قال إبان سنوات تيهه السياسي، إنه بحث عن الأمة الجزائرية في المقابر ولم يجدها».
لكوارع يعد ماكرون «رجلاً سياسياً ذكياً وطموحاً، وهو يلعب كلّ أوراقه للفوز بولاية ثانية، بما فيها استغلال ورقة التاريخ»، مضيفاً: «في المحصَلة، ما زال الجزائريون المساكين غارقين في البحث عن هويّتهم وتاريخهم... وكان يكفيهم تبنّي 5 يوليو (تموز) 1962 تاريخ معجزة الاستقلال عن فرنسا كبداية مظفرّة للأمّة الجزائرية الحديثة، عوضاً عن المعارك السخيفة مع التاريخ لاستنطاقه عن البداية الحقيقية لهذه الأمّة».
واستشهد لكوارع، برواية «موسم الهجرة إلى الشمال» الشهيرة، التي كتبها الأديب السوداني الطيب صالح في أواسط ستينات القرن الماضي، وخاض فيها بشأن الهوية. إذ يقول عن المستعمرين: «لم يكن مجيئهم مأساة كما نصوّر نحن، ولا نعمة كما يصوّرون هم، كان عملاً ميلودرامياً سيتحوّل مع مرور الزمن إلى خرافة... كونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا. هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا، إنهم سيخرجون من ديارنا إن عاجلاً أم أجلاً... سكك الحديد والبواخر والمصانع والمستشفيات والمدارس ستكون لنا، وسنتحدث لغتهم، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل... سنكون كما نحن قوماً عاديين، وإذا كنا أكاذيب فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا».

- الجزائر تضيع من يد فرنسا
أما الكاتب عبد الجبار باطَة فقال لـ«الشرق الأوسط»: «عندما حلّ ماكرون بالجزائر أثناء حملته الانتخابية قبل 4 سنوات، قال بالحرف الواحد؛ من البديهي أن أقوم بهذه الزيارة بالنظر إلى دور الجزائر في تاريخنا وفي بلادنا وفي مستقبلنا... ليضيف في خطابات أخرى؛ أن استعمار الجزائر كان جريمة ضد الإنسانية... لا يعقل أبداً أن يكون صاحب الخطاب الهجومي هو نفسه مَن يشكك في وجود أمة جزائرية كانت موجودة قبل الاحتلال الفرنسي. ومن البديهي كذلك أن الأمة التي تصنعها بنفسك لا يمكن لها أبداً أن تتجاوزك ليصبح لها دور في وجودك وفي مستقبلك. إن التناقض الصارخ فيما يصرّح به ماكرون حسب مزاجه وعقليته المتقلبة، يدفعنا إلى قراءة معمّقة للواقع، بعيدة كل البعد عن أن ماكرون قد يكون فعلاً بحاجة إلى فحص صحته العقلية - كما يقول الرئيس التركي رجب طيب إردوغان - بل إلى قراءة كل الجوانب المحيطة به داخلياً وخارجياً، وما يدفعه لأن يكون شاذاً هذه المرة في خرجاته وتصريحاته الأخيرة، عكس كل رؤساء فرنسا السابقين».
وفي نظر باطة: «تشعر فرنسا فعلاً أن الجزائر تضيع من يدها؛ خصوصاً بعد النزيف الهائل والمتواصل للشركات الفرنسية التي تغادر البلاد دون رجعة، بعدما رفض النظام الجزائري الجديد تجديد عقودها، وكذلك بعد الزجّ بالسياسيين ورجال الأعمال المحسوبين عليها في السجون الجزائرية والباقي فرّ خارج البلاد».

- هناد: ماكرون محقّ
في المقابل، يدعم محمد هناد، أستاذ العلوم السياسية، بشكل قوي موقف ماكرون من نظام الجزائر. إذ كتب: «لقد فوّتت السلطات الجزائرية، كعادتها، على نفسها الفرصة للظهور بمظهر المسؤول الواثق من نفسه بعد تصريحات ماكرون. وقد جاراها في ذلك كثير من إعلاميّينا ومثقفينا، للأسف. لنبحث، بهدوء، فيما قاله الرئيس ماكرون؛ أولاً، أظن أنه ينبغي أن نشيد بالرئيس الفرنسي لأنه أجهر بما يضمره الساسة في فرنسا، فيما يخص التقدير التي يحظى به بعض من حكامنا هناك بسبب فسادهم واتخاذهم من فرنسا ملاذاً لأموالهم وترفهم. لذلك من المتوقع أن يُقدِم هؤلاء على تحويل ممتلكاتهم خارج فرنسا... ويقول الرئيس الفرنسي إن الجزائر بُنيت، بعد الاستقلال على ريع ذاكرة برعاية نظام سياسي عسكري! أليس ذلك عين الصواب؟». ويستند ريع الذاكرة، حسب هناد، إلى «ريع آخر هو ريع المحروقات، كما يستند على قمع المعارضة أياً كانت. أضف إلى ذلك أن الدولة الجزائرية نفسها قامت على انقلاب عسكري ضد الحكومة المؤقتة، مباشرة بعد إعلان توقيف الحرب. ولترسيخ حكمهم، اعتمد الانقلابيون على تاريخ رسمي هو أشبه ما يكون بسير القدسيين (hagiographie)، تاريخ قائم - كما يقول ماكرون - على كره فرنسا. لكن اليوم نعلم أن هذا الكره كان مجرّد دعاية عقيمة، وكأن الكره كان قادراً على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء! لذلك، فمن حق الرئيس الفرنسي أن يَعِد بكتابة تاريخ حرب الجزائر، بالعربية والأمازيغية، بهدف مواجهة التضليل والدعاية».
وتابع هناد: «لكن هناك كلاماً قاله إيمانويل ماكرون في غاية الأهمية، يدحض فيه تلك الفكرة الشائعة التي تفيد بأن فرنسا تساند منظومة الحكم في الجزائر - هذا إن لم تكن هذه الأخيرة تأتمر بأوامرها - حيث صرح أن نظام الحكم في الجزائر أصابه العياء، وأضحى هشاً بسبب الحراك، مؤكداً طابعه العسكري، ومنوّهاً بالعلاقة التي تجمعه بالرئيس عبد المجيد تبون، لكن الرئيس الجزائري يبقى، حسبه، أسير نظام قاسٍ جداً».
وبخصوص تهديد ماكرون «الطبقة الحاكمة» بحرمانها من التأشيرة، وبأنه «لن يجعل حياتهم سهلة»، يتساءل هناد: «ألا يدل ذلك على قلة الاحترام الذي يحظى به المعنيون لدى السلطات الفرنسية، التي يبدو أنها لم تعد تهابهم؟... تُرى ما هي العبرة التي يجب أن نستخلصها من تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون الأخيرة، بخصوص منظومة الحكم في الجزائر؟ إذا لم يحترمك غيرك، انظر في نفسك، فلعلك أنت السبب!».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.