بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون

«المستعمرة القديمة» حاضرة دائماً في الأجندة السياسية الفرنسية

بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون
TT

بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون

بين الجزائر وباريس تصفية حساب عمره 3 قرون

الرئاسة والجيش في الجزائر في قمة الغضب... بعدما وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما اعتُبر كلاماً موجعاً للغاية للمؤسستين وللبلاد عامة. الألفاظ كانت عاكسة لشعور من جانب فرنسا بأن صبرها نفد وهي تبذل جهداً لإقناع الجزائريين، منذ فترة حكم الرئيس جاك شيراك، من دون جدوى، بطيّ صفحة الماضي المرتبط بالغزو الفرنسي في القرن الـ19، ونسيان «آلام الذاكرة». أما الجزائريون، من جهتهم، فيرفضون بحدّة الانخراط في هذا الطرح، قبل أن تعلن فرنسا «توبتها»، وأن يصرح قادتها أنها ارتكبت ذنباً شنيعاً خلال الاحتلال.
وفي 30 من الشهر المنقضي، جمع ماكرون 18 شاباً من أحفاد الذين عاشوا الحرب في الجزائر، في إطار مسعى يقوم به منذ وصوله إلى الحكم، سماه «لملمة جراح الذاكرة». وخلال أخذ وردٍّ معهم، تساءل: «ما إذا كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي». وأشار ماكرون إلى أن «الأتراك تمكّنوا من جعل الجزائريين ينسون أنهم (أي الأتراك) استعمروا بلادهم»، داعياً من ثم «لإعادة كتابة التاريخ الجزائري باللغة الجزائرية لمحو تزييف الحقائق التي قام بها الأتراك».

تلقت الجزائر بحساسية بالغة كلام إيمانويل ماكرون، الذي ينطوي على معنى في غاية الإهانة للبلاد وشعبها، مفاده أن للاستعمار الفرنسي «أفضالاً حضارية على الجزائريين، الذين كانوا يسكنون الخيمة ويرعون الغنم قبل أن تأتي إليهم فرنسا لتدخلهم المدنية».
والواقع أن ماكرون لم يتوقّف عند هذا الحد... إذ ذكر بأن الجزائر أنشأت بعد استقلالها عام 1962 «ريعاً للذاكرة كرّسه النظام السياسي - العسكري». وتحدث عن «تاريخ رسمي للجزائر أُعيدت كتابته بالكامل وهو لا يستند إلى حقائق، إنما على خطاب يرتكز على كراهية فرنسا». ثم ذكر أن «حواراً جيداً يجمعني بالرئيس (الجزائري عبد المجيد) تبون، لكني أرى أنه محتجز لدى نظام متحجّر جداً». ما يعني، حسب مراقبين، أن الرئيس الجزائري «رهينة للعسكر» وأنه لا يحكم فعلياً.
من جانب ثانٍ، استهدف الرئيس الفرنسي «المجتمع الحاكم» - كما سماه - بقرار اتخذ منذ أيام بتقليص منح التأشيرات إلى النصف. وأبرز ذلك على أنه عقاب للمسؤولين الذين يحصلون على التأشيرة بسهولة، بعدما رفضوا طلب فرنسا تسليمهم مهاجرين جزائريين غير نظاميين وأشخاص محل شبهة إرهاب. وهدّدهم بأن فرنسا «لن تجعل حياتهم سهلة» عندما تمنع عنهم «الفيزا».
وسريعاً جاء رد الجزائر باتخاذ سلسلة من الإجراءات الرسمية ضد فرنسا، كان أولها سحب السفير الجزائري من باريس، وإغلاق أجواء الجزائر في وجه الطيران الحربي الفرنسي الذي يقوم بمهام بشمال مالي؛ حيث يلاحق الجماعات المتطرفة منذ 2013.

- الموسم الانتخابي الفرنسي
وما يلفت الانتباه في هذا الفصل الجديد من التشنج، أنه كلما اقترب موعد انتخابي في فرنسا، يقفز التوتر بين الجانبين الفرنسي والجزائري إلى الواجهة... كأنما لا يمكن أن تجري الانتخابات، من دون أن يدعى إلى حضورها «الضيف الجزائر». ويكون ذلك في الغالب بإثارة ملفات تاريخية كـ«الحَركي» (الجزائريين الذين تعاونوا مع الاستعمار وعاش قطاع منهم في فرنسا بعد الاستقلال)، و«الأقدام السوداء» (الأوروبيين الذين ولدوا في الجزائر وغادروها في أيام الاستقلال). ولهذا السبب يربط جلّ المراقبين تصريحات ماكرون بأجندة «الرئاسية» الفرنسية المقرّرة في أبريل (نيسان) المقبل.

- «منطق ميكيافيلي»
الكاتب الصحافي الجزائري عبد العالي زواغي قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً بهذا الخصوص: «في الظاهر، تبدو التصريحات المشينة للرئيس الفرنسي كأنها رقصة الديك المذبوح، فالرجل على أعتاب رئاسيات جديدة يطمح للفوز من خلالها بولاية ثانية. وهذه الغاية بـ(المنطق الميكيافيلي) جعلته يتحرّر من اللباقة والأعراف الدبلوماسية، ويستدعي التاريخ بكل تلك الحساسية المفرطة التي تميز العلاقات مع الجزائر. وهكذا راح يرمي الكلام على عواهنه، ويخوض في تاريخ الأمة الجزائرية بشكل فضح جهله ونقص إلمامه بالتاريخ، علّه يستجلب إليه تعاطف أصوات انتخابية تستهويها الأسطوانة التي رددها، ونقصد طبعاً الخزان اليميني الذي يعادي المهاجرين ويحنّ للماضي الاستعماري مدفوعاً بوهم التفوّق الأبيض ومعاداة الإسلام. وهذا تيار انتعش خلال السنوات الأخيرة في جميع دول أوروبا... وهذه الخطوة تبدو مدروسة، فقد اتبع ماكرون لتنفيذها سياسة التدرج، واستبقها بالاعتذار الرسمي لـ(الحركي) الذين خانوا وطنهم وأبناء شعبهم وحاربوا إلى جانب فرنسا ضدهم».
وبحسب الكاتب زواغي: «درج الرؤساء الفرنسيون على استحضار الملفات الشائكة للعلاقات الفرنسية الجزائرية عند كل موعد انتخابي، وبدرجات متفاوتة من حيث الحدة في طرح بعض التفاصيل، لكن الرئيس الحالي تجاوز كل الحدود المسموحة. ويبدو أنه أفرغ ما بجعبته من عقيدة كولونيالية ما زالت تنظر إلى الجزائر بنظرة استعلائية أبوية كأنها لا تزال مستعمرتها التي كانت قبل 1962». وأردف: «في الحقيقة، ماكرون عبّر بصوت مرتفع عمّا تؤمن به النخبة السياسية الفرنسية في السر، فهو كشف لنا جميعاً العلة الحقيقية في العلاقات بين البلدين، وأبان عن المحرّك الرئيس في بناء المواقف وردود الفعل لدى النخبة الفرنسية، وهي الفكرة الكولونيالية المتجذّرة في السمت التكويني للشخصية الفرنسية بحد ذاتها، والتي تعتبر الجزائر حديقة خلفية لها وخزاناً كبيراً يدفق الحياة في شرايين اقتصادها... وهي علة مزمنة يبدو أن الفرنسيين لا يستطيعون الشفاء منها».

- «منطقة فراغ حضاري»
كذلك قال زواغي: «كانت فرنسا، وما زالت، تستند إلى فريّة كبيرة رافقت احتلالها للجزائر... ويبدو أن الرئيس ماكرون متمسك ومؤمن بها، مؤداها أن الجزائر كانت قبل الغزو البربري المتوحش، منطقة فراغ حضاري يجب ملؤه وتمدينه، لكن بقطع الرؤوس وبقر البطون وتهجير الجزائريين وارتكاب مجازر وحشية بحقهم، لم يسبق لأي قوة استعمارية أن اقترفت مثيلاً لها».
وتابع: «يبدو جلياً أن تطرق ماكرون للنظام الجزائري، ومهاجمته للعسكر، واتهام النظام المتصلب باحتجاز الرئيس تبون، تصريحات استهلاكية وطلقات عشوائية أو رسائل موجهة لطرف ما، تعبر عن تغيير داخلي يجري لغير صالح الطرف الفرنسي. وتبقى تصريحاته هذه قطب الرحى في تحديد معالم المستقبل في العلاقات الثنائية، لأنها استهدفت كيان الأمة الجزائرية وروحها، وهو ما لا يمكن للجزائريين تفويته. ولقد ظهر ذلك من خلال تصريحات الرسميين الجزائريين وموقف الدولة، ومن خلال ردود فعل مستخدمي (فيسبوك) الذين انبروا لإدانة ما صرح به الرئيس الفرنسي، ونشر الحقائق التاريخية والمطالبة بقطع العلاقات مع فرنسا وتحجيم مصالحها الاقتصادية والثقافية في البلد، واعتبار ذلك بمثابة الترياق الشافي الذي بفضله تتخلص الجزائر من تخلفها وترنحها الاقتصادي والاجتماعي».

- ثمة جزائريون يحبون فرنسا
من جهة أخرى، كتب المحلل السياسي عبد الوهاب لكوارع، في حسابه على «فيسبوك»، عن تصريحات ماكرون والسخط الذي خلّفته، فقال: «لقد تحدّث عن نظام بوليتيكو - عسكري يعتاش من ريع الذاكرة، وهو وصف دقيق جداً للنظام الحاكم عندنا. قال إن الشعب الجزائري لا يكره فرنسا، وهو أمر غير دقيق، فهناك من الشعب الجزائري مَن يكره فرنسا حقاً ولكن هناك أيضاً نسبة مُعتبَرة منه يحبون فرنسا، ولا أدلّ على ذلك من قوافل الحراقة (المهاجرين غير النظاميين) التي تحطّ رحالها كل يوم هناك. كذلك لا ننسى، مثلاً، كيف استقبل آلاف الجزائريين جاك شيراك (الزيارة جرت عام 2003) بعد فيضانات باب الواد (حي شعبي بالعاصمة) هاتفين باسمه ومطالبين بالفيزا».
وقال لكوارع أيضاً: «قال (ماكرون) إن السؤال يبقى مطروحاً بشأن وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، وقد ذهب فرحات عباس، أيقونة الحركة الوطنية الجزائرية، وأول رئيس للحكومة المؤقتة، وأول رئيس للمجلس التأسيسي للدولة الجزائرية، أبعد من ذلك حين قال إبان سنوات تيهه السياسي، إنه بحث عن الأمة الجزائرية في المقابر ولم يجدها».
لكوارع يعد ماكرون «رجلاً سياسياً ذكياً وطموحاً، وهو يلعب كلّ أوراقه للفوز بولاية ثانية، بما فيها استغلال ورقة التاريخ»، مضيفاً: «في المحصَلة، ما زال الجزائريون المساكين غارقين في البحث عن هويّتهم وتاريخهم... وكان يكفيهم تبنّي 5 يوليو (تموز) 1962 تاريخ معجزة الاستقلال عن فرنسا كبداية مظفرّة للأمّة الجزائرية الحديثة، عوضاً عن المعارك السخيفة مع التاريخ لاستنطاقه عن البداية الحقيقية لهذه الأمّة».
واستشهد لكوارع، برواية «موسم الهجرة إلى الشمال» الشهيرة، التي كتبها الأديب السوداني الطيب صالح في أواسط ستينات القرن الماضي، وخاض فيها بشأن الهوية. إذ يقول عن المستعمرين: «لم يكن مجيئهم مأساة كما نصوّر نحن، ولا نعمة كما يصوّرون هم، كان عملاً ميلودرامياً سيتحوّل مع مرور الزمن إلى خرافة... كونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا. هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا، إنهم سيخرجون من ديارنا إن عاجلاً أم أجلاً... سكك الحديد والبواخر والمصانع والمستشفيات والمدارس ستكون لنا، وسنتحدث لغتهم، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل... سنكون كما نحن قوماً عاديين، وإذا كنا أكاذيب فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا».

- الجزائر تضيع من يد فرنسا
أما الكاتب عبد الجبار باطَة فقال لـ«الشرق الأوسط»: «عندما حلّ ماكرون بالجزائر أثناء حملته الانتخابية قبل 4 سنوات، قال بالحرف الواحد؛ من البديهي أن أقوم بهذه الزيارة بالنظر إلى دور الجزائر في تاريخنا وفي بلادنا وفي مستقبلنا... ليضيف في خطابات أخرى؛ أن استعمار الجزائر كان جريمة ضد الإنسانية... لا يعقل أبداً أن يكون صاحب الخطاب الهجومي هو نفسه مَن يشكك في وجود أمة جزائرية كانت موجودة قبل الاحتلال الفرنسي. ومن البديهي كذلك أن الأمة التي تصنعها بنفسك لا يمكن لها أبداً أن تتجاوزك ليصبح لها دور في وجودك وفي مستقبلك. إن التناقض الصارخ فيما يصرّح به ماكرون حسب مزاجه وعقليته المتقلبة، يدفعنا إلى قراءة معمّقة للواقع، بعيدة كل البعد عن أن ماكرون قد يكون فعلاً بحاجة إلى فحص صحته العقلية - كما يقول الرئيس التركي رجب طيب إردوغان - بل إلى قراءة كل الجوانب المحيطة به داخلياً وخارجياً، وما يدفعه لأن يكون شاذاً هذه المرة في خرجاته وتصريحاته الأخيرة، عكس كل رؤساء فرنسا السابقين».
وفي نظر باطة: «تشعر فرنسا فعلاً أن الجزائر تضيع من يدها؛ خصوصاً بعد النزيف الهائل والمتواصل للشركات الفرنسية التي تغادر البلاد دون رجعة، بعدما رفض النظام الجزائري الجديد تجديد عقودها، وكذلك بعد الزجّ بالسياسيين ورجال الأعمال المحسوبين عليها في السجون الجزائرية والباقي فرّ خارج البلاد».

- هناد: ماكرون محقّ
في المقابل، يدعم محمد هناد، أستاذ العلوم السياسية، بشكل قوي موقف ماكرون من نظام الجزائر. إذ كتب: «لقد فوّتت السلطات الجزائرية، كعادتها، على نفسها الفرصة للظهور بمظهر المسؤول الواثق من نفسه بعد تصريحات ماكرون. وقد جاراها في ذلك كثير من إعلاميّينا ومثقفينا، للأسف. لنبحث، بهدوء، فيما قاله الرئيس ماكرون؛ أولاً، أظن أنه ينبغي أن نشيد بالرئيس الفرنسي لأنه أجهر بما يضمره الساسة في فرنسا، فيما يخص التقدير التي يحظى به بعض من حكامنا هناك بسبب فسادهم واتخاذهم من فرنسا ملاذاً لأموالهم وترفهم. لذلك من المتوقع أن يُقدِم هؤلاء على تحويل ممتلكاتهم خارج فرنسا... ويقول الرئيس الفرنسي إن الجزائر بُنيت، بعد الاستقلال على ريع ذاكرة برعاية نظام سياسي عسكري! أليس ذلك عين الصواب؟». ويستند ريع الذاكرة، حسب هناد، إلى «ريع آخر هو ريع المحروقات، كما يستند على قمع المعارضة أياً كانت. أضف إلى ذلك أن الدولة الجزائرية نفسها قامت على انقلاب عسكري ضد الحكومة المؤقتة، مباشرة بعد إعلان توقيف الحرب. ولترسيخ حكمهم، اعتمد الانقلابيون على تاريخ رسمي هو أشبه ما يكون بسير القدسيين (hagiographie)، تاريخ قائم - كما يقول ماكرون - على كره فرنسا. لكن اليوم نعلم أن هذا الكره كان مجرّد دعاية عقيمة، وكأن الكره كان قادراً على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء! لذلك، فمن حق الرئيس الفرنسي أن يَعِد بكتابة تاريخ حرب الجزائر، بالعربية والأمازيغية، بهدف مواجهة التضليل والدعاية».
وتابع هناد: «لكن هناك كلاماً قاله إيمانويل ماكرون في غاية الأهمية، يدحض فيه تلك الفكرة الشائعة التي تفيد بأن فرنسا تساند منظومة الحكم في الجزائر - هذا إن لم تكن هذه الأخيرة تأتمر بأوامرها - حيث صرح أن نظام الحكم في الجزائر أصابه العياء، وأضحى هشاً بسبب الحراك، مؤكداً طابعه العسكري، ومنوّهاً بالعلاقة التي تجمعه بالرئيس عبد المجيد تبون، لكن الرئيس الجزائري يبقى، حسبه، أسير نظام قاسٍ جداً».
وبخصوص تهديد ماكرون «الطبقة الحاكمة» بحرمانها من التأشيرة، وبأنه «لن يجعل حياتهم سهلة»، يتساءل هناد: «ألا يدل ذلك على قلة الاحترام الذي يحظى به المعنيون لدى السلطات الفرنسية، التي يبدو أنها لم تعد تهابهم؟... تُرى ما هي العبرة التي يجب أن نستخلصها من تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون الأخيرة، بخصوص منظومة الحكم في الجزائر؟ إذا لم يحترمك غيرك، انظر في نفسك، فلعلك أنت السبب!».



ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.