النازحون السوريون يسابقون اللبنانيين على الهجرة

الأزمة في لبنان لم تشجعهم على العودة إلى بلادهم إنما على الفرار

صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
TT

النازحون السوريون يسابقون اللبنانيين على الهجرة

صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان

خلال تنقلها من منزل إلى آخر للعمل على التنظيف بشكل أسبوعي، تحاول صباح (44 عاما) التقاط أنفاسها لتجري اتصالا سريعا أو ترسل رسالة صوتية للاطمئنان على أولادها وأحفادها الذين يسكنون معها في إحدى الغرف في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت.
صباح التي هربت وعائلتها من مدينة حلب قبل ٩ سنوات إلى لبنان، باتت لهجتها أقرب للبنانية منها للحلبية. فاحتكاكها بشكل يومي مع عدد كبير من اللبنانيين جعلها تتقن مصطلحات لبنانية صرفاً، هي التي نقلت الكثير من العادات الحلبية لجيرانها والعائلات التي تعمل لديها، فبات الكثيرون يتمنون عليها إعداد طبخات حلبية بشكل يومي بعد الانتهاء من الأعمال المنزلية.
السيدة الأربعينية التي اعتنت بعائلتها وحيدة منذ وصولها إلى لبنان بعد أن تركهم زوجها، باتت تتقاضى اليوم عن كل ساعة عمل 30 ألف ليرة لبنانية (ما يعادل 1.7 دولار في السوق) بعدما كانت تتقاضى 7 آلاف ليرة (ما كان يعادل قبل الأزمة 4.6 دولار). هي تشكو الغلاء الفاحش وعدم القدرة على تأمين مصروفها وعائلتها اليومي بعدما ارتفعت تكلفة التنقل بشكل كبير وبلغت الفواتير 4 أضعاف ما كانت عليه قبل عامين. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هربنا من الحرب الدموية في سوريا لنواجه حربا جديدة ومن نوع آخر هنا في لبنان. حرب اقتصادية نفتقد خلالها لكثير من مقومات العيش وبخاصة الدواء... كل الظروف هنا ظروف حرب وكأن هناك لعنة تطاردنا أينما ذهبنا».
ولعل ما يخفف من آلامها اليومية نتيجة العمل المضني الذي تقوم به هو إبلاغها منذ أشهر معدودة أنه تمت الموافقة على طلب الهجرة الذي تقدمت به قبل خمس سنوات. لكن لسوء حظها فهي مضطرة لانتظار فتح أستراليا أبوابها مجددا للمهاجرين باعتبار أن ملفها رسا هناك. وتقول: «هجرة السوريين إلى بلد ثالث نشطت كثيراً في الفترة الماضية وبخاصة في الأشهر الـ3 الماضية. وغادر كثيرون ممن أعرفهم. أما الدول التي يتوجهون إليها فهي بشكل أساسي السويد وألمانيا والنرويج وفرنسا وكندا وبلجيكا». وتضيف: «رغم كل الصعوبات التي نعيشها هنا، فالوضع رغم حراجته يبقى أسهل مما هو عليه في سوريا. بالنسبة لي ولقسم كبير من السوريين الذين يعيشون في لبنان لا مستقبل لنا هنا وبالتأكيد لا مستقبل لنا في سوريا، حيث لا تتوفر مقومات العيش. مستقبلنا في البلدان الغربية التي تفتح أبوابها لاستقبالنا».
- إعادة التوطين ناشطة!
وتشير ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في لبنان إلى أنه «رغم التحديات التشغيلية التي طرحتها جائحة (كورونا)، فقد حافظت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان على أنشطة معالجة إعادة التوطين طوال عامي 2020 و2021 من خلال إجراء المقابلات مع الراغبين بالانتقال إلى بلد ثالث عن بُعد، فضلاً عن المقابلات الشخصية كلما سمح الوضع بذلك».
وتوضح أبو خالد لـ«الشرق الأوسط» أن أكثر من 8100 لاجئ تقدموا بطلبات لإعادة التوطين في عام 2020، غادر منهم 4600 لاجئ إلى بلدان إعادة التوطين المختلفة. وفي نهاية يوليو (تموز) الماضي تم التقدم بأكثر من 3400 طلب وغادر أكثر من 2000 لاجئ لبنان لبلدان إعادة التوطين.
وبحسب المشرف العام على خطة لبنان للاستجابة للأزمة عاصم أبي علي، فإن الأزمة اللبنانية تركت تداعيات كبيرة على النازحين السوريين وأغلبيتهم الساحقة من الفقراء فيما يرزح 90 في المائة منهم تحت خط الفقر المدقع، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ازدياد نسبة طالبي الهجرة منهم إلى بلدان ثالثة كألمانيا وكندا وأستراليا، مضيفا: «عدد هائل من النازحين في مكاتب المفوضية يقدمون طلبات هجرة مع زيادة الفقر والتنافس على سوق العمل والموارد المحدودة... كل ذلك يؤدي لاحتقان بين السوريين كما بين السوريين واللبنانيين وبين اللبنانيين، ما يعني أن كل عناصر الانفجار الاجتماعي موجودة ووحدها الشرارة غير موجودة، علما بأننا نعتبر أن كل شيء جائز في حال استمر الوضع دون معالجة».
ويقدر عدد اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان بنحو 1.5 مليون لاجئ، بما في ذلك اللاجئون غير المسجلين لدى المفوضية. إذ يبلغ عدد المسجلين حتى نهاية مايو (أيار) 851717 لاجئا موجودين حاليا في لبنان.
- النازحون: نريد المساعدات بالدولار!
ويشكو النازحون السوريون من أن المفوضية لم تقم بأي شيء للتخفيف من تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي يرزح تحتها لبنان. وتقول فاطمة (33 عاما) النازحة من الرقة والمقيمة في منطقة البقاع شرق لبنان لـ«الشرق الأوسط» إنه «في وقت تصرف الدول المانحة الأموال بالدولار الأميركي، تصر المفوضية على إعطائنا المساعدات بالليرة اللبنانية. وبعد أن كنا نحصل على مبلع 27 دولارا شهريا للفرد بتنا نحصل على 100 ألف ليرة لبنانية ما يعادل 5 دولارات فقط!».
ويؤكد عاصم أبي علي أن حجم المساعدات للنازحين ازداد بعد موافقة الدولة اللبنانية على اعتماد سعر صرف قريب لسعر السوق، موضحا أنه «منذ اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان باتت المساعدات توزع بالليرة اللبنانية حصرا رغم المطالبات الكثيرة من الجهات المانحة بوجوب أن توزع بالدولار كي لا تفقد قيمتها... لكن وزارة الشؤون طالبت بأن تعطى المساعدات أولا للبنانيين بالدولار قبل أي قرار بإعطاء السوريين بعملة غير العملة اللبنانية مراعاة لحساسية النزاع والتوازن بالاستجابة للحالات الإنسانية لتفادي الجنوح للعنف والكراهية بين المجتمعين النازح والمضيف».
وتتحدث ليزا أبو خالد عن «خيارات صعبة يتخذها النازحون للبقاء على قيد الحياة، بما في ذلك تخطي وجبات الطعام، عدم التماس العلاج الطبي العاجل وإرسال الأطفال إلى العمل». وتشير إلى أنه «من خلال التمويل المتاح حالياً للمساعدات الإنسانية، تستطيع المفوضية الوصول إلى 57 في المائة (اعتباراً من يوليو 2021) أي 171100 أسرة لاجئة سورية بمساعدة نقدية شهرية بقيمة 400 ألف ليرة لبنانية لكل أسرة. وتضيف: «إجمالاً، جنباً إلى جنب مع برامج المساعدات النقدية والغذائية الشهرية لبرنامج الأغذية العالمي، يمكن للمفوضية وبرنامج الأغذية الوصول إلى 80 في المائة (اعتباراً من يوليو 2021) من إجمالي عدد اللاجئين السوريين في لبنان من خلال المساعدات النقدية والغذائية الشهرية».
وتوضح أنه «تم اتخاذ قرار تزويد العائلات اللاجئة بمبلغ 400 ألف ليرة لبنانية بالتشاور مع السلطات اللبنانية وبرنامج الأغذية العالمي لضمان التوافق مع برامج المساعدة الاجتماعية للأسر اللبنانية الفقيرة، مع مراعاة حساسية النزاع».
وكما مع قسم كبير من اللبنانيين تدفع المعاناة بالنازحين لاتخاذ قرارات صعبة نتيجة الوضع المأساوي الذي يرزحون تحته. إذ حاولت نازحة سورية (26 عاماً) مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الحالي إحراق نفسها أمام مركز الأمم المتحدة للاجئين في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعدما سكبت مادة البنزين على جسدها. وروى شهود عيان أنه إثر تبلغ الشابة التي تعاني وعائلتها من أوضاع اقتصادية صعبة جدا، أن طلبها للهجرة لا يزال عالقاً، قامت بمحاولة إحراق نفسها.
- لا عودة إلى سوريا
ولم تعد العودة إلى سوريا خيارا لمعظم النازحين السوريين في لبنان رغم تأكيد مفوضية اللاجئين مرارا أن النسبة الأكبر منهم تعرب عن نيتها العودة إذا توفرت ظروف العيش الكريم.
وبحسب ليزا أبو خالد فقد عاد منذ عام 2016 ما يزيد قليلاً على 69 ألف لاجئ سوري إلى سوريا. وفي العام 2021 وحتى نهاية أغسطس (آب)، تحققت المفوضية من عودة 2255 لاجئاً سورياً إلى سوريا. وأكملت المفوضية أحدث مسح لنوايا العودة في مارس (آذار) 2021 أظهر أن معظم اللاجئين السوريين ما زالوا يأملون في العودة إلى سوريا، إلا أن اتخاذ قرارهم يعتمد على تقييم مجموعة متنوعة من العوامل أبرزها السلامة والأمن، السكن، الوصول إلى الخدمات الأساسية وسبل العيش في سوريا.
ويؤكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل دراماتيكي في لبنان فإنه لم تسجل عودة للاجئين إلى الأراضي السورية وكل محاولات الدفع في هذا الاتجاه باءت بالفشل»، كاشفا أن «أشخاصا من سوريا ما زالوا يفرون إلى لبنان وهم يدفعون بين ألف وألفي دولار أميركي لعبور الحدود اللبنانية للانطلاق إلى أوروبا».
وبعد أعوام من الخلاف السياسي بين القوى اللبنانية حول وضع خطة لإعادة النازحين السوريين أقر مجلس الوزراء عام 2020 «ورقة السياسة العامة لعودة النازحين»، وهي أشبه بخطة لإطلاق عملية جماعية لإعادتهم تم حصرها بوزارة الشؤون الاجتماعية بعدما تم تسجيل عمليات لإعادة النازحين رعاها أكثر من طرف في السنوات الماضية ولم تحقق عودة إلا بضعة مئات منهم.
وترتكز خطة الحكومة على 8 مبادئ ومعطيات ميدانية أساسية أبرزها، التمسك بحق النازح السوري بالعودة ورفض التوطين وأي شكلٍ من أشكال الإدماج أو الاندماج في المجتمع اللبناني وفق ما نص عليه الدستور اللبناني، عدم الإعادة القسرية وعدم ربط عودة النازحين بالعملية السياسية في سوريا. كما تؤكد الخطة ترحيب الدولة السورية بعودة كافة السوريين واستعدادها لبذل ما يلزم من جهود لتبسيط وتسهيل إجراءات هذه العودة من خلال ترميم آلاف المدارس والعمل على إعادة المؤسسات والخدمات وتأهيل البنى التحتية وتأمين متطلبات مواطنيها كما إحداث مراكز إيواء مؤقتة وتقديم مستلزمات العيش الكريم.
- إحصاء النازحين معلق؟
ومنذ ذلك الحين لم يتم تفعيل هذه الخطة أو وضع آلية عمل لها. وتقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إن العملية مرتبطة بعملية إحصاء النازحين التي تم توكيل وزارة الداخلية بإجرائها لتحديد من أين نزحوا لتفعيل مبدأ العودة الطوعية. ولا يبدو أن الداخلية انطلقت بعد بهذه العملية. وليس لدى الدولة اللبنانية منذ 10 سنوات أي إحصاء للنازحين والأماكن التي نزحوا منها وإليها، وحدها المفوضية تمتلك داتا لـ940 ألف نازح تقريبا علما بأن هذا ليس العدد الإجمالي للذين يعيشون في لبنان. وبعد الانتهاء من هذا الإحصاء يفترض على كل نازح سوري على الأراضي اللبنانية أن يحصل على بطاقة تعريف، باعتبار أنه وبحسب إحصاءات المفوضية يمتلك فقط 20 في المائة من النازحين أوراقا نظامية في لبنان، في وقت يمكن الحديث عن 73 في المائة من ولادات النازحين غير المسجلة.
ويهزأ عماد النازح من درعا من ربط العودة بإحصاء مماثل، ويتساءل ماذا سيقدم هذا الإحصاء؟ هل سيعيد إعمار منازلنا المهدمة؟ هل سيؤمن لنا ظروفا لائقة للعيش والعمل ومدارس لتعليم أولادنا؟ ويقول عماد لـ«الشرق الأوسط»: «العودة إلى سوريا لن تحصل والكل يدرك ذلك ويرفض الإقرار به، لذلك تم مؤخرا تفعيل عملية نقل النازحين إلى بلدان جديدة... من ستسنح له الفرصة سيغادر فورا أما البقية فستبقى في لبنان رغم التحديات الكبيرة التي نواجهها على المستويات كافة».
ويشكل الخوف من تعرض قوات النظام السوري بالأذى خاصة لمن كانوا يؤيدون المعارضة، عنصرا أساسيا يحول دون عودة عشرات الآلاف رغم تأكيدات النظام المتكررة ومقربين منه أنه لا يتم التعرض لأحد.
ووثقت منظمة العفو الدولية مطلع شهر سبتمبر الحالي في تقرير بعنوان «أنت ذاهب إلى الموت» وفاة خمسة أشخاص خلال احتجازهم، و14 حالة عنف جنسي ارتكبتها قوات الأمن، ضمنها سبع حالات اغتصاب لخمس نساء ومراهق وطفلة في الخامسة من عمرها. ونددت منظمة العفو الدولية الثلاثاء بتعرض العشرات من اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا لأشكال عدة من الانتهاكات على أيدي قوات الأمن، بينها الاعتقال التعسفي والتعذيب وحتى الاغتصاب. ويستند التقرير إلى مقابلات مع 41 امرأة ورجلا سوريا، بمن فيهم العائدون والأقارب. وناشدت المنظمة الدول الغربية التي تستضيف لاجئين سوريين ألا تفرض عليهم العودة «القسرية» إلى بلدهم، منبهة إلى أن سوريا ليست مكاناً آمناً لترحيل اللاجئين إليها.



الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وسَّعت الحكومة اليمنية تحركها السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، مستهدفة حشد مواقف عربية وإسلامية ودولية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع إقرار مشروع قانون لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من جبهات القتال إلى مسارات سياسية وقانونية أوسع.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، يمثلان هدفاً مركزياً للمرحلة الحالية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية والمطارات، وتهدد أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.

وفي تحرك دبلوماسي متزامن، أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، اتصالات مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لبحث التطورات العسكرية والإنسانية، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وجاءت الاتصالات الثلاثة لتضع أمن اليمن والمنطقة في صدارة المشاورات، مع تركيز الحكومة على ما تصفه بالتهديدات الحوثية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، والدعوة إلى تنسيق دولي وعربي وإسلامي يتجاوز الإدانات إلى إجراءات عملية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وأكدت أفراح الزوبة، خلال اتصالها بالمسؤول الأميركي، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، وأن تضمن حصرية السلاح واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلام، بما يمنع إخضاع مستقبل اليمن لإرادة جماعة مسلحة.

تنفيذ القرارات الدولية

ودعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمها القرار 2216، وتعزيز التدابير الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منطلقاً لتهديد دول المنطقة والممرات البحرية.

كما شددت على ضرورة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوطها الحيوية؛ خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرة إلى ما وصفته بالانتصارات التي حققها الجيش والقوات المساندة له في دحر الحوثيين من المنطقة.

الحوثيون يدفعون بحشودهم المسلحة لتشديد الحصار على مدينة تعز (أ.ف.ب)

من جانبه، جدد القائم بالأعمال الأميركي موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ومساندتها الحكومة اليمنية، وأدان الممارسات الحوثية بحق المدنيين، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق لحماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اتصالاتها مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دفعت الوزيرة أفراح الزوبة باتجاه توحيد المواقف العربية والإسلامية إزاء الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والمنشآت الحيوية، معتبرة أن تداعياتها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتمس الأمن الإقليمي ومصالح شعوب المنطقة.

ودعت إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، في حين أكد فهمي أن التحديات الراهنة تهدد الأمن القومي العربي، وأبدى استعداده لمواصلة التشاور بشأن التحركات المطلوبة. كما أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استمرار التنسيق مع اليمن إزاء التطورات الراهنة.

«حكومة معركة»

على المسار الداخلي، اتخذ مجلس الوزراء اليمني، برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، خطوات قال إنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة، وتوفير متطلبات استمرار العمليات العسكرية وحماية السكان والمنشآت.

وأشاد المجلس بتقدُّم «ألوية العمالقة» الجنوبية وقوات «درع الوطن» والمقاومة الشعبية، بإسناد من «تحالف دعم الشرعية»؛ مشيراً إلى تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تحولاً استراتيجياً في أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شأنه تقليص قدرة الحوثيين على استخدام تهديد الملاحة الدولية ورقة ضغط.

وقال الزنداني إن ضربات «فجر اليمن» والخسائر التي تكبدها الحوثيون في باب المندب، دفعت الجماعة إلى نقل المعركة نحو المدنيين والمنشآت المدنية. وشدد على أن الحكومة لا تتعامل مع المرحلة بوصفها حالة دفاعية مؤقتة؛ بل بوصفها معركة لاستعادة سلطة الدولة.

حشد من الحوثيين في صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (أ.ف.ب)

ووجَّه رئيس الوزراء أجهزة السلطة التنفيذية بالخروج من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ورفع الجاهزية، وتوفير احتياجات القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمن والمقاومة الشعبية، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات وحماية السكان.

ووافق المجلس على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، ووجّه باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للمصادقة عليه.

كما استمع المجلس إلى إحاطة من وزير الدفاع بشأن المستجدات الميدانية والاحتياجات اللازمة لمواصلة العمليات، مؤكداً دعمه للعملية وتسخير إمكانات الدولة لإسنادها، ومشدداً على استمرارها حتى استكمال أهدافها وتحرير ما تبقى من الأراضي، وصولاً إلى صنعاء.


أوضاع إنسانية متفاقمة للأسر النازحة جراء تصعيد الحوثيين

عدد المشردين جراء الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)
عدد المشردين جراء الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)
TT

أوضاع إنسانية متفاقمة للأسر النازحة جراء تصعيد الحوثيين

عدد المشردين جراء الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)
عدد المشردين جراء الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)

تواجه النساء والفتيات النازحات جراء التصعيد الحوثي الأخير في اليمن أوضاعاً إنسانية متفاقمة، مع نقص الغذاء والمأوى والملابس ومستلزمات النظافة الشخصية، وتراجع خدمات الحماية، في وقت تتزايد فيه احتياجات مئات الآلاف ممن اضطروا إلى الفرار من منازلهم بحثاً عن الأمان.

ومع تجاوز عدد النازحين 200 ألف شخص، وفق البيانات الواردة في التقارير الإنسانية، وجدت أسر كثيرة نفسها في مواقع إيواء أُنشئت على عجل، تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية. ووصلت عائلات من دون أموال أو ملابس كافية، بينما انفصل بعض أفرادها عن أقارب اضطروا إلى البقاء في مناطق تشهد قصفاً وانعداماً للأمن.

الحوثيون سلبوا الأسر اليمنية النازحة كل مقومات الحياة (إعلام محلي)

ولا تقتصر تداعيات النزوح على فقدان المنازل ومصادر العيش، بل تتضاعف بالنسبة إلى النساء والفتيات اللواتي يتحملن أعباء تأمين الطعام ورعاية الأطفال في ظروف تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الحد الأدنى من الخصوصية والأمان. كما تزيد محدودية خدمات الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له في المناطق المتضررة حديثاً من هشاشتهن.

وجبة واحدة

في أحد مواقع النزوح بمحافظة أبين (شرق عدن) تختصر قصة سميرة، البالغة من العمر 30 عاماً والحامل، جانباً من المعاناة اليومية التي تواجهها النساء النازحات. فالأم التي تعيش مع أسرتها المكونة من 18 شخصاً لا تملك سوى كمية قليلة من الأرز لإطعام الجميع.

وتقول: «هذا كل الطعام الذي لدينا اليوم لـ18 شخصاً. عندما ينتهي، لا أعرف ماذا سأطعم أطفالي».

وتروي أن أطفالها يطلبون الطعام باستمرار، بينما يعجز والدهم عن تلبية احتياجاتهم بسبب ضيق الحال، مما يضع الأسرة أمام خيارات قاسية في ظل غياب الغذاء الكافي.

وتضيف: «عندما لا يكون هناك ما يكفي من الطعام، آكل أقل أو أحياناً لا آكل حتى يتمكن أطفالي من الحصول على المزيد. أنا قلقة أيضاً على طفلي الذي لم يولد بعد. هناك أيام لا أستطيع فيها سوى تناول وجبة واحدة».

جهود حكومية يمنية لرعاية النازحين تصطدم بنقص الإمكانيات (إعلام محلي)

وتعكس شهادة سميرة العبء الإضافي الذي تتحمله الأمهات خلال النزوح، إذ يضطررن إلى تقليص حصصهن الغذائية لتوفير الطعام لأطفالهن، حتى عندما يكنّ في حاجة إلى تغذية كافية بسبب الحمل أو الرضاعة.

ولا تنتهي المعاناة عند الولادة؛ فرانيا، التي وضعت مولودها قبل 11 يوماً من توثيق شهادتها، تقول إنها لم تتمكن من الحصول على الغذاء المغذي اللازم لاستعادة صحتها وتلبية احتياجات طفلها حديث الولادة.

وتسلط الشهادتان الضوء على الاحتياجات الغذائية الخاصة للحوامل والأمهات المرضعات، اللواتي يواجهن صعوبة في توفير الغذاء لأنفسهن ولأطفالهن في ظل نقص المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة.

غياب الخصوصية والحماية

لا تتوقف آثار انعدام الأمن الغذائي عند الجوع وسوء التغذية، بل تمتد إلى زيادة الضغوط داخل الأسر وتعميق هشاشة النساء والفتيات في مواقع النزوح.

وبحسب المنظمات الإغاثية، يمكن أن يؤدي الضغط الناجم عن نقص الغذاء والموارد إلى تفاقم التوتر داخل الأسر، بما قد يزيد مخاطر العنف الأسري، في وقت تواجه فيه النساء والفتيات صعوبات في الوصول إلى خدمات الحماية والدعم المتخصص.

وإلى جانب نقص الغذاء، تعيش النساء النازحات في مآوٍ تفتقر إلى الخصوصية والأمان، ما يضاعف مخاوفهن اليومية، خصوصاً خلال الليل.

وتقول خديجة، البالغة من العمر 33 عاماً، والتي تقيم في أحد مواقع النزوح بمحافظة أبين، إن أسرتها لم تغادر منزلها بحثاً عن حياة أفضل، بل لأن البقاء فيه أصبح غير آمن.

وتعيش خديجة وأسرتها في مأوى مؤقت تتشاركه مع أسرة أخرى، حيث يتكدس عدد كبير من الأشخاص في مساحة ضيقة، من دون حواجز تفصل بين النساء والفتيات وبقية أفراد الأسر.

الحوثيون شردوا عشرات الآلاف من سكان ريف تعز وجنوب الحديدة (إعلام محلي)

وتوضح أن «هناك عدداً كبيراً جداً من الناس في مساحة صغيرة جداً، ولا توجد طريقة لتقسيم الخيمة أو إنشاء منطقة خاصة للنساء والفتيات».

وتزيد درجات الحرارة داخل الخيام من صعوبة الظروف المعيشية، إذ تضطر بعض الأسر إلى قضاء الليل في العراء، في ظل غياب المرافق الملائمة التي توفر الحماية والخصوصية.

وتقول خديجة: «أخشى النوم في الخارج. تبقى النساء والفتيات معاً، بينما يبقى الرجال بالقرب منا لحمايتنا. ولكن حتى مع وجودهم، لا أشعر بالأمان. أشعر بقلق دائم من أنه إذا نمت نوماً عميقاً، فقد ينكشف جسدي».

وتضيف أنها لا تزال ترتدي الملابس نفسها التي غادرت بها منزلها، في صورة تعكس حجم النقص في الاحتياجات الأساسية التي تواجهها الأسر النازحة.

وتختصر خديجة معاناتها بالقول: «لم نختر هذه الحياة. نريد فقط مكاناً آمناً للنوم، وبعض الخصوصية، والأشياء الأساسية التي تسمح لنا بالعيش بكرامة».


تعز تستنجد بتحرك دولي لكسر حصار الحوثيين

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام محلي)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام محلي)
TT

تعز تستنجد بتحرك دولي لكسر حصار الحوثيين

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام محلي)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

أطلق محافظ تعز اليمنية نبيل شمسان نداءً وطنياً وإنسانياً عاجلاً للتحرك محلياً ودولياً لكسر الحصار المفروض على المحافظة منذ 12 عاماً، محذراً من تفاقم الأوضاع المعيشية جرَّاء شح الغذاء والدواء والوقود، في وقت بدأت فيه السلطات المحلية إجراءات طارئة لضبط الأسواق وتأمين الإمدادات الأساسية.

ودعا شمسان الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية لوقف الهجمات الحوثية على المدنيين، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وضمان وصول المساعدات ونقل الحالات الطبية الحرجة، مطالباً المجتمع الدولي والإقليمي ومجلس الأمن والمنظمات الإنسانية والحقوقية بالتحرك العاجل لإنهاء معاناة السكان.

وقال المحافظ، في نداء ألقاه أمام وسائل الإعلام، إن التصعيد العسكري فاقم التداعيات الإنسانية للحصار المستمر منذ سنوات؛ مشيراً إلى أن السكان يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، في ظل ما وصفه بتصاعد الاعتداءات الحوثية ومحاولات إخضاع المحافظة.

وأضاف أن تعز دفعت أثماناً باهظة جرَّاء القصف والقنص والألغام والنزوح والحصار، محذراً من أن الأزمة باتت تطول الغذاء والدواء والوقود، بما يهدد حياة السكان ومعيشتهم.

محافظ تعز يستنجد بالعالم لإنقاذ المدينة المحاصرة (إعلام حكومي)

وطالب شمسان قيادة الدولة والحكومة باتخاذ تدابير استثنائية لإسناد المحافظة، وتأمين احتياجاتها الضرورية، ودعم المستشفيات والمرافق الحيوية، كما دعا السلطات المحلية في المحافظات الأخرى ورجال الأعمال والغرف التجارية ومنظمات المجتمع المدني إلى إطلاق حملة تضامن وطنية، وتسيير قوافل إغاثية عاجلة.

وأكد المحافظ أن تعز لا تحتاج إلى مزيد من بيانات القلق؛ بل إلى مواقف عملية تسهم في إنقاذ السكان وفتح الطرق والمنافذ، مجدداً التزام السلطة المحلية بالعمل مع مؤسسات الدولة لتأمين الاحتياجات الأساسية وتعزيز التماسك المجتمعي.

ودعا أبناء المحافظة بمختلف مكوناتهم السياسية والاجتماعية والشبابية والنسائية إلى تنظيم مسيرات سلمية للتضامن مع ضحايا الحصار، والتعبير عن تمسكهم بحقهم في الحياة والأمن والحرية والكرامة، وحشد الجهود لإنهاء معاناتهم.

ضبط الأسواق وتأمين الإمدادات

في موازاة النداء، عقدت لجنة الطوارئ في تعز اجتماعاً موسعاً برئاسة شمسان، لمناقشة التداعيات الإنسانية والمعيشية للحصار، والصعوبات التي تواجه تدفق السلع الأساسية والمشتقات النفطية والغاز المنزلي إلى المدينة.

وشدد المحافظ، خلال الاجتماع الذي ضم مسؤولين في السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية والمديريات، على ضرورة متابعة الوضع التمويني، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرار الإمدادات وتخفيف الأعباء عن المواطنين، مع إلزام التجار والوكلاء بالأسعار الرسمية وتكثيف الرقابة الميدانية على الأسواق.

نقص واسع في الوقود والأدوية تواجهه مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وأشاد بجهود «مجموعة هائل سعيد أنعم» في إدخال المواد الغذائية إلى المدينة، في خطوة قال إنها تسهم في تعزيز الإمدادات والتخفيف من معاناة السكان.

من جانبه، استعرض وكيل المحافظة رشاد الأكحلي التحديات التموينية؛ مشيراً إلى شح بعض السلع والصعوبات المستمرة في إيصال المشتقات النفطية والغاز، والإجراءات المتخذة لمعالجة الاختلالات وضمان انتظام الإمدادات والخدمات الأساسية.

كما عرض مدير مكتب التخطيط والتعاون الدولي نبيل جامل نتائج أعمال لجنة الطوارئ، مؤكداً أهمية تعزيز الرقابة على الأسواق ومنع استغلال الظروف الاستثنائية، وضبط الأسعار بما يحمي المواطنين من الأعباء الإضافية.

نحو مليونين ونصف مليون يمني تحت حصار الحوثيين في مدينة تعز (أ.ب)

وأكدت السلطة المحلية ولجنة الطوارئ مواصلة التنسيق مع الجهات المعنية والقطاع الخاص لتأمين الإمدادات الضرورية، والحد من تفاقم الأزمة المعيشية، في وقت تزداد فيه الدعوات إلى تحرك وطني ودولي يفضي إلى رفع الحصار، وتحسين وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى المدينة.

وتواجه تعز، التي ظلت إحدى أبرز جبهات الحرب اليمنية، تداعيات سنوات من الحصار والقتال، بينما تضع التطورات الأخيرة الاحتياجات الإنسانية ومعضلة الوصول إلى الغذاء والوقود والخدمات الطبية في صدارة المخاوف بشأن الأوضاع المعيشية للسكان.