محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

الأكاديمي المغربي يرى أن قرب بلاده من أوروبا لعب دوراً في تفوقها بالعلوم الإنسانية

محمد مشبال
محمد مشبال
TT

محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

محمد مشبال
محمد مشبال

يستند الناقد الأكاديمي المغربي محمد مشبال في دراساته النقدية إلى تراث البلاغة العربية وتجلياتها في أعمال المبدعين الأول الرواد أمثال الجاحظ وابن جني، ويفسر انجذابه لها بالتقائها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي؛ مضيفا إلى ذلك دافعا آخر هو أن «تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب». ويتركز مشروعه على تفكيك البلاغة العربية القديمة وإعادة تركيبها في سياق معاصر. ومن أبرز مؤلفات مشبال «أسرار النقد الأدبي»، و«مقولات بلاغية في تحليل الشعر»، و«البلاغة والخطاب»، و«خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ». حصل مشبال على عدد من الجوائز الأدبية المهمة منها جائزتا «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»... هنا حوار معه حول مؤلفاته ومشروعه النقدي.
* من أول مؤلفاتك «مقولات بلاغية في تحليل الشعر» (1993) حتى كتابك «محاضرات في البلاغة الجديدة» (2021)؛ لماذا تبدو «البلاغة» قاسما مشتركا يتقاطع مع الشعر والرواية والسياسة؟ هل تحولت البلاغة إلى نافذة تطل منها على العالم؟
- تتمثل قيمة البحث العلمي بشكل عام فيما يضيفه الباحثون إلى الحقل الذي يشتغلون فيه، وفي الأسئلة الجديدة التي يثيرونها ويسعون إلى الإجابة عنها. ولقد كان الباحثون المعاصرون في العالم العربي ينظرون إلى البلاغة باعتبارها علما معياريا لا يمتلك سوى قيمة تاريخية ولم يعد قادرا على مواكبة ما يتجدد في الآداب من أساليب ووسائل تعبير جديدة. هذه النظرة التي كان وراءها منظرون غربيون أطلقوا أحكامهم في سياق بحثهم عن بلاغة جديدة أو في سياق انتصارهم لمناهج نقدية جديدة، لم تكن خاطئة كل الخطأ، ولكنها كانت قاسية على البلاغة إذ ألحقت ضررا بالبحث البلاغي العربي؛ فإذا استثنينا التيار التقليدي في البحث البلاغي الذي ظل يسير في طريقه المعتاد غير آبه بما يجري حوله، فإن الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة ابتعادا كليا، ولم تكلف نفسها إعادة النظر في الأحكام الجاهزة التي تلقفتها عن البلاغة من هنا أو هناك. في خضم هذه النظرة الحالكة واليائسة للبلاغة، كتبت كتابي الأول «مقولات بلاغية في تحليل الشعر»؛ وكان كتابا مؤسسا يرسم معالم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه البحث البلاغي في ثقافتنا الحديثة، رغم أنني لم أكن أشتغل في سياق ثقافي يساند التصور الذي أسعى إلى تطويره؛ فقد كان سياقا مفتونا بالمناهج النقدية الحديثة التي توالى ظهورها في العالم العربي، ولم يكن ممكنا أن تجد البلاغة موقعا لها في واقع نقدي متعطش لا يريد أن يلتفت إلى الوراء. وكانت لفظة «البلاغة» تختزن كل هذا البغض الذي يكنه المحدثون لما هو قديم وتقليدي. رغم هذا الواقع غير المحفز، أغرتني البلاغة لما كنت ألاحظه من وجوه التلاقي بينها وبين المقاربات النقدية الحديثة التي كانت مهتمة بما هو نصي وشكلي في الأعمال الأدبية، دون أن ألتفت إلى ما كانت تفتقر إليه معظم مؤلفات البلاغة –وخاصة المتأخرة - من أساس نظري كما كان الحال عليه في البدايات مع الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني.
* إذن أين يكمن بالضبط سر انجذابك للبلاغة؟
- يمكنك القول إن أحد الدوافع التي تفسر انجذابي نحو البلاغة هو التقاؤها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي، والدافع الآخر هو رغبة دفينة في أن تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب - بحقل أصيل متجذر في التراث. والدافع الثالث هو اقتناعي بأن التقنيات البلاغية التي رصدها القدماء في الآداب القديمة شعرا ونثرا ما زالت تستعمل من لدن الشعراء والكتاب المعاصرين، ولا يمكن أن تختفي رغم ظهور تقنيات جديدة أفرزتها الأنواع والمنازع الجمالية الجديدة.
وينبغي التنبيه إلى أمر مهم في هذا السياق؛ فبلاغة النصوص لا ينبغي حصرها في التقنيات التي ضبطها علماء البلاغة قديما؛ ما دامت البلاغة تعني من بين ما تعنيه صنعة الكلام سواء أريد بها إحداث المتعة «التخييل» أو إيقاع التصديق «الحجاج»، من المحاججة بفتح الحاء، وهذه الصنعة غير محدودة. ومن ثم كان على الحقل البلاغي أن يوسع من دائرة التقنيات التي ضبطها وحددها، ليصبح حقلا منفتحا على النصوص بدل انغلاقه على تقنيات محددة سلفا.
* هل ثمة بلاغة قديمة وأخرى جديدة؟
- لما كانت البلاغة تعني صنعة الكلام وكانت صنعة الكلام غير محدودة فإن ما يسمى بالبلاغة باعتبارها حقلا علميا يدرس هذه الصنعة، لا يمكن حصره في المنجز البلاغي القديم، فقد رأينا كيف وسع البلاغيون المعاصرون دائرة التقنيات الحجاجية القديمة، وكيف سمحت الصنعات السردية الحديثة بالكشف عن تقنيات بلاغية جديدة. ولا يهم أن هذه التقنيات اكتشفت في حقول أخرى غير البلاغة.
هذا التصور سمح لي بتوسيع مجالات التحليل البلاغي خارج دائرتي الشعر والقرآن اللتين حصر فيهما قديما؛ فإذا كانت البلاغة هي النافذة التي أطل منها على عالم الخطابات، فإن هذه النافذة لم تعد كوة صغيرة كما تصورتها القراءات المتعاقبة للبلاغة، بل نافذة مشرعة ومنفتحة على حقول أخرى.
* لكن ألا ترى أن اهتمامك الشديد بالتنظير جاء على حساب النقد التطبيقي حيث يأخذ عليك كثير من المبدعين عدم الالتفات إلى مؤلفاتهم؟
- يجب أولا التمييز بين وظيفة «البلاغي» من جهة وبين الناقد الأدبي من جهة ثانية؛ فالبلاغي دارس للخطاب يشتغل بالتنظير في المقام الأول ثم يطبق على سبيل تدعيم تصوراته ومفاهيمه، وقد يتحول إلى ناقد أدبي إذا حول ممارسته إلى نقد النصوص الأدبية مبينا أسرارها الجمالية. لست ناقدا أدبيا بهذا المعنى، لأن ذلك يتطلب تفرغا لقراءة الأعمال الأدبية ونشرها في الصحافة، لكن يمكن القول إنني بلاغي ودارس أدبي يحلل النصوص الأدبية والتداولية في ضوء المفاهيم النظرية. وبناء عليه فإن مؤلفاتي مزيج من التنظير والنقد التطبيقي؛ فكتابي «مقولات بلاغية» المشار إليه سابقا لا يخلو من تحليل لنصوص شعرية قديمة وحديثة، وكتبي عن نثر الجاحظ «بلاغة النادرة» و«البلاغة والسرد» و«خطاب الأخلاق والهوية» تطبيقية، وكتابي «في بلاغة الحجاج» يضم تحليلات بلاغية لنصوص مختلفة، وكذلك نجد في كتاب ««البلاغة والرواية» نقدا تطبيقيا للسرد التخييلي والمرجعي. فالحكم الوارد في السؤال على غياب النقد التطبيقي من مؤلفاتي غير دقيق.
* يحتل كتابك «الهوى المصري في خيال المغاربة» موقعا مميزا في سياق تجربتك؛ ترى ما هي أبرز ملامح صورة مصر في انعكاساتها المغربية؟
- الكتاب يرصد صورة مصر في خيال كتاب مغاربة عاشوا فترة من حياتهم في مصر أو عاشت مصر في وجدانهم من خلال تلقيهم للخطابات الأدبية والفنية والسياسية والدينية التي أنتجها المصريون منذ عصر النهضة حتى فترة الثمانينات؛ وهي الفترة التي بدأ فيها تأثير الثقافة المصرية في وجدان المغاربة يتضاءل وتخفت حدته، نتيجة التطور الذي بدأ يحصل في ثقافات البلدان العربية الأخرى ومنها الثقافة المغربية التي لم تعد هامشية تكتفي بالتلقي، بل باتت تفرض هويتها وتستقطب اهتمام الآخر سواء أكان عربيا أم أجنبيا. فصورة مصر في خيال المغاربة هي الصورة التي انطبعت في الوجدان نتيجة القيم الرفيعة التي رسختها الإبداعات المصرية في مختلف المجالات. وتكمن فاعلية هذه الصورة في أنها نجحت في خلق جاذبية نحو هذا البلد بغض النظر عن مطابقة هذه الصورة للواقع أو مجافاتها له.
* تتلمذت على يد الدكتور سيد البحراوي... ما الذي يتبقى من علاقتك بهذا الناقد المصري الراحل؟
- سيد البحراوي كان أستاذي بالمعنى الحقيقي، وكان صديقا فتح لي بيته الذي كنت أزوره فيه سواء لمناقشة بعض ما كنت أكتبه من مقالات في بداياتي الأولى في مجال النشر أو مناقشة رسالتي للماجستير أو حضور صالونه الثقافي الذي كان يقيمه مع زوجته المرحومة أمينة رشيد يستضيفان فيه شخصيات ثقافية متنوعة. بعد عودتي للمغرب انقطعت علاقتي بمصر لفترة طويلة ثم عاودني الحنين عندما شعرت برغبة جارفة للسفر إلى القاهرة والمشاركة في أجوائها العلمية التي كانت تستقطب مثقفي العالم العربي بأسره. في 2006 وجهت له باسم فرقة البلاغة واتحاد كتاب المغرب دعوة لزيارة تطوان في نشاطين ثقافيين أولهما إلقاء محاضرة في الكلية ومناقشة أعماله الإبداعية. ثانيا إلقاء محاضرة باعتباره ضيف شرف إحدى دورات عيد الكتاب. وابتداء من هذه السنة تجددت علاقتنا حتى رحيله رحمه الله.
* ما السر وراء التفوق المغربي في السنوات الأخيرة بمجال النقد والتنظير حتى إن قوائم الفائزين في الجوائز الكبرى لا تكاد تخلو من اسم مغربي؟
- استفادت الجامعة المغربية من جيل الرواد من الجامعيين المغاربة الذين تتلمذوا على أساتذة مرموقين درسوا بالمغرب سواء أكانوا وافدين من المشرق أم من أوروبا، كما استفادت من متابعة عديد من طلابها دراساتهم بفرنسا. وقد كان لقرب المغرب من أوروبا دور في هذا التفوق في مجال العلوم الإنسانية. فمعظم الباحثين المغاربة حريصون على مواكبة ما ينتج في الغرب في حقول علوم اللغة والخطاب والنقد. لذلك ثمة فرق بين الدراسات النقدية واللغوية في المغرب وتونس وبين غيرهما في البلاد العربية.
* ما الذي يعنيه لك فوزك بجائزتي «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»؟
- لقد ساعدتني هذه الجوائز في التعريف بتصوري ومشروعي على نطاق واسع، كما منحت لطلابي جرعات إضافية من التحفيز لمواصلة الطريق. والأهم من كل ذلك أن انحيازي إلى البلاغة في بدايات حياتي العلمية، لم يكن مجرد رد فعل عاطفي ضد سطوة المناهج الغربية، بل كان اختيارا علميا صائبا.
* كانت مفاجأة لي أنك تبدو منحازا لما يمكن تسميته «النقد الانطباعي» الذي يقدم قراءات ومراجعات للأعمال الإبداعية في الصحف ووسائل الإعلام ولا تبدو متحمسا للنقد الأكاديمي المنهجي المتخصص الذي يفترض أنك تنتمي إليه؟ لأن ما يطلق عليه «النقد الصحافي» متهم دوما بالتعجل والتبسيط الشديد حتى الإخلال بالمعنى بسبب مخاطبته القارئ غير المتخصص؟
- ما أعنيه هنا، أنني كنت أنتقد الممارسة النقدية التي يضطلع بها بعض «النقاد» الذين يفتقدون الموهبة والثقافة والخبرة التي تؤهلهم لمحاورة الأعمال الأدبية؛ فيكتفون بترديد المقولات النظرية على أعتاب هذه الأعمال التي تظل أبوابها موصدة في وجوههم. فالدراسات الأدبية لها مكانها في البحث العلمي والجامعي وهي تتوجه إلى متلق متخصص، وأما الممارسة النقدية الأدبية فهي جزء من الحياة الثقافية وتتوجه إلى القارئ العام. وهي ممارسة مبنية على خبرة وليست انطباعية. نقد الأعمال الأدبية ممارسة خاصة تقتضي كفاية وموهبة وخبرة جمالية عميقة ولأجل ذلك لم يعد هذا الناقد موجودا في حياتنا الثقافية، واستبدلناه من خلال ناقد مشوه؛ لا هو بالدارس المتخصص ولا هو بالناقد المثقف القادر على الإمساك بمكامن الجمال في العمل المنقود.
ما أتطلع إليه الآن هو تعميق مشروعي البلاغي بالرجوع إلى التراث الذي وضعت به أولى خطواتي على طريق البحث العلمي برسالة الماجستير عن «نظرية ابن جني في لغة الشعر» بإشراف المرحوم الناقد المصري القدير الدكتور عبد المنعم تليمة.



«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)
TT

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط) ليؤكد على مكانته بوصفه وجهة للثقافة العربية وعرساً للقراءة يختلط فيه الفكر بالإبداع بالأجواء الكرنفالية الاحتفالية التي يقبل عليها الجميع من الأعمار كافة.

واحتفت جوائز المعرض في دورته الأخيرة بأصوات جديدة تتسم بالموهبة والحيوية في مجالات مختلفة كالإبداع والنشر والنقد الأدبي، حيث فاز مدحت صفوت بجائزة «النقد الأدبي» عن كتابه «بلاغة الكود» مناصفة مع الدكتور صلاح السروي عن كتابه «مفهوم الرواية»، فيما ذهبت جائزة «العلوم الإنسانية - التراث والهوية» إلى الباحث حسن محمد الشافعي عن كتاب «الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي».

وفازت هناء متولي بجائزة «أفضل مجموعة قصصية» عن كتابها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، كما ذهبت جائزة «أفضل ديوان شعر عامية» إلى الشاعر سعيد شحاتة عن ديوانه «فريدة... جدارية أمي اللي باعت عفشها»، بينما فازت الكتابة الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية في فئة «الشباب» عن «ترنيمة عصفور أزرق»، فيما ذهبت جائزة «أفضل ناشر عربي» مناصفة بين مجموعة «بيت الحكمة للصناعة الثقافية» من مصر، ودار «أصالة» من لبنان.

التراث والترجمة

أما جائزة التراث، فجاءت مناصفة، حيث فاز بها كتاب «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» تحقيق الدكتور عاطف يمني، وكتاب «رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي»، تحقيق الدكتور حسام عبد الظاهر، وهما صادران عن دار الكتب والوثائق القومية.

وفي مجال الفنون بالتعاون مع أكاديمية الفنون المصرية، فاز كتاب «رحلة العائلة المقدسة» للمؤلف صلاح أحمد عبد الحليم، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذهبت جائزة الترجمة لكتاب «التاريخ الإجرامي للجنس البشري» للمترجم الدكتور رفعت السيد علي، الصادر عن المركز القومي للترجمة، وفي فرع كتاب الطفل المترجم فازت موسوعة «التسلسل الزمني لكل شيء: من الحيوانات المنقرضة إلى الحروب العالمية» للمترجمة زينب عاطف سيد، الصادرة عن دار نهضة مصر.

جوائز التميز للمرة الأولى

واستحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه وتم تقسيمها على عدة فئات شملت «أفضل جناح بيئي محلي» وذهبت إلى جناح حلايب وشلاتين، و«أفضل عرض فنون تشكيلية» وكانت من نصيب معرض الكاريكاتير «نجيب محفوظ بعيون العالم»، كما نالت الهيئة العامة لقصور الثقافة جائزة «أفضل جناح في تخفيض أسعار»، في حين فاز الكاتب والممثل خالد الصاوي بجائزة «أفضل حفل توقيع» لديواني «كلام مرسل» و«أجراس»، فضلاً عن رواية «أطلال»، أما الكاتب نبيل عبد الفتاح فحصد جائزة «أفضل ندوة لمحلل سياسي».

وقال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن جوائز التميز بمعرض القاهرة الدولي للكتاب تأتي ترجمة عملية لتوجهات الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز دور الثقافة بوصفها أداة رئيسية لبناء الوعي، وتنمية القدرات الإبداعية، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، مشيراً إلى أن المعرض أصبح منصة ثقافية شاملة تتجاوز عرض الكتب إلى دعم المبادرات النوعية والاحتفاء بالتجارب المتميزة في مختلف مجالات العمل الثقافي.

وذكر أن «هذا الحضور الكثيف الذي بلغ 6 ملايين و200 ألف زائر يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر»، مشيراً إلى أن هذه الأرقام القياسية تترجم العلاقة العميقة بين الشعب المصري والكتاب، وتؤكد أن القراءة والمعرفة تظلان في صدارة اهتمامات المواطنين رغم كل التحديات.

أيام الفاطمي المقتول

وأعلن الناقد محمد بدوي فوز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، حيث أوضح بدوي، خلال الإعلان عن الجائزة، أن الرواية الفائزة تميزت بطرح سردي عميق ورؤية فنية ناضجة، استطاعت أن توظف التاريخ والخيال في بناء روائي محكم، بما يعكس روح الجائزة وأهدافها في دعم الرواية العربية المعاصرة.

ووصل عدد الروايات المتقدمة لجائزة نجيب محفوظ إلى 108 روايات، وتشكلت لجنة التحكيم من النقاد محمد بدوي وحسين حمودة وخيري دومة والروائي محمد بدوي طه. وتأتي الجائزة بقيمة 500 ألف جنيه مصري بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تكريماً لإرث نجيب محفوظ الأدبي، وهي ممولة بالكامل من البنك الأهلي المصري.

ومن جانبه، علق نزار شكرون على فوزه قائلاً عبر صفحته بموقع «فيسبوك»: «فخور هذه الليلة بفوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تتويج له مذاق خاص على أرض مصر العزيزة، سعيد باقتران اسمي وعملي الروائي باسم الروائي الكبير نجيب محفوظ، هذه لحظة فارقة في حياتي الأدبية، أهدي هذا الفوز لزوجتي الحبيبة هدى وابني إياد ورائي».

وسبق أن احتفى عدد من الأدباء والنقاد المصريين برواية «أيام الفاطمي القتيل» ومنهم الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي علق على العمل قائلاً: «بطل الرواية هو الميت الذي يخرج من تابوته ليحكي لنا ما حدث، حتى نعرف هل مات مقتولاً في مصر، التي منها حُملت الجثة إلى مدينته البيضاء في تونس، أم كان موته عادياً. الأمر يتوسع ليشمل ما شاهده قبل موته، أو بعد دفنه وإخراج جثته لفحصها مرة أخرى. أي أن الرواية يكتبها الميت نفسه». الشعر... موعد للفرح

وازدانت أروقة المعرض بالشعر والشعراء الذين صنعوا حالة من البهجة عبر الأمسيات التي ضمت عشرات الشعراء من جميع الأجيال، فضلاً عن الندوات الفكرية التي تحدث فيها أصحاب التجارب الكبرى عن تفاصيل رحلتهم مع القصيدة، كما في اللقاء الشعري الذي أجراه الشاعر محمد الكفراوي مع الشاعر جمال القصاص.

استحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه

وأشار الكفراوي إلى أنه عبر مسيرته الشعرية التي تصل إلى 65 عاماً، أمتعنا فيها جمال القصاص بأشعاره وصوره وخياله الجامح الفوّاح، منذ بداياته في «خصام الوردة» عام 1984، ومن بعد ذلك «شمس الرخام» 1990، و«ما من غيمة تشعل البئر» عام 1995، وصولاً إلى مرحلة فارقة في «السحابة التي في المرأة» 1997، ثم «من أعلى بمحاذاة الموسيقى»، و«الإسكندرية... رباعية شعرية»، وحتى ديوانه الأخير «تجرحني بخفة وتعلو».

وقال الشاعر جمال القصاص رداً على سؤال العودة إلى البدايات وممارسته الشعر: «بداياتي مع الشعر جاءت عبر انشغالي في مرحلة مبكرة جداً بالكتابة، والرسم الذي كان موهبتي الأولى، بدأت أكتب الزجل وذلك دون اقتناع مني، كان ذلك انشغالاً بالسطح لا العمق، كانت بداياتي قراءاتي للشعر، وقد نسخت بخط يدي ديوان إيليا أبو ماضي، ومن بعده درست العَروض بنفسي، وفي سن السادسة عشرة نشرت أول قصيدة لي، ومن هنا جاءت محبتي للشعر».

وتابع القصاص: «كان الشعر بمثابة بحرٍ لي، وخاصة أن الوصول إلى الشاطئ هو وصول مراوغ، ولم يأتني الشعر مباشرة، أنا من بحثت عنه واكتشفت أن في داخلي شاعراً، فالشعر بالنسبة لي تمرين يومي على الفرح، هو لحظة فرح حقيقية لا تأتي من الخارج».

وأدار الناقد محمد سليم شوشة حواراً مفتوحاً مع الشاعر المغربي حسن نجمي الذي وصفه شوشة بأنه «من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي»، مشيراً إلى امتداد تجربته بين الشعر كجوهر للتجربة الإنسانية، والبعد النقدي، بالإضافة إلى حضوره في الرواية. وأوضح أن «الندوة تهدف إلى الحوار والتفتيش في سيرة وتجربة الشاعر التي تستدعي التراث العربي عامة والمغربي خاصة، وتسعى إلى إعادة تشكيل القصيدة بأشكال متعددة، ما يجعله صوتاً أصيلاً ومتميزاً».

وقال نجمي إن الإنسان لا يختار أقداره بل يعيشها قدر استطاعته، مشيراً إلى أنه «لا يوجد شاعر يقرر أن يكون شاعراً»، كما أن الطريق إلى الشعر صعب ولا يمكن تعلمه بسهولة أو اختياره، فضلاً عن أن الشاعر الحقيقي لا يمنح نفسه صفة الشاعر بسهولة، مستشهداً بتجربة محمود درويش الذي لم يكن يعلن عن نفسه شاعراً، ورأى أن الانتساب لهذه الصفة صعب جداً.


الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق
TT

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية. وقد أصدر حتى الآن عدة كتب لافتة. نذكر من بينها: «هل توجد فلسفة إسلامية؟»، ثم كتابه الضخم والمهم جداً عن ابن سينا بعنوان: «ابن سينا أو إسلام الأنوار». وهذا يعني أن إسلام الأنوار كان موجوداً في تاريخنا سابقاً وليس حديث العهد، وأن ابن سينا هو أحد كبار ممثليه، بالإضافة إلى بقية العباقرة والعظماء. ومؤخراً أصدر الدكتور عمر مرزوق كتاباً جديداً بعنوان: «المعتزلة: العقل والإيمان والحرية في أرض الإسلام».

ويرى هذا المفكر الجزائري المرموق أن المؤلفات الفلسفية العربية كانت محط اهتمام بحّاثة الغرب ومستشرقيه أكثر بكثير من بحّاثة الإسلام وشيوخه. وهذا ليس تناقضياً إلا في الظاهر فقط. فالواقع أن الاستشراق العلمي الأكاديمي هو الذي نشر مخطوطاتنا وحققها وأنقذها. وأكبر دليل على الانحطاط الذي نعيشه اليوم هو أننا بدلاً من أن نشكر الاستشراق الأكاديمي الرصين على هذه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا ولتراثنا، رحنا نشتمه ونصب جام غضبنا عليه. لماذا؟ يقول لنا عمر مرزوق في هذا الصدد ما فحواه: لا ريب في أنه يوجد غربيون كارهون لنا ولتراثنا، ولكنهم أقلية قليلة قياساً إلى كبار المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم. وبالتالي فلا ينبغي التعميم إطلاقاً. لا ينبغي أن ننكر أفضال علماء الاستشراق الكبار الذين لم يكتفوا بتحقيق مخطوطاتنا التراثية فقط، وإنما طبقوا عليها المنهج التاريخي - النقدي الحديث لأول مرة في التاريخ، فأضاءوها بشكل غير مسبوق. وإذا ما واصلنا الهجوم الغبي عليهم، فنحن سنكون الخاسر الأكبر وليس هم. هل يُعقل أن نكون أعداء للعلم فقط وأحباء للجهل؟

وفي هذا الصدد ينبغي الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحررت من ظلاميات العصور الوسطى وغياهبها وتكفيراتها. وهي الظلاميات والتكفيرات التي لا تزال تهيمن على جمهور المسلمين حتى الآن. ثم يردف الدكتور عمر مرزوق قائلاً: وحدها الحضارة الأوروبية الحديثة تؤمّن للمثقفين حرية البحث والنقد والتمحيص حتى في المجال العقائدي الديني الحساس جداً. وهذه الحرية تؤمّنها أيضاً للباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في جامعات الغرب. ومن دون هذه الحرية النقدية الأكاديمية لا إبداع فكري، ولا استكشافات خلّاقة. ولذلك فإن الباحثين العرب يبدعون في عواصم الغرب وليس في عواصم العرب. وهذا يعني أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم الإسلامي حتى إشعار آخر. ينبغي العلم أن المستشرقين الأكاديميين لا يرفضون الفلسفة ولا يكفّرونها، بل إنهم يحتفلون بها على عكس جهابذة الشيوخ في العالم العربي والإسلامي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الساحة الثقافية العربية والساحة الثقافية الفرنسية أو الأوروبية بشكل عام. ولهذا السبب ازدهرت الفلسفة في الغرب واضمحلت حتى ماتت في الشرق؛ وذلك لأنه من دون حرية فكرية لا فلسفة ولا عقل ولا حضارة ولا من يحزنون!

ثم ينبهنا الدكتور عمر مرزوق إلى الحقيقة التالية: وهي أن ثقافتنا التراثية التقليدية لا تهتم بالعلوم الإنسانية ولا بالفلسفة، بل تحتقرهما احتقاراً شديداً. ولماذا تهتم بهما إذا كانت تعتقد في قرارة نفسها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها؟ ولذلك تطغى علينا الجهالات القروسطية. انظروا إلى مدارسنا وجامعاتنا إلا ما رحم ربك. انظروا إلى برامج تعليمنا، وبخاصة فيما يتعلق بمادة التربية الدينية. شيء مخيف. انظروا إلى فضائياتنا وظلامياتنا. شيء مرعب. انظروا كيف يتحدثون عن الأديان الأخرى ويزدرونها. حياتنا كلها مليئة بتصورات تراثية تكرارية واجترارية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر، بل قل تؤخّر وتجمّد حركة التاريخ. إنها تعرقل تقدمنا وتطورنا؛ وذلك لأنها تصورات متكلسة ومتحنطة جداً. لقد أكل عليها الدهر وشرب. نحن في وادٍ والعالم المتقدم كله في وادٍ آخر. وعلى الرغم من وجود عباقرة عرب ومسلمين على مدار التاريخ، فإنهم كانوا منبوذين أو مشبوهين من قبل أساطين الأصوليين المهيمنين على عامة الشعب. الشارع دائماً لهم قديماً وحديثاً، بل كان عباقرتنا معتبرين بمثابة زنادقة خارجين على الملة والدين. لذلك لم تزدهر الفلسفة والعلوم العقلانية عندنا كما ازدهرت في أوروبا والغرب عموماً. فكبار الفلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم كانوا مكفّرين من قبل الأصوليين. كل أساطين الأصولية كانوا يكرهون الفلسفة ويحذرون منها ومن مخاطرها على العقيدة والدين. كلهم هاجموا الفلسفة واعتبروها ذات طابع وثني. لقد اعتبروها كعلم دخيل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كيف يمكن أن تزدهر حضارة عربية في مثل هذا الجو؟ وعندما نقول الفلسفة نقصد العقل لا النقل. النقل شبعنا منه. هل يمكن أن تزدهر حضارة ما من دون فكر عقلاني وعلم نوراني يشق غياهب الظلمات؟

ثم يستدرك عمر مرزوق هنا قائلاً: ولكن من الظلم أن نتهم شيوخ الإسلام وحدهم بمعاداة الفلسفة. فالواقع أن الأصوليين المسيحيين في أوروبا كانوا يفعلون ذات الشيء. وكانوا يرعبون العلماء والفلاسفة من أمثال غاليليو وديكارت وسبينوزا وعشرات الآخرين. كانت سيوف محاكم التفتيش مسلطة على رؤوس الجميع. ولكن الفرق بين العالم العربي وأوروبا هو أن محاكم التفتيش انتهت عندهم منذ زمن طويل، في حين أنها لا تزال مسلطة على رقابنا حتى الآن. لا يزال قمع الفلسفة (أي الفكر العقلاني الحر) متواصلاً منذ ألف سنة؛ أي منذ تكفيرها على يد الإمام الغزالي. وكذلك منذ اضطهاد الفقهاء المتشددين لابن رشد في قرطبة. هذا ناهيك بعبقري العباقرة ابن سينا الذي عاش مشرداً مرعوباً ملاحقاً من قبل فقهاء عصره الناقمين عليه والمكفّرين له، بل تعرض للسجن والإهانات، وربما مات مسموماً في نهاية المطاف وهو في عز الشباب: 57 سنة. هل اغتالوه؟ شبه مؤكد. ولا ننسَ مقتل السهروردي على يد صلاح الدين الأيوبي بعد أن وشى به شيوخ حلب المتشددون... إلخ. ولا ننسَ ولا ننسَ... لهذا السبب ماتت الفلسفة وانقرضت في أرض الإسلام، في حين أنها انتعشت كل الانتعاش في أوروبا، بل صعدت بشكل صاروخي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. ثم بعد كل ذلك يسألونك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عُرف السبب بطل العجب. ولكن الأنوار العربية قادمة لا ريب فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام!


«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.