محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

الأكاديمي المغربي يرى أن قرب بلاده من أوروبا لعب دوراً في تفوقها بالعلوم الإنسانية

محمد مشبال
محمد مشبال
TT

محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

محمد مشبال
محمد مشبال

يستند الناقد الأكاديمي المغربي محمد مشبال في دراساته النقدية إلى تراث البلاغة العربية وتجلياتها في أعمال المبدعين الأول الرواد أمثال الجاحظ وابن جني، ويفسر انجذابه لها بالتقائها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي؛ مضيفا إلى ذلك دافعا آخر هو أن «تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب». ويتركز مشروعه على تفكيك البلاغة العربية القديمة وإعادة تركيبها في سياق معاصر. ومن أبرز مؤلفات مشبال «أسرار النقد الأدبي»، و«مقولات بلاغية في تحليل الشعر»، و«البلاغة والخطاب»، و«خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ». حصل مشبال على عدد من الجوائز الأدبية المهمة منها جائزتا «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»... هنا حوار معه حول مؤلفاته ومشروعه النقدي.
* من أول مؤلفاتك «مقولات بلاغية في تحليل الشعر» (1993) حتى كتابك «محاضرات في البلاغة الجديدة» (2021)؛ لماذا تبدو «البلاغة» قاسما مشتركا يتقاطع مع الشعر والرواية والسياسة؟ هل تحولت البلاغة إلى نافذة تطل منها على العالم؟
- تتمثل قيمة البحث العلمي بشكل عام فيما يضيفه الباحثون إلى الحقل الذي يشتغلون فيه، وفي الأسئلة الجديدة التي يثيرونها ويسعون إلى الإجابة عنها. ولقد كان الباحثون المعاصرون في العالم العربي ينظرون إلى البلاغة باعتبارها علما معياريا لا يمتلك سوى قيمة تاريخية ولم يعد قادرا على مواكبة ما يتجدد في الآداب من أساليب ووسائل تعبير جديدة. هذه النظرة التي كان وراءها منظرون غربيون أطلقوا أحكامهم في سياق بحثهم عن بلاغة جديدة أو في سياق انتصارهم لمناهج نقدية جديدة، لم تكن خاطئة كل الخطأ، ولكنها كانت قاسية على البلاغة إذ ألحقت ضررا بالبحث البلاغي العربي؛ فإذا استثنينا التيار التقليدي في البحث البلاغي الذي ظل يسير في طريقه المعتاد غير آبه بما يجري حوله، فإن الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة ابتعادا كليا، ولم تكلف نفسها إعادة النظر في الأحكام الجاهزة التي تلقفتها عن البلاغة من هنا أو هناك. في خضم هذه النظرة الحالكة واليائسة للبلاغة، كتبت كتابي الأول «مقولات بلاغية في تحليل الشعر»؛ وكان كتابا مؤسسا يرسم معالم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه البحث البلاغي في ثقافتنا الحديثة، رغم أنني لم أكن أشتغل في سياق ثقافي يساند التصور الذي أسعى إلى تطويره؛ فقد كان سياقا مفتونا بالمناهج النقدية الحديثة التي توالى ظهورها في العالم العربي، ولم يكن ممكنا أن تجد البلاغة موقعا لها في واقع نقدي متعطش لا يريد أن يلتفت إلى الوراء. وكانت لفظة «البلاغة» تختزن كل هذا البغض الذي يكنه المحدثون لما هو قديم وتقليدي. رغم هذا الواقع غير المحفز، أغرتني البلاغة لما كنت ألاحظه من وجوه التلاقي بينها وبين المقاربات النقدية الحديثة التي كانت مهتمة بما هو نصي وشكلي في الأعمال الأدبية، دون أن ألتفت إلى ما كانت تفتقر إليه معظم مؤلفات البلاغة –وخاصة المتأخرة - من أساس نظري كما كان الحال عليه في البدايات مع الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني.
* إذن أين يكمن بالضبط سر انجذابك للبلاغة؟
- يمكنك القول إن أحد الدوافع التي تفسر انجذابي نحو البلاغة هو التقاؤها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي، والدافع الآخر هو رغبة دفينة في أن تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب - بحقل أصيل متجذر في التراث. والدافع الثالث هو اقتناعي بأن التقنيات البلاغية التي رصدها القدماء في الآداب القديمة شعرا ونثرا ما زالت تستعمل من لدن الشعراء والكتاب المعاصرين، ولا يمكن أن تختفي رغم ظهور تقنيات جديدة أفرزتها الأنواع والمنازع الجمالية الجديدة.
وينبغي التنبيه إلى أمر مهم في هذا السياق؛ فبلاغة النصوص لا ينبغي حصرها في التقنيات التي ضبطها علماء البلاغة قديما؛ ما دامت البلاغة تعني من بين ما تعنيه صنعة الكلام سواء أريد بها إحداث المتعة «التخييل» أو إيقاع التصديق «الحجاج»، من المحاججة بفتح الحاء، وهذه الصنعة غير محدودة. ومن ثم كان على الحقل البلاغي أن يوسع من دائرة التقنيات التي ضبطها وحددها، ليصبح حقلا منفتحا على النصوص بدل انغلاقه على تقنيات محددة سلفا.
* هل ثمة بلاغة قديمة وأخرى جديدة؟
- لما كانت البلاغة تعني صنعة الكلام وكانت صنعة الكلام غير محدودة فإن ما يسمى بالبلاغة باعتبارها حقلا علميا يدرس هذه الصنعة، لا يمكن حصره في المنجز البلاغي القديم، فقد رأينا كيف وسع البلاغيون المعاصرون دائرة التقنيات الحجاجية القديمة، وكيف سمحت الصنعات السردية الحديثة بالكشف عن تقنيات بلاغية جديدة. ولا يهم أن هذه التقنيات اكتشفت في حقول أخرى غير البلاغة.
هذا التصور سمح لي بتوسيع مجالات التحليل البلاغي خارج دائرتي الشعر والقرآن اللتين حصر فيهما قديما؛ فإذا كانت البلاغة هي النافذة التي أطل منها على عالم الخطابات، فإن هذه النافذة لم تعد كوة صغيرة كما تصورتها القراءات المتعاقبة للبلاغة، بل نافذة مشرعة ومنفتحة على حقول أخرى.
* لكن ألا ترى أن اهتمامك الشديد بالتنظير جاء على حساب النقد التطبيقي حيث يأخذ عليك كثير من المبدعين عدم الالتفات إلى مؤلفاتهم؟
- يجب أولا التمييز بين وظيفة «البلاغي» من جهة وبين الناقد الأدبي من جهة ثانية؛ فالبلاغي دارس للخطاب يشتغل بالتنظير في المقام الأول ثم يطبق على سبيل تدعيم تصوراته ومفاهيمه، وقد يتحول إلى ناقد أدبي إذا حول ممارسته إلى نقد النصوص الأدبية مبينا أسرارها الجمالية. لست ناقدا أدبيا بهذا المعنى، لأن ذلك يتطلب تفرغا لقراءة الأعمال الأدبية ونشرها في الصحافة، لكن يمكن القول إنني بلاغي ودارس أدبي يحلل النصوص الأدبية والتداولية في ضوء المفاهيم النظرية. وبناء عليه فإن مؤلفاتي مزيج من التنظير والنقد التطبيقي؛ فكتابي «مقولات بلاغية» المشار إليه سابقا لا يخلو من تحليل لنصوص شعرية قديمة وحديثة، وكتبي عن نثر الجاحظ «بلاغة النادرة» و«البلاغة والسرد» و«خطاب الأخلاق والهوية» تطبيقية، وكتابي «في بلاغة الحجاج» يضم تحليلات بلاغية لنصوص مختلفة، وكذلك نجد في كتاب ««البلاغة والرواية» نقدا تطبيقيا للسرد التخييلي والمرجعي. فالحكم الوارد في السؤال على غياب النقد التطبيقي من مؤلفاتي غير دقيق.
* يحتل كتابك «الهوى المصري في خيال المغاربة» موقعا مميزا في سياق تجربتك؛ ترى ما هي أبرز ملامح صورة مصر في انعكاساتها المغربية؟
- الكتاب يرصد صورة مصر في خيال كتاب مغاربة عاشوا فترة من حياتهم في مصر أو عاشت مصر في وجدانهم من خلال تلقيهم للخطابات الأدبية والفنية والسياسية والدينية التي أنتجها المصريون منذ عصر النهضة حتى فترة الثمانينات؛ وهي الفترة التي بدأ فيها تأثير الثقافة المصرية في وجدان المغاربة يتضاءل وتخفت حدته، نتيجة التطور الذي بدأ يحصل في ثقافات البلدان العربية الأخرى ومنها الثقافة المغربية التي لم تعد هامشية تكتفي بالتلقي، بل باتت تفرض هويتها وتستقطب اهتمام الآخر سواء أكان عربيا أم أجنبيا. فصورة مصر في خيال المغاربة هي الصورة التي انطبعت في الوجدان نتيجة القيم الرفيعة التي رسختها الإبداعات المصرية في مختلف المجالات. وتكمن فاعلية هذه الصورة في أنها نجحت في خلق جاذبية نحو هذا البلد بغض النظر عن مطابقة هذه الصورة للواقع أو مجافاتها له.
* تتلمذت على يد الدكتور سيد البحراوي... ما الذي يتبقى من علاقتك بهذا الناقد المصري الراحل؟
- سيد البحراوي كان أستاذي بالمعنى الحقيقي، وكان صديقا فتح لي بيته الذي كنت أزوره فيه سواء لمناقشة بعض ما كنت أكتبه من مقالات في بداياتي الأولى في مجال النشر أو مناقشة رسالتي للماجستير أو حضور صالونه الثقافي الذي كان يقيمه مع زوجته المرحومة أمينة رشيد يستضيفان فيه شخصيات ثقافية متنوعة. بعد عودتي للمغرب انقطعت علاقتي بمصر لفترة طويلة ثم عاودني الحنين عندما شعرت برغبة جارفة للسفر إلى القاهرة والمشاركة في أجوائها العلمية التي كانت تستقطب مثقفي العالم العربي بأسره. في 2006 وجهت له باسم فرقة البلاغة واتحاد كتاب المغرب دعوة لزيارة تطوان في نشاطين ثقافيين أولهما إلقاء محاضرة في الكلية ومناقشة أعماله الإبداعية. ثانيا إلقاء محاضرة باعتباره ضيف شرف إحدى دورات عيد الكتاب. وابتداء من هذه السنة تجددت علاقتنا حتى رحيله رحمه الله.
* ما السر وراء التفوق المغربي في السنوات الأخيرة بمجال النقد والتنظير حتى إن قوائم الفائزين في الجوائز الكبرى لا تكاد تخلو من اسم مغربي؟
- استفادت الجامعة المغربية من جيل الرواد من الجامعيين المغاربة الذين تتلمذوا على أساتذة مرموقين درسوا بالمغرب سواء أكانوا وافدين من المشرق أم من أوروبا، كما استفادت من متابعة عديد من طلابها دراساتهم بفرنسا. وقد كان لقرب المغرب من أوروبا دور في هذا التفوق في مجال العلوم الإنسانية. فمعظم الباحثين المغاربة حريصون على مواكبة ما ينتج في الغرب في حقول علوم اللغة والخطاب والنقد. لذلك ثمة فرق بين الدراسات النقدية واللغوية في المغرب وتونس وبين غيرهما في البلاد العربية.
* ما الذي يعنيه لك فوزك بجائزتي «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»؟
- لقد ساعدتني هذه الجوائز في التعريف بتصوري ومشروعي على نطاق واسع، كما منحت لطلابي جرعات إضافية من التحفيز لمواصلة الطريق. والأهم من كل ذلك أن انحيازي إلى البلاغة في بدايات حياتي العلمية، لم يكن مجرد رد فعل عاطفي ضد سطوة المناهج الغربية، بل كان اختيارا علميا صائبا.
* كانت مفاجأة لي أنك تبدو منحازا لما يمكن تسميته «النقد الانطباعي» الذي يقدم قراءات ومراجعات للأعمال الإبداعية في الصحف ووسائل الإعلام ولا تبدو متحمسا للنقد الأكاديمي المنهجي المتخصص الذي يفترض أنك تنتمي إليه؟ لأن ما يطلق عليه «النقد الصحافي» متهم دوما بالتعجل والتبسيط الشديد حتى الإخلال بالمعنى بسبب مخاطبته القارئ غير المتخصص؟
- ما أعنيه هنا، أنني كنت أنتقد الممارسة النقدية التي يضطلع بها بعض «النقاد» الذين يفتقدون الموهبة والثقافة والخبرة التي تؤهلهم لمحاورة الأعمال الأدبية؛ فيكتفون بترديد المقولات النظرية على أعتاب هذه الأعمال التي تظل أبوابها موصدة في وجوههم. فالدراسات الأدبية لها مكانها في البحث العلمي والجامعي وهي تتوجه إلى متلق متخصص، وأما الممارسة النقدية الأدبية فهي جزء من الحياة الثقافية وتتوجه إلى القارئ العام. وهي ممارسة مبنية على خبرة وليست انطباعية. نقد الأعمال الأدبية ممارسة خاصة تقتضي كفاية وموهبة وخبرة جمالية عميقة ولأجل ذلك لم يعد هذا الناقد موجودا في حياتنا الثقافية، واستبدلناه من خلال ناقد مشوه؛ لا هو بالدارس المتخصص ولا هو بالناقد المثقف القادر على الإمساك بمكامن الجمال في العمل المنقود.
ما أتطلع إليه الآن هو تعميق مشروعي البلاغي بالرجوع إلى التراث الذي وضعت به أولى خطواتي على طريق البحث العلمي برسالة الماجستير عن «نظرية ابن جني في لغة الشعر» بإشراف المرحوم الناقد المصري القدير الدكتور عبد المنعم تليمة.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).