أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي

وزير الصحة اللبناني قال في حوار لـ «الشرق الأوسط» إن نظام دمشق سيعود للاغتيالات إذا شعر بالراحة

أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي
TT

أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي

أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي

رأى وزير الصحة اللبناني وائل أبو فاعور أن قيادة المملكة العربية السعودية عملية «عاصفة الحزم» كانت خيارا شجاعا ومرّا، معتبرا أن هذه العملية ليست دفاعا عن أمن المملكة، فحسب، بل عن أمن الوطن العربي كله، لمنع استمرار استباحة الوطن العربي وبعثرة مجتمعاته وتمزيق الوحدة الوطنية فيه من قبل إيران أو غيرها.
وفي الشأن المحلي اللبناني وارتباطاته السورية، قال الوزير أبو فاعور، وهو أحد أبرز معاوني النائب وليد جنبلاط خلال حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن شعور النظام السوري بالراحة في معركته عبر سيطرته على كامل الحدود مع لبنان سيعني عودته للتدخل بالشأن اللبناني سياسيا وعبر الاغتيالات. وشدد أبو فاعور على أن النائب جنبلاط قام بواجباته في موضوع دروز سوريا وشدّد على ضرورة ابتعادهم عن النظام وانحيازهم إلى أبناء بلدهم، مؤكدا في المقابل على أن أي شيء قد يحدث مع دروز سوريا سيبقى في سوريا ولن يمتد إلى لبنان.
وفيما يأتي نص الحوار:

* إلى متى الاستمرار بالفشل في انتخاب رئيس للجمهورية، وما هي محاذيره على لبنان؟
- لا مؤشرات حتى اللحظة تشي بإمكانية انتخاب رئيس للجمهورية، وواضح أن هذا الأمر حتى اللحظة لا أمد زمنيا له، وبالتالي فإن الخوف الأساسي في أن تقودنا هذه الدوامة السياسية التي علقنا بها نتيجة عدم انتخاب رئيس، إلى دوّامة دستورية، بمعنى أن لا يجري انتخاب رئيس جديد للجمهورية إلا وقد دخلنا في دوامة تعديلات دستورية. وحكما أي تعديل دستوري سيكون على حساب «اتفاق الطائف» وعلى حساب مكانة المسيحيين في النظام السياسي، وسيكون على حساب الصيغة اللبنانية التي لطالما حافظنا عليها. لذلك المخاطر لم تعد سياسية عابرة، بل أصبحت مخاطر تتعلق ببنية النظام السياسي في لبنان.
* ومن يمنع انتخاب رئيس؟
- واضح أن هناك تشبثا بترشيح العماد ميشال عون من قبل حلفائه، حزب الله وغيره، رغم علمهم حتى اللحظة أن هذا الأمر لا يستوفي شروط الاتفاق الوطني عليه. وفي الوقت نفسه هناك مرشحون آخرون يتمسكون بترشيحهم وإن كانوا يعلنون أنهم على استعداد للقبول بمرشح وفاقي. رأيي أن المسؤول هو من يرفض حتى اللحظة أن يكون هناك مرشح وفاقي، لأنه أصبح لنا في هذه الدوامة منذ عام 2005 إلى اليوم وأعتقد أنه أصبح هناك خلاصة سياسية للجميع بأن ثمة استعصاء لأي فريق لتحقيق انتصار سياسي على فريق آخر. وبالتالي، هذا يقود إلى خلاصة أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون رئيسا وفاقيا، وللأسف حتى اللحظة لا إقرار بهذا الأمر.
* إذا كان الزعيم المسلم الأقوى في المناصب التي يسمح له بتوليها؟ لماذا لا يمكن أن يكون الرئيس المسيحي الأقوى على رأس جمهوريته؟
- لا أحد يمكن أن ينكر حيثية العماد عون الوطنية والشعبية والتمثيلية، لكن رئيس الجمهورية - (وهو رئيسٌ فرد وليس رئيس مجلس كرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب) - لكل لبنان وليس لفريق من اللبنانيين. طبعا، يجب أن يكون مقبولا مسيحيا، والمشكلة أن هناك انقساما في الرأي العام المسيحي وفي الموقف السياسي المسيحي. ولو كان هناك إجماع مسيحي على مرشح واحد، أو إن كان شبه اتفاق مسيحي على مرشح واحد، لكان النقاش سيختلف، رغم تأكيدي مجددا أن الرئيس لجميع اللبنانيين وليس فقط للمسيحيين.
* هل هو بعد محلي فقط؟
- كلا هناك بعد محلي وبعد غير محلي، فلبنان يوضع في «ثلاجة الانتظار» بانتظار استحقاقات إقليمية ودولية. لا أعرف إذا ما كنا سنتأثر إيجابا بمناخات الحوار الحاصل حول الملف النووي الإيراني وإمساك طهران بعدد من الأوراق في المنطقة.
* الملف السوري يضغط على لبنان بشكل كبير..
- للأسف سوريا أصبحت جزءا من لعبة أكبر، لعبة المصالح والنفوذ بالمنطقة.
* وكيف ينعكس هذا على لبنان؟
- ينعكس سلبا طالما أن هذا الصراع قائم، ويتم تبادل في أوراق النفوذ. طبعا، لبنان خاضع لهذا الملف، وهو رهينة لهذه الانقسامات والصراعات.
* كيف تجد الوضع اللبناني؟
- هناك حالة من السكينة الوطنية، وهناك اتفاق على تجنب تفجير الوضع في لبنان لدرء الفتن وتفادي الأسوأ، مع استمرار الخلاف السياسي الكبير، والذي هو بشكل أساسي حول ما يحصل في سوريا وتورّط أطراف محليين في الصراع الحاصل في سوريا. ولكن ليس هناك من لديه نية بتفجير الوضع الداخلي اللبناني، وأبرز دليل على هذا هو الحوار، «حوار المساكنة» الذي يجري بين حزب الله وتيار «المستقبل».
* أين دوركم ككتلة وسطية؟ في تسهيل الأمور أو تصعيبها في الملف الرئاسي، هل عندكم نواب بما يكفي لتمييل الدّفة لأحد الطرفين؟
- نحن لدينا مرشحنا الأستاذ هنري حلو، وهو مرشح وفاقي وسطي ونعتبره شخصية تستوفي شروط الوفاق بين اللبنانيين، وصوتنا ليس صوتا يغلّب ضفة على أخرى، ولسنا بوارد تغليب فريق على آخر، بل نريد أن تذهب الأمور إلى مرشح وفاقي. لقد قدمنا هذا المرشح الوفاقي، ونأمل أن تدخل هذه الحوارات في الموضوع الأساسي لأنه آن الأوان لذلك، إن كان الحوار الذي يحصل على الضفة الإسلامية بين حزب الله وتيار «المستقبل»، أو على الضفة المسيحية، فلا يجوز أن نناقش في كل القضايا ونتفادى رئاسة الجمهورية لأن الرئاسة هي واحدة من القضايا التي تمثل دلائل نجاح أو فشل الحوار.
* حتى تلك الساعة، الحكومة قادرة على الصمود؟
- أمام الحكومة «مطبّات» كثيرة، منها مسألة التعيينات القادمة للأجهزة الأمنية والعسكرية التي ستكون لاستحقاق كبير واختبار كبير للحكومة، وحتى اللحظة لا يبدو أن أحدا من الأطراف يريد أن يهدم هيكل الحكومة فوق رؤوس ساكنيه.
* بالنسبة للقادة الأمنيين، هل تتجهون لتمديد مهام المرشحين للتقاعد منهم؟
- إذا حصل الاتفاق والتفاهم على تعيين، فهذا أمر إيجابي، وإن لم يحصل فلا يمكن أن نستمر بالفراغ ويجب أن يكون هناك تمديد. إذا كان هناك إجماع أو تفاهم على تعيين فنحن معه، وإذا لم يكن فلا ينبغي القبول بأن يكون هناك فراغ بالمؤسسات العسكرية والأمنية. وأخطر ما يمكن أن يحصل هو أن يتم تناول وضع الجيش بالأجهزة الأمنية بالإعلام، لأن الجيش والأجهزة الأمنية اليوم بحاجة إلى دعم واحتضان وتغطية سياسية، وأخطر ما يمكن أن يحصل هو أن تصبح مادة لتناولها في الأعلام.
* خاصة أننا - كما يقال - ننتظر «معركة الربيع»!
- واضح أن «معركة الربيع» ربما قد تأتي سريعا لأن لدى النظام السوري خطة للإطباق على جرود القلمون، بالإضافة إلى معركة أخرى في محافظة القنيطرة بإطار سياسة القتل والتدمير التي يقوم بها بشار الأسد، والإمساك بما يتوهّم بالكيان الخاص به، كيان النظام الذي يمتد من اللاذقية إلى القنيطرة. في محافظة القنيطرة المعركة لها معاني أخرى ولا أعتقد أن النظام ذاهب إلى القنيطرة لتحرير الجولان، بل للوقوف على مسافة السبعة كيلومترات الفاصلة والقول للإسرائيلي بأنني أنا ضمانتك.. كما حمى حدودك النظام السوري على مدى 30 سنة، سيحمي حدودك اليوم، ولا أعتقد أن الإسرائيلي بعيد عن هذا «السيناريو» لأنه يطمئن لأن يكون على حدوده النظام السوري.
* ما هي التداعيات المحتملة لهذه المسألة على لبنان، خاصة أن المعركتين على الحدود اللبنانية وحزب الله مشارك فيهما؟
- تداعيات مشاركة حزب الله بالحرب السورية، حصلت بمعنى الاحتقان المذهبي الذي نحاول نحن وحزب الله وتيار «المستقبل» احتواءه عبر الحوارات التي تحصل. أعتقد أن الأسد كلما شعر أنه مرتاح عسكريا تفرّغ أكثر لمزيد من العبث في لبنان. لذلك نحن نتوقع أن يكون هناك رد من قبل نظامه بمزيد من التدخل في لبنان، عبر أشكاله التي نعرفها والتي تبدأ بالتدخل السياسي وتنتهي بالاغتيالات السياسية.
* الاغتيالات التي وضعت مجموعة من الأسماء فيها، ضمنها اسمك، كما تبلغنا من وزير الداخلية؟ وما هو الهدف من هذه الاغتيالات؟
- الاغتيالات بالنسبة للنظام السوري جرى ويجري استعمالها كأداة سياسية. وإذا ما شعر نظام الأسد بأنه مرتاح في معركته وعاد للتدخل في الشأن الداخلي اللبناني بأساليب متعددة.
* والهدف.. هو تخريب الوضع الداخلي؟
- نعم تخريب الوضع الداخلي. وربما ما زال لديه وهم السيطرة على لبنان. ونتيجة للتخاذل الدولي والتخلي عن المعارضة الوطنية السورية، وبسبب بعض المواقف الغربية، يشعر النظام أنه عاد إلى موقع القوة.
* ثمة دور يقوم به الجيش اللبناني بمواجهة الإرهاب وعلى صعيد حفظ الأمن، ما هي قدرة الجيش على الصمود في وجه التهديدات؟
- الجيش اللبناني متماسك، ومستعد للتضحية. وأثبت هذا الأمر قيادة وأفرادا.. وقدم شهداء. والخلل الأساسي كان في تواضع الإمكانيات العسكرية في غياب التسليح وليس لغياب الإرادة أو الاستعداد النفسي والمعنوي للتضحية. كان هناك نقص كبير في المعدات والتجهيزات. والتجهيزات المتوافرة اليوم بفضل الهبة المقدمة من المملكة العربية السعودية سيتذكرها اللبنانيون طويلا، خاصة في هذه الفترة التي نحن بحاجة فيها إلى المعدّات. أضف إليها مساعدات أخرى تأتي من دول أخرى. هذا الأمر يضع الجيش اللبناني في موقع متقدم جدا، وبالتالي، فهو لن يحمي لبنان فقط، بل سيساعد أيضا في المعركة التي نخوضها لحماية الاستقرار الداخلي. وواضح أن للجيش دورا أساسيا في حماية الاستقرار داخليا.
* أين موقع الجيش من «معركة الربيع» المرتقبة؟
- الجيش اللبناني لن يكون طرفا في هذه المعركة التي سيخوضها النظام السوري. الجيش ليس جزءا من هذه المعركة، بل همّه الأساسي وهدفه الوحيد حماية الحدود اللبنانية. وبالتالي، يجب ألا يرسخ بذهن أحد أن لدى الجيش أي تعاون أو موقف مع النظام السوري فيما يقوم به.
* .. وحتى بالنسبة إلى التنسيق؟
- التنسيق وفق الضرورات العسكرية حيث انحياز سياسي لا مع النظام ولا ضده.
* كان لديكم - في الحزب التقدمي الاشتراكي - محاولات مع دروز سوريا لمنع الاقتتال مع أهالي درعا. إلى أين وصلتم في هذا الموضوع؟
- من الأساس كانت دعوة وليد جنبلاط إلى دروز سوريا أن ينحازوا لأبناء شعبهم. ولكن للأسف لا يزال نظام البعث يمسك ببعض وجوه المجتمع الدرزي في سوريا بالقوة والترهيب. لقد حصل تطور كبير تمثّل في انضمام عدد كبير من الضباط الدروز في الجيش السوري إلى المعارضة، ووقعت أخيرا صدامات بين مشايخ الدين من جهة ورجال الاستخبارات و«الشبيحة» في سوريا.
ما يحصل حاليا في سوريا شبيه بما حصل في فلسطين، حيث حاول الاحتلال الصهيوني دفع دروز فلسطين إلى مواجهة باقي أبناء الشعب الفلسطيني. نظام الأسد في سوريا يعتمد الأسلوب نفسه.. إذ يسعى إلى دفع دروز سوريا لمواجهة باقي أبناء الشعب السوري تحت عنوان «حلف الأقليات» وتخويف الدروز في سوريا بزعم أنهم ما لم يقفوا إلى جانب النظام فسوف يواجهون مصير ما واجهته بعض الأقليات في المنطقة. هذه لعبة جهنمية تهدف، ليس فقط إلى توريط دروز سوريا والاصطدام مع محيطهم بل تحاول توريط دروز لبنان أيضا. لذلك أقول إن هذه الخطة الجهنمية «خطة مزدوجة». وليد جنبلاط قام بواجباته ونبّه دروز سوريا غير مرّة لوجود هذه الخطة ومخاطرها.. ويبقى الخيار لهم. إن ما يحصل في سوريا سيبقى في سوريا، ولن نقبل أن يتمدّد إلى لبنان.
* هناك نوع من الغزل بينكم وبين «جبهة النصرة»، هل الهدف منه حماية الدروز؟
- بتحديد المسؤوليات، أولا: كل ما يحصل في سوريا من خراب يتحمل مسؤوليته نظام الأسد، لا أكثر ولا أقل. وكل ما عدا ذلك حتى «داعش» أو غيرها تظل ظواهر وعوارض نتيجة العمل الهمجي الذي اتبعه النظام من قتل وتدمير وتهجير بحق الشعب السوري. فما معنى أن يهجّر 6 ملايين سوري؟ وما معنى أن يحرق السجل العقاري في حمص؟ إنها عملية تطهير وتهجير منظمة للشعب السوري. ثانيا، «النصرة» أو القسم الأكبر منها هم من المعارضين السوريين الذين ثاروا أساسا ضد النظام. إنها مرتبطة بـ«القاعدة» أو غير مرتبطة بها، لكن قسما منها من أبناء الشعب السوري. ليست لنا علاقات سياسية مع «النصرة»، لكننا نحن مع نصرة الشعب السوري بشكل عام.
* ما هو تأثير الحركة الإقليمية وصولا لعمل إيران.. وما يحصل اليوم في اليمن؟
- من الواضح أن هناك تصعيدا كبيرا في المنطقة، والذي حصل في اليمن خطير جدا. إن التوسع والدعم الإيراني لمجموعات معينة بات يشكل خطرا كبيرا ويثير ردات فعل كبرى. لا أحد يستطيع أن يتكهّن أو يتحكم بمستقبل المنطقة في ظل بعض التحرّكات المحلية المدعومة من إيران التي تعمّق الانقسام المذهبي. وإن ما يحصل في اليمن يلاقي أصداء في كل الدول والمجتمعات العربية وردات فعل ومزيد من الانقسام المذهبي الذي يخدم إسرائيل إذا كانت فعليا وجهة الصراع مع إسرائيل.
ثمة محاولات كبرى تُبذَل لتفادي هذا الصدام وحفظ المصالح القومية العربية، وأبرز هذه الأدوار تقوم بها المملكة العربية السعودية التي تسعى مع عدد من دول الخليج ومصر من أجل استعادة التوازن الإقليمي، ذلك أن الإخلال بالتوازن الإقليمي.. أولا يضر بالمصلحة القومية العربية. وثانيا يقود مجتمعاتنا العربية إلى انفجار كبير. ونحن نرى حفرا مستمرا في هذا الأخدود المذهبي وجهدا باتجاه الانقسام المذهبي الذي إذا انفجر في لحظة ما فهو لن يبقي ولن يذر.
* والحل؟
- هناك رهان كبير على الدور السعودي، وخاصة على نهج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ورؤيته وقيادته على المستوى العربي، سواء على صعيد النشاط الدبلوماسي والنشاط السياسي، أو إعادة توحيد رؤية عربية ما تستطيع أن تصنع للعرب موقعا ما في هذا الصراع القائم. فمع مزيد الأسف الوضع العربي في مرحلة انعدام وزن، وهناك عدة مشاريع غير عربية تتطاحن وتختلف وتتفق وتتقاسم النفوذ والسياسة والخيرات والخيارات بالمنطقة، بينما يبدو الدور العربي غير واضح المعالم. لذا أقول الرهان كبير على الجهد الذي تقوم به المملكة في هذا الأمر.
* ماذا عن عملية «عاصفة الحزم»؟
- المملكة العربية السعودية بقيادتها لهذا التحالف اتخذت خيارا شجاعا ومرّا، ليس فقط دفاعا عن أمنها بل أيضا عن أمن الوطن العربي. ونحن معها، إذ لا يجوز استمرار استباحة الوطن العربي وبعثرة مجتمعاته وتمزيق الوحدة الوطنية فيه من قبل إيران أو غيرها. ونحن نرى في الأمر استعادة لتوازن مفقود تدفع ثمنه المجتمعات العربية التي تشظّت بسبب هذه السياسات الإقليمية سواء في العراق أو سوريا أو اليمن، والتي في النهاية لا يستفيد منها سوى العدو الإسرائيلي الذي تقدم له هذه السياسات هدية قيمة في كل يوم.
* هل تتوقع تداعيات للموضوع اليمني في لبنان؟
- لا أتوقع أية تداعيات في لبنان. فهناك حرص من كل الأطراف على حفظ الاستقرار ورفض الفتنة وتنظيم الخلاف. والمهم أن نلتزم جميعا بهذا الخيار وألاّ يندفع أحد منّا في أي خيار قد يوسّع الشرخ السياسي ويعمّق الانقسامات، وهنا تأتي أهمية استكمال الحوار الداخلي بكل مسؤولية وشجاعة.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.