النقد الثقافي كمجس نقدي حداثي لقراءة الأعمال الروائية

النقد الثقافي كمجس نقدي حداثي لقراءة الأعمال الروائية
TT

النقد الثقافي كمجس نقدي حداثي لقراءة الأعمال الروائية

النقد الثقافي كمجس نقدي حداثي لقراءة الأعمال الروائية

انشغل النقد العربي الحديث خلال العقود الأخيرة بالإشكاليات المعرفية والدلالية والتطبيقية التي أثارها ظهور الدراسات الثقافية والنقد الثقافي في الثقافة العربية، والتي أسس لها حضوراً متميزاً في الثقافة العربية الدكتور عبد الله الغذامي.
وقد ظهر مريدون كثيرون لهذا المنهج النقدي الجديد، منهم الدكتور سمير الخليل، أستاذ النقد الأدبي والدراسات الثقافية في الجامعة المستنصرية، الذي عرف عنه انشغاله النقدي والمعرفي في السنوات الأخيرة، بموضوعة النقد الثقافي. فقد أصدر مجموعة من الكتب النقدية تتمحور حول هذا الحقل المعرفي الجديد، وخاض تجربة صعبة تتمثل في إعداد معجم خاص بمصطلحات النقد الثقافي. وها هو يعود اليوم ليضع خبرته النظرية والاصطلاحية والمنهجية في ميدان التطبيق النقدي لأطروحات النقد الثقافي، وذلك في كتابه «الرواية سرداً ثقافياً» الصادر عام 2020، عندما قدم كشفاً، من زاوية النقد الثقافي، للدلالات الثقافية والفكرية والاجتماعية والتاريخية التي يحملها السرد الروائي من خلال تحليل بعض الأعمال الروائية الحديثة.
وموضوعة أو ثيمة «السرد الثقافي» التي انطلق منها هي من مخرجات النقد الثقافي، ودراسات ما بعد الحداثة في آن واحد. ولتوضيح ذلك فقد أشار الناقد إلى أن هناك مستويات ثقافية يبتكرها المثقفون الروائيون، وأفراد ثقافة ما، بقصد الشروع بمقاومة بنية قوة متاحة من وجهة نظر النقد. فالنقد الثقافي يمكن أن يكون وسيلة للتعبير عن رؤية ثقافة فرعية أو مهيمنة. وقد تكون الرواية تمثل واقعة ثقافية أو متخيلة، وقد تكون لها أكثر من زاوية نظر، تمثل كل منظورات شخوص الرواية أو بعضها. (ص13)
وكما ورد في «دليل مصطلحات النقد الثقافي» الذي أصدره الخليل سابقاً، فإن السرد الثقافي أو الرواية الثقافية «تعين أفراد ثقافة ما»، لخلق معنى للحياة، داخل أروقة تلك الثقافة، (دليل مصطلحات ص 188)
ويرى الناقد أن الثقافة والسرد ماهيتان متضافرتان بشكل لا فكاك منه، إذْ لا يمكن للمرء أن يحكي قصة من دون أن يكون هناك منظور ثقافي ما، حيث أصبحت السرديات الروائية حاملة لمنظورات كتابها الثقافية والسياسية. (ص 14)
ونسجل هنا، من باب الوفاء والتقدير، أن الدكتور سمير الخليل هو أول من أشاع توظيف مصطلح السرد الثقافي أو الرواية الثقافية في النقد الأدبي العراقي، وحاول تطبيقه على نماذج روائية عديدة من زاويتي النقد الثقافي، ونقد ما بعد الحداثة في آن واحد.
ومعنى هذا أن كل سر، مشتبك بإشكالات الهوية الثقافية والاجتماعية، وهو حامل للكثير من بصماتها، وبذا فلا يوجد سرد خالص لا يحمل جينات ثقافية ما، لثقافة رئيسية مهيمنة، أو لثقافة فرعية، قد تكون مقهورة في الغالب. ويرى الناقد الأميركي مورتازا (مرتضى) وهكاني أن السرد الثقافي، كالسرد المدرج في النصوص الدينية، والقصص الشعبية والفولكلورية والأمثال، هو سرد موجه لتعليم قيم أخلاقية أو دينية أو ثقافية محددة. كما يمكن للمرويات الثقافية هذه أن تؤثر بعمق في ذاكرتنا على المدى البعيد. وبينت الباحثة الهندية برا ساد، في دراسة خاصة، كيف أن المرويات الثقافية في الهند شكلت الهويات الأخلاقية، ويكشف د. محمد بو عزة في تطبيق عربي رائد لهذا المفهوم، أن السرديات الثقافية تهدف إلى تجاوز الأفق البنيوي للسرد لتنفتح على الأسئلة المعرفية والمرجعيات الثقافية لطبيعة السرد، خصوصاً البحث في المرجعيات الثقافية المحددة لدينامية السرد الرمزية في تشفير العالم، واستنطاق التخييل السردي، باستحضار المرجعية الثقافية. لقد حاول الدكتور محمد بو عزة، كما تقول بديعة الظاهري في دراسة لها نشرتها مجلة «الكلمة» الإلكترونية التي يرأس تحريرها الناقد د. صبري حافظ، اقتراح سردية ثقافية توسع مفهوم السرد من جهة، وتقتنص فيه الدلالي والثقافي من جهة أخرى. فمشروعه ليس شكلياً محضاً، وإنما يهدف إلى الإنصات إلى روح السرد وعوالمه الدلالية، وهو أيضاً محاولة لتجاوز قصور بعض الدراسات الشكلية والبنيوية، والرغبة في ابتكار سردية تهتم بالجانب الثقافي للأعمال الروائية، أو غيرها. ويرى بو عزة أن السرد علامة دنيامية، وهو يتمفصل على وفق نظام ترميزي مزدوج أدبي – ثقافي بعكس رهانات الاستراتيجية السردية، حيث يستحضر سياقات الهوية والتخييل والتاريخ وتجليات المعرفة والقوة، من أجل فرض تصور للعالم (بديعة الظاهري، القراءة الثقافية للنص الروائي)، مجلة «الكلمة» الإلكترونية.
كما وجدنا أحد نقاد ثقافة ما بعد الكولونيالية، ونعني به هومي بابا، يتحدث عن «سرد الأمة»، إذْ يرى الناقد أن دراسة الأمة من خلال توجهها السردي لا تلفت الانتباه إلى بلاغتها فقط، بل تسعى أيضاً إلى تغيير موضوعها المفاهيمي من خلال التركيز على حقل الرموز. (سرد الأمة، هومي بابا، ترجمة رشاد عبد القادر، (إيلاف) أبريل (نيسان)، 2004).
هذا وقد ظهرت خلال العقد الأخير الكثير من الدراسات النظرية والتطبيقية المتعلقة بمفهوم السرد الثقافي. ففي دراسة نشرها موقع «Core Education»، جرى التركيز على وصف المكان والناس، حيث يُقدم تعريفاً يرى أن السرد الثقافي يضيف ما هو فريد عن المكان والناس. ففي نيوزلندا مثلاً يجري التركيز على تواريخ القبائل التي كانت تمتلك السيطرة على الأرض. كما أن السرود الثقافية بشكل عام تتميز بقدرتها على ربط الماضي بالحاضر، وتعمل على بناء منصة لمستقبل مستدام. وفي دراسة حديثة عام 2020 نشرت هيئة تحرير موقع «Reference» دراسة مشتركة عن السرود الثقافية التي تعدها عبارة عن قصص تساعد مجتمعاً ما، لاستخلاص معنى من تاريخه ووجوده، حيث إن هذه السرود تنطوي على عملية ابتكار لقصص تتحدث عن أصل المجتمع وحكاياته الخرافية، التي تساعد على تعليم القيم الأخلاقية والسلوك الأخلاقي. كما أن السرود الثقافية تساعد المجتمع لتعزيز أعرافه المجتمعية، وتحافظ على تاريخه وتعزيز هويته من خلال المعرفة والتجربة المشتركتين. وتشير دراسة مشتركة نشرت في مانجستر عام 2018 إلى أن السرود والمرويات السوسيو – ثقافية تنجز وظائف تتجاوز مجرد إنتاج للسلوك والرغبات، فهي أيضاً ميدان لصناعة المعنى، أي المكان الذي يجد فيه الناس معنى لحياتهم وتجاربهم.
لم يقتصر الناقد د. سمير الخليل في جهده على تعريف المصطلح وتحديد ملامحه الدلالية، بل وضعه موضع التطبيق واتخذه مجساً نقدياً حداثياً لإعادة قراءة وفحص العديد من الأعمال الروائية، كاشفاً بشكل خاص أنساقها المغيبة، وطبيعة الحمولات المعرفية والثقافية التي تضمرها سراً أو تكشف عنها صراحة. ففي قراءته لرواية «ملائكة الجنوب» للروائي نجم والي، التي سأقتصر عليها بوصفها أنموذجاً تطبيقياً، كشف الناقد عن انحياز المؤلف إلى موقف آيديولوجي سبق للنقاد العراقيين رفضه، وأعني به محاولات تبييض سيرة اليهود في مدينة عماريا بوصفهم ملائكة الجنوب على حساب بقية المواطنين، وإعطائهم مرتبة إنسانية أعلى من بقية المواطنين. بل إن المؤلف خلق تماهياً بين نبي اليهود هارون، وما سماه بالسارد العليم من خلال إسقاط اسم النبي على الراوي «هارون والي»، كما أن اسم الأب (والي) يشير بوضوح إلى اسم المؤلف نفسه (نجم والي)، في تأكيد على أنه شاهد حقيقي على وقائع الحدث الروائي، ولمنح السرد صدقية أعلى. ويتهم الناقد د. سمير الخليل الروائي نجم والي بنسيان العرب المسلمين، شيعة وسنة، وهم الأغلبية التي استوطنت مركز المدينة وأطرافها وأريافها القريبة والقصية. (ص 23)
وقدم الروائي مجموعة من المحكيات والأساطير التي تدعم السمة الثقافية للسرد في الرواية: «تلك المعززات الحكائية المثبوتة في الرواية حاولت بقوة أن تشرح وتوضح الدلالة التاريخية المحلية للوقائع والملابسات التي حفل بها النسق الحكائي، وتحولاته الثقافية المشروطة». (ص 33)
يمكن أن نزعم إن كل سرد هو أيضاً حامل لآيديولوجية ما، ولموقف إزاء العالم، وهو أيضاً منغمس بهموم الإنسان الفردية والجماعية والاجتماعية معاً. وبذا يمكن القول إن كل سرد، بطبيعته، هو سرد ثقافي، إذْ لا يوجد سردٌ مصفى، وخالص أو شكلي، ولوجه السرد فقط، فهو يحمل دائماً دلالاته المعرفية والثقافية والسيميائية. ولذا لا يمكن الحديث عن «رواية ثقافية» أو «سرد ثقافي»، ذلك أن كل سرد أو حكي، كتابي أو شفاهي، هو حامل لبيانات ثقافية متكاملة، بل يمكن فقط، التمييز بين درجة الانغماس الثقافي في هذا السرد أو ذاك.
ويمكن أن نتذكر هنا ما سبق وأن أشار إليه بول ريكور عن ارتباط النص بالتجربة الإنسانية، كما يمكن القول إن إدوارد سعيد هو الرائد الحقيقي الذي كشف عن البعد الثقافي للسرد، في تفكيكه المتصل للثقافة ما بعد الكولونيالية.
كتاب الدكتور سمير الخليل «الرواية سرداً ثقافياً»: سيسيولوجيا الثقافة وأرخنتها وتسييسها» جهد نقدي استثنائي، يعيد فحص النصوص الروائية من زاوية نظر جديدة كلياً هي زاوية نظر ما يسمى بالسرد الثقافي أو الرواية الثقافية، وهو إنجاز يحسب للناقد وللنقد الأدبي العراقي معاً.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».