انقلابان وتقارب مع روسيا: ثلاثة إخفاقات رئيسية لفرنسا في مالي

وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)
وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)
TT

انقلابان وتقارب مع روسيا: ثلاثة إخفاقات رئيسية لفرنسا في مالي

وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)
وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)

حتى اليوم، لم تنفع تهديدات باريس بسحب قواتها من مالي في حال تم التوقيع بين باماكو ومجموعة «فاغنر» الروسية المشكلة من ميليشيات تضم، بشكل رئيسي، عسكريين روسيين سابقين وأفراداً من غير الجنسية الروسية، بغرض تدريب القوات المسلحة المالية وتوفير الحماية للحكومة والمؤسسات. كذلك لم تجد التحذيرات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والاتحاد الأفريقي التي تنبه من الإقدام على خطوة كهذه، إذ ما زالت السلطات المالية تصم أذنيها، لا بل تلتحف برداء السيادة والقرار المستقل لرفض الضغوط الممارسة عليها. ولكن حتى اليوم، لم يتم التوقيع رسمياً وعلنياً على أي اتفاق مع «فاغنر». إلا أن ذلك لم يحُل دون التقارب مع موسكو التي تسعى لاستعادة المواقع التي كانت تشغلها في أفريقيا زمن الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي يقلق باريس والأوروبيين والولايات المتحدة الأميركية.
وجاء تسليم الجيش المالي أربع طوافات عسكرية جديدة، من طراز «إم آي 171» روسية الصنع مع أسلحتها، ليبين التقارب المتصاعد مع موسكو. وكان لافتاً دفاع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، خلال وجوده في نيويورك للمشاركة بأعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، عن توجهات باماكو المستجدة، الذي جاء عقب الاتهامات التي ساقها رئيس الوزراء المالي شوغيل كوكالا مايغا، من المحفل نفسه، ضد باريس التي «تخلت» عن بلاده بقرارها وضع حد لعملية «برخان» التي أطلقت بداية عام 2014.
ويرى كثيرون في باريس أن السلطات المالية، تحديداً رئيس الدولة الانتقالي الكولونيل أسيمو غايتا ووزير الدفاع ساديو كامارا، ستمضي في سعيها إبرام اتفاق مع «فاغنر» ووضع نفسها، إلى حد ما، تحت الجناح الروسي بالنظر للتقارب القائم بين «فاغنر» والمؤسسة الروسية، لا بل مع الكرملين الذي يرفض، بطبيعة الحال، أي مسؤولية عما تقوم به الشركة المعنية. ومنذ أن خرجت للعلن مساعي السلطات المالية، تجهد باريس لتعطيل مشروع كهذا الذي يطيح بالموقع الذي تشغله، تقليدياً، في مستعمرتها السابقة. فمن جهة، أرسل الرئيس ماكرون وزيرة الدفاع فلورانس بارلي إلى مالي لممارسة الضغوط مباشرة. وفي كل مناسبة تشدد باريس على النتائج السلبية المترتبة على إيصال مشروع الاتفاق إلى خواتمه.
3 نتائج رئيسية ينبه منها الطرف الفرنسي، وقد ركزت عليها بارلي في استجواب لها قبل ثلاثة أيام بمجلس الشيوخ؛ أولاها «فقدان دعم الأسرة الدولية» بالنظر إلى أن الأطراف التي أسهمت في محاربة التنظيمات الإرهابية وتوفير المساعدة المادية والاقتصادية تنظر بكثير من القلق لانخراط «فاغنر» مع الحكومة والقوات المالية. والثانية، فقدان جزء من «سيادة البلاد» بالنظر إلى أن «فاغنر» سوف تتدخل في شؤون مالي الداخلية، وسيكون لها حق النظر في سياساتها. والثالثة، انسحاب القوات الفرنسية التي لولا تدخلها في بداية عام 2013، لكانت مالي، كما قال الرئيس الفرنسي الخميس الماضي، تحت سيطرة التنظيمات المسلحة والإرهابية. وبارلي كانت قاطعة في تحذيرها: «لا مجال لأن نوجد مع ميليشيات (فاغنر) جنباً إلى جنب في مالي». كذلك، فإن باريس دأبت على دحض حجة السلطات المالية التي تعتبر أن وضع حد لعملية «برخان» يعني انسحاب فرنسا تماماً من مالي، كما انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان، بينما الخطة الفرنسية تقول ببقاء نصف قوة «برخان» في المنطقة، وإنها سوف تواصل محاربة التنظيمات الإرهابية وتعزز قوة «تاكوبا» الأوروبية، وكذلك القوة الأفريقية المشتركة والقوة الأممية. وأخيراً، فإن باريس، على لسان الرئيس ماكرون، تشكك في شرعية قرارات الحكومة المالية، ولا ترى أنها تعكس إرادة الشعب المالي.
حقيقة الأمر أن استدارة السلطات المالية باتجاه موسكو و«فاغنر» ليست الإخفاق الأول لباريس في مالي، بل هو الثالث من نوعه. فإخفاق الأول عنوانه الانقلاب العسكري الذي نفذته مجموعة من الضباط في 18 أغسطس (آب) عام 2020، بقيادة الكولونيل أسيمو غايتا «من وراء ظهر فرنسا» التي وضعت أمام الأمر الواقع ولم تستطع تغييره. الانقلاب العسكري الأول أطاح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا الذي كان وفياً لفرنسا، وقد دشن سلسلة من الانقلابات الأفريقية في مناطق النفوذ الفرنسية. ورغم التجربة المرة التي لم تكن باريس على اطلاع عليها وكانت عاجزة عن إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، فإنها قبلت الأمر الواقع على مضض ووقفت وراء قرارات الاتحاد الأفريقي الذي أصر على إعادة السلطة إلى المدنيين بأسرع وقت متخلياً عن شرعية بوبكر كيتا. ولتهدئة الأفارقة والأسرة الدولية وعلى رأسها باريس، عمدت مجموعة الضباط إلى تعيين باه نداو رئيساً مؤقتاً ومختار أوان رئيساً لحكومة انتقالية، فيما احتفظ الكولونيل أسيمو غايتا بمنصب نائب الرئيس المسؤول عن شؤون الدفاع والأمن. بيد أن الأمور لم تدُم طويلاً على هذا النحو. فبعد أقل من عام، تحديداً في 28 مايو (أيار) الماضي، نفذ غايتا انقلاباً على الانقلاب الذي جاء بمثابة الإخفاق الثالث لباريس. وهذه المرة، أطيح برئيس البلاد ورئيس الحكومة اللذين عينهما الكولونيل المتمرد بنفسه والذي ألزم المجلس الدستوري بإعلانه رئيساً مؤقتاً للبلاد، بانتظار أن تحصل الانتخابات العامة المقررة في شهر فبراير (شباط) المقبل. ومرة أخرى، وجدت باريس نفسها أمام الأمر الواقع، ولم تنفع الإدانات في إحداث أي تغيير ذي معنى.
في الأسابيع الأخيرة، عمدت باريس إلى إخلاء ثلاث قواعد عسكرية شمال مالي، وعمدت إلى تسليمها للقوات المالية. وخلال الأشهر المقبلة ستستمر في خفض عديد قواتها ليتراجع من 5200 إلى 250 بحلول عام 2023. ورغم أن الرأي العام الفرنسي يتساءل عن المدة الزمنية الإضافية التي ستتواصل فيها مرابطة قوات فرنسية في مالي، لكن أيضاً في بلدان الساحل الأخرى التي تربطها بباريس علاقات وثيقة، فإن انسحاباً فرنسياً كاملاً من المنطقة سيعني ترك الباب مفتوحاً أمام التنظيمات الإرهابية، تحديداً «القاعدة» و«داعش»، وذلك رغم النجاحات الميدانية التي أحرزتها «برخان» في الأشهر الأخيرة. وأحد المبررات الرسمية لتواصل الحضور العسكري الفرنسي أن محاربة الإرهاب في الساحل الأفريقي تعني عدم الحاجة لمحاربته على الأراضي الفرنسية.
وحتى اليوم، بقيت باريس في إطار التهديد. ولا شك أن المناورات السياسية من الجانبين ستتواصل في الأسابيع المقبلة، وستزيد فرنسا ضغوطها لكي لا تتحول مالي إلى ميدان صراع بينها وبين روسيا. وكان للقمة الفرنسية - الأفريقية المقررة يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) أن توفر فرصة للتشاور على أعلى المستويات. إلا أن باريس غيرت طبيعتها بشكل جذري، بحيث ألغت اجتماعات رؤساء الدول لترك المجال أمام الشباب من الجانبين ومؤسسات المجتمع المدني للتلاقي في مدينة مونبيليه المتوسطية ولوضع العلاقات الفرنسية - الأفريقية تحت مبضع الشباب ليعبروا عن تطلعاتهم وليقدموا مقترحاتهم من أجل أنظمة ديمقراطية حية. وفي أي حال، فإن قمة أوروبية - أفريقية ستعقد العام المقبل في فرنسا التي ستؤول إليها رئاسة الاتحاد الأوروبي لستة أشهر بدءاً من يناير (كانون الثاني) المقبل، وستوفر الفرصة لطرح مجمل العلاقات بين الطرفين على طاولة البحث.



ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة للجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، معتبراً أن «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من قيام الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بنشر قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.