انقلابان وتقارب مع روسيا: ثلاثة إخفاقات رئيسية لفرنسا في مالي

وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)
وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)
TT

انقلابان وتقارب مع روسيا: ثلاثة إخفاقات رئيسية لفرنسا في مالي

وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)
وزير دفاع مالي يقف قرب طائرات روسية خلال تسلم الجيش أربع طوافات عسكرية جديدة (رويترز)

حتى اليوم، لم تنفع تهديدات باريس بسحب قواتها من مالي في حال تم التوقيع بين باماكو ومجموعة «فاغنر» الروسية المشكلة من ميليشيات تضم، بشكل رئيسي، عسكريين روسيين سابقين وأفراداً من غير الجنسية الروسية، بغرض تدريب القوات المسلحة المالية وتوفير الحماية للحكومة والمؤسسات. كذلك لم تجد التحذيرات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والاتحاد الأفريقي التي تنبه من الإقدام على خطوة كهذه، إذ ما زالت السلطات المالية تصم أذنيها، لا بل تلتحف برداء السيادة والقرار المستقل لرفض الضغوط الممارسة عليها. ولكن حتى اليوم، لم يتم التوقيع رسمياً وعلنياً على أي اتفاق مع «فاغنر». إلا أن ذلك لم يحُل دون التقارب مع موسكو التي تسعى لاستعادة المواقع التي كانت تشغلها في أفريقيا زمن الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي يقلق باريس والأوروبيين والولايات المتحدة الأميركية.
وجاء تسليم الجيش المالي أربع طوافات عسكرية جديدة، من طراز «إم آي 171» روسية الصنع مع أسلحتها، ليبين التقارب المتصاعد مع موسكو. وكان لافتاً دفاع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، خلال وجوده في نيويورك للمشاركة بأعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، عن توجهات باماكو المستجدة، الذي جاء عقب الاتهامات التي ساقها رئيس الوزراء المالي شوغيل كوكالا مايغا، من المحفل نفسه، ضد باريس التي «تخلت» عن بلاده بقرارها وضع حد لعملية «برخان» التي أطلقت بداية عام 2014.
ويرى كثيرون في باريس أن السلطات المالية، تحديداً رئيس الدولة الانتقالي الكولونيل أسيمو غايتا ووزير الدفاع ساديو كامارا، ستمضي في سعيها إبرام اتفاق مع «فاغنر» ووضع نفسها، إلى حد ما، تحت الجناح الروسي بالنظر للتقارب القائم بين «فاغنر» والمؤسسة الروسية، لا بل مع الكرملين الذي يرفض، بطبيعة الحال، أي مسؤولية عما تقوم به الشركة المعنية. ومنذ أن خرجت للعلن مساعي السلطات المالية، تجهد باريس لتعطيل مشروع كهذا الذي يطيح بالموقع الذي تشغله، تقليدياً، في مستعمرتها السابقة. فمن جهة، أرسل الرئيس ماكرون وزيرة الدفاع فلورانس بارلي إلى مالي لممارسة الضغوط مباشرة. وفي كل مناسبة تشدد باريس على النتائج السلبية المترتبة على إيصال مشروع الاتفاق إلى خواتمه.
3 نتائج رئيسية ينبه منها الطرف الفرنسي، وقد ركزت عليها بارلي في استجواب لها قبل ثلاثة أيام بمجلس الشيوخ؛ أولاها «فقدان دعم الأسرة الدولية» بالنظر إلى أن الأطراف التي أسهمت في محاربة التنظيمات الإرهابية وتوفير المساعدة المادية والاقتصادية تنظر بكثير من القلق لانخراط «فاغنر» مع الحكومة والقوات المالية. والثانية، فقدان جزء من «سيادة البلاد» بالنظر إلى أن «فاغنر» سوف تتدخل في شؤون مالي الداخلية، وسيكون لها حق النظر في سياساتها. والثالثة، انسحاب القوات الفرنسية التي لولا تدخلها في بداية عام 2013، لكانت مالي، كما قال الرئيس الفرنسي الخميس الماضي، تحت سيطرة التنظيمات المسلحة والإرهابية. وبارلي كانت قاطعة في تحذيرها: «لا مجال لأن نوجد مع ميليشيات (فاغنر) جنباً إلى جنب في مالي». كذلك، فإن باريس دأبت على دحض حجة السلطات المالية التي تعتبر أن وضع حد لعملية «برخان» يعني انسحاب فرنسا تماماً من مالي، كما انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان، بينما الخطة الفرنسية تقول ببقاء نصف قوة «برخان» في المنطقة، وإنها سوف تواصل محاربة التنظيمات الإرهابية وتعزز قوة «تاكوبا» الأوروبية، وكذلك القوة الأفريقية المشتركة والقوة الأممية. وأخيراً، فإن باريس، على لسان الرئيس ماكرون، تشكك في شرعية قرارات الحكومة المالية، ولا ترى أنها تعكس إرادة الشعب المالي.
حقيقة الأمر أن استدارة السلطات المالية باتجاه موسكو و«فاغنر» ليست الإخفاق الأول لباريس في مالي، بل هو الثالث من نوعه. فإخفاق الأول عنوانه الانقلاب العسكري الذي نفذته مجموعة من الضباط في 18 أغسطس (آب) عام 2020، بقيادة الكولونيل أسيمو غايتا «من وراء ظهر فرنسا» التي وضعت أمام الأمر الواقع ولم تستطع تغييره. الانقلاب العسكري الأول أطاح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا الذي كان وفياً لفرنسا، وقد دشن سلسلة من الانقلابات الأفريقية في مناطق النفوذ الفرنسية. ورغم التجربة المرة التي لم تكن باريس على اطلاع عليها وكانت عاجزة عن إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، فإنها قبلت الأمر الواقع على مضض ووقفت وراء قرارات الاتحاد الأفريقي الذي أصر على إعادة السلطة إلى المدنيين بأسرع وقت متخلياً عن شرعية بوبكر كيتا. ولتهدئة الأفارقة والأسرة الدولية وعلى رأسها باريس، عمدت مجموعة الضباط إلى تعيين باه نداو رئيساً مؤقتاً ومختار أوان رئيساً لحكومة انتقالية، فيما احتفظ الكولونيل أسيمو غايتا بمنصب نائب الرئيس المسؤول عن شؤون الدفاع والأمن. بيد أن الأمور لم تدُم طويلاً على هذا النحو. فبعد أقل من عام، تحديداً في 28 مايو (أيار) الماضي، نفذ غايتا انقلاباً على الانقلاب الذي جاء بمثابة الإخفاق الثالث لباريس. وهذه المرة، أطيح برئيس البلاد ورئيس الحكومة اللذين عينهما الكولونيل المتمرد بنفسه والذي ألزم المجلس الدستوري بإعلانه رئيساً مؤقتاً للبلاد، بانتظار أن تحصل الانتخابات العامة المقررة في شهر فبراير (شباط) المقبل. ومرة أخرى، وجدت باريس نفسها أمام الأمر الواقع، ولم تنفع الإدانات في إحداث أي تغيير ذي معنى.
في الأسابيع الأخيرة، عمدت باريس إلى إخلاء ثلاث قواعد عسكرية شمال مالي، وعمدت إلى تسليمها للقوات المالية. وخلال الأشهر المقبلة ستستمر في خفض عديد قواتها ليتراجع من 5200 إلى 250 بحلول عام 2023. ورغم أن الرأي العام الفرنسي يتساءل عن المدة الزمنية الإضافية التي ستتواصل فيها مرابطة قوات فرنسية في مالي، لكن أيضاً في بلدان الساحل الأخرى التي تربطها بباريس علاقات وثيقة، فإن انسحاباً فرنسياً كاملاً من المنطقة سيعني ترك الباب مفتوحاً أمام التنظيمات الإرهابية، تحديداً «القاعدة» و«داعش»، وذلك رغم النجاحات الميدانية التي أحرزتها «برخان» في الأشهر الأخيرة. وأحد المبررات الرسمية لتواصل الحضور العسكري الفرنسي أن محاربة الإرهاب في الساحل الأفريقي تعني عدم الحاجة لمحاربته على الأراضي الفرنسية.
وحتى اليوم، بقيت باريس في إطار التهديد. ولا شك أن المناورات السياسية من الجانبين ستتواصل في الأسابيع المقبلة، وستزيد فرنسا ضغوطها لكي لا تتحول مالي إلى ميدان صراع بينها وبين روسيا. وكان للقمة الفرنسية - الأفريقية المقررة يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) أن توفر فرصة للتشاور على أعلى المستويات. إلا أن باريس غيرت طبيعتها بشكل جذري، بحيث ألغت اجتماعات رؤساء الدول لترك المجال أمام الشباب من الجانبين ومؤسسات المجتمع المدني للتلاقي في مدينة مونبيليه المتوسطية ولوضع العلاقات الفرنسية - الأفريقية تحت مبضع الشباب ليعبروا عن تطلعاتهم وليقدموا مقترحاتهم من أجل أنظمة ديمقراطية حية. وفي أي حال، فإن قمة أوروبية - أفريقية ستعقد العام المقبل في فرنسا التي ستؤول إليها رئاسة الاتحاد الأوروبي لستة أشهر بدءاً من يناير (كانون الثاني) المقبل، وستوفر الفرصة لطرح مجمل العلاقات بين الطرفين على طاولة البحث.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟