الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط

الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط
TT

الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط

الصين و«إيفرغراند»... صعدتا معاً والآن إحداهما على وشك السقوط

كان شو جيايين أغنى رجل في الصين، وكان رمزاً للنهضة الاقتصادية في البلاد، وهو الذي ساعد في تحويل القرى التي تعاني من الفقر إلى مدن كبرى للطبقة الوسطى الوليدة، حيث أصبحت شركته، مجموعة «إيفرغراند» الصينية الشهيرة، واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد، وقام بحيازة زينة الصفوة وزخارفها، من رحلات إلى باريس لتذوق النبيذ الفرنسي النادر، ويخت بقيمة مليون دولار، فضلاً عن الطائرات الخاصة، وإمكانية الوصول إلى بعض من أقوى الشخصيات في بكين.
قال شو في خطاب ألقاه في عام 2018 شاكراً الحزب الشيوعي الصيني على نجاحه، «كل ما لدي وكل ما حققته مجموعة (إيفرغراند) أمنحه للحزب والدولة والمجتمع بأسره».
غير أن الصين تهدد بأخذ كل شيء بعيداً.
فالديون التي دفعت البلاد للنمو السريع لعقود من الزمن باتت تُعرض الاقتصاد الآن للأخطار، والحكومة تغير قواعد اللعب منفردة. فقد أشارت بكين إلى أنها لن تتسامح بعد الآن مع استراتيجية الاقتراض لتعزيز توسع الأعمال التجارية التي حولت شو وشركته إلى قوة عقارية هائلة، الأمر الذي دفع «إيفرغراند» إلى الهاوية.
وفي الأسبوع الماضي، فوتت الشركة، التي لم تسدد فواتير تصل قيمتها إلى أكثر من 300 مليار دولار، دفعة أساسية مستحقة للمستثمرين الأجانب. مما أدى إلى إصابة العالم بالفزع بشأن ما إذا كانت الصين تواجه «لحظة ليمان براذرز» الخاصة بها، في إشارة إلى انهيار بنك «ليمان براذرز» الاستثماري في عام 2008، الذي أدى إلى اندلاع الأزمة المالية العالمية.
لقد كشفت صراعات «إيفرغراند» عن عيوب النظام المالي الصيني - الاقتراض غير المقيد، والتوسع غير المنضبط، والفساد. وتختبر أزمة الشركة عزيمة القادة الصينيين في مساعيهم للإصلاح، وذلك لأنهم صاغوا مساراً جديداً لاقتصاد البلاد.
وإذا عملوا على إنقاذ «إيفرغراند»، فإنهم يجازفون بإرسال رسالة مفادها أن بعض الشركات لا تزال أضخم من أن يُسمح لها بالإفلاس. وإذا لم يفعلوا ذلك، فإن ما يصل إلى 1.6 مليون مشترٍ للمنازل ينتظرون شققاً غير منتهية، والمئات من الأعمال التجارية الصغيرة والدائنين والمصارف قد يخسرون أموالهم.
قال ليلاند ميلر، الرئيس التنفيذي لشركة «تشاينا بيغ بوك» الاستشارية، «هذه بداية النهاية لنموذج النمو الصيني كما نعرفه. غالباً ما يكون مصطلح (النقلة النوعية) مفرطاً في استعماله بحيث يميل الناس إلى تجاهله. ولكن هذه طريقة جيدة لوصف ما يحدث الآن».
وقد عكس شو وشركته صعود الصين الاقتصادي من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد اعتمد الوجهة الرأسمالية.
تربى شو على يد أجداده في مقاطعة هنان، وهي جيب ريفي بسيط بوسط الصين. توفيت والدته من مرض قابل للعلاج عندما كان طفلاً، وكانت عائلته فقيرة لدرجة لم تستطع معها تحمل تكاليف الرعاية الطبية. وكصبي صغير، كان يعيش تحت سقف من القش لا يستطيع منع الرياح أو الأمطار. وأكل دقيق البطاطا الحلو، واستذكر دروسه على مكتب مصنوع من الطين.
وقال شو في خطاب قبول جائزة تبرعاته الخيرية سنة 2018، «في ذلك الوقت، كنت تواقاً إلى مساعدة الآخرين، وكنت تواقاً إلى الحصول على عمل، ومغادرة الريف إلى الأبد وأكل دقيق القمح».
التحق شو بالكلية، ثم قضى عقداً من الزمن يعمل في مصنع للصلب. وبدأ شركته «إيفرغراند» في عام 1996 في منطقة شنتشن الاقتصادية الخاصة، حيث أطلق الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ تجربة البلاد مع الرأسمالية. ومع تحول الصين إلى مجتمع حضري، توسعت «إيفرغراند» إلى ما هو أبعد من «شنتشن»، في مختلف أنحاء البلاد.
فقد أغرت «إيفرغراند» مشتري المنازل الجدد ببيعهم أكثر من الشقة الصغيرة التي كانوا سيحصلون عليها في مجمع ضخم يضم عشرات الأبراج المتماثلة. كان عملاء «إيفرغراند» الجدد يشترون نمط الحياة الجديدة ذات الصلة بأسماء مثل: «كلاود ليك»، و«رويال جاردن»، و«ريفرسايد مانشن».
فقد حول شو «إيفرغراند» من شركة صغيرة لا يزيد عدد موظفيها عن اثني عشر موظفاً إلى المطور العقاري الأكثر غزارة في الصين من خلال مزيج من الاقتراض المتفشي والعلاقات السياسية النخبوية. وكثيراً ما استثمرت الشركة بكثافة في مشاريع عواصم الأقاليم، حيث كان المسؤولون من ذوي الطموحات في التحول إلى أعضاء في المكتب السياسي يقاسون بقدرتهم على خلق النمو الاقتصادي.
وفي وقت مبكر، أقام شو علاقات مع أفراد عائلات بعض كبار المسؤولين في الصين. وفي عام 2002، أدرج بين مديري الشركات في التقرير السنوي لـ«إيفرغراند»، وين جيا هونغ، شقيق نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، ون جيا باو، الذي أشرف على بنوك البلاد بصفته رئيس لجنة العمل المالي المركزية.
وأصبح ون جيا باو رئيس مجلس الدولة الصيني في العام التالي. ولم يكن شقيقه مدير شركة «إيفرغراند» فحسب، بل كان يسيطر ذات يوم أيضاً على ثاني أكبر حصة في الشركة سريعة النمو، وفقاً لوثائق الشركات التي راجعتها صحيفة «نيويورك تايمز».
وفي عام 2008، انضم شو إلى مجموعة نخبوية من المستشارين السياسيين المعروفة باسم المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني.
قال فيكتور شيه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا فرع سان دييغو، عن شو، «ما كان ليستطيع أن يكون بهذا الحجم لولا تعاون أكبر البنوك في البلاد. إن ذلك يشير إلى المساعدة المحتملة من مسؤولين كبار من ذوي النفوذ الثقيل».
كان شو أيضاً وسيطاً سلطوياً مؤثراً تعايش مع عائلات النخبة في الحزب الشيوعي، وفقاً لمذكرات صادرة عن ديزموند شوم، رجل الأعمال صاحب العلاقات الجيدة. وفي كتابه «الروليت الحمراء»، الذي نُشر هذا الشهر، يروي شوم قصة عن رحلة التسوق وتذوق الخمور الأوروبية في عام 2011، التي شارك فيها شو، إلى جانب ابنة المسؤول الرابع في الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، جيا تشينغ لين، وزوجها المستثمر.
سافرت تلك المجموعة إلى أوروبا على متن طائرة خاصة، حيث لعب الرجال لعبة ورق صينية شعبية تسمى «حارب مالك الأرض». وفي مطعم «بافيون ليدوين» في باريس، أنفقت المجموعة أكثر من مائة ألف دولار على كميات كبيرة من نبيذ «شاتو لافيت» الفاخر، بدءاً بالزجاجات المعتقة منذ عام 1900 وانتهاء بعام 1990. وفي رحلة إلى الريفييرا الفرنسية، فكر شو في شراء يخت بقيمة 100 مليون دولار أميركي يملكه رجل من هونغ كونغ، كما ذكر شوم في كتابه.
ولدفع نمو «إيفرغراند» للأعلى، غالباً ما اقترض شو مرتين على كل قطعة من الأرض التي طورها، أولاً من البنك ثم من مشتري المنازل الذين كانوا في بعض الأحيان على استعداد لسداد 100 في المائة من قيمة منازلهم المستقبلية قبل بنائها.
ومع توسع «إيفرغراند» ومنافسيها، نمت العقارات لتمثل ما يصل إلى ثلث النمو الاقتصادي في الصين. وعملت «إيفرغراند» على بناء أكثر من ألف مشروع للتطوير العقاري في مئات المدن، مع خلق أكثر من 3.3 مليون وظيفة سنوياً.
يقول شيه: «يمثل شو جياين جانباً مهماً جداً من الإصلاح الاقتصادي في الصين. لقد استعان بذكائه وجرأته في توسيع أعماله بصورة قوية للغاية، وفي كثير من الأحيان بشكل خطير، من منظور المحاسبة المالية».
ومع القدرة على الوصول إلى الأموال الرخيصة، فضلاً عن الطموح الجامح، توسع شو باتجاه مجالات لم تكن «إيفرغراند» تتمتع بأي خبرة أو تجربة سابقة فيها، بما في ذلك المياه المعبأة، والسيارات الكهربائية، وتربية الخنازير، والرياضات الاحترافية.
ابتاع شو طائرتين نفاثتين خاصتين، واستخدمهما في نقل فريقه لكرة القدم، الذي يطلق عليه الآن مسمى «نادى قوانغتشو لكرة القدم»، إلى المباريات. وكانت لشركته للمركبات الكهربائية رؤية جريئة حتى تصبح أكبر وأكثر قوة من «تيسلا»، ولكنها تسببت حتى الآن في تأخير الإنتاج الضخم للسيارات.
وعندما بدأت فورة الاقتصاد الصيني في الهدوء، أصبح من المستحيل تجاهل الأضرار الناجمة عن شهية «إيفرغراند» الشرهة للديون. وهناك ما يقرب من 800 مشروع غير مُنجز لـ«إيفرغراند» في أكثر من 200 مدينة بجميع أنحاء الصين. وقد نظم الموظفون والمتعاقدون ومشترو المنازل احتجاجات متتالية للمطالبة بأموالهم. ويخشى الكثيرون من أن يصبحوا ضحايا عن غير عمد في حملة إصلاح الديون في الصين.
أما يونغ جوشنغ، وهو مقاول من تشانغشا في وسط الصين، فلم يتقاض بعد أجراً قيمته 460 ألف دولار لقاء المواد والأعمال التي قدمها لمشروع «إيفرغراند»، الذي أنجزه في مايو (أيار) الماضي. وفي محاولة يائسة لعدم خسارة عماله وشركائه في الأعمال هدد بإغلاق الطرق المحيطة بالمشروع العقاري في أوائل الشهر الحالي حتى يتم سداد الأموال. وقال يونغ: «إنه ليس مبلغاً زهيداً بالنسبة لنا. قد يتسبب في إفلاسنا».
الواقع أن يونغ وغيره من أمثاله يقفون في صميم التحدي الأكبر الذي يواجه الجهات التنظيمية الصينية في التعامل مع «إيفرغراند». وإذا حاولت بكين أن تجعل من «إيفرغراند» مثالاً يُحتذى به إذا تركت الشركة تنهار، فإن ثروات الملايين من الناس يمكن أن تعصف بها الرياح مع إمبراطورية شو.
قال مايكل بيتيس، أستاذ الدراسات المالية في جامعة بكين، «هذا أمر ملعون إن فعلوه، وملعون أيضاً إن لم يفعلوه. كان ينبغي على بكين التحرك قبل عشرة أعوام. إنهم يحاولون إصلاح الممتلكات العقارية الآن لأن الأسعار مرتفعة للغاية. وكلما طال انتظارهم كلما ارتفعت تكاليف الإصلاح».
في أغسطس (آب)، استدعت الجهات الرقابية الصينية المديرين التنفيذيين من «إيفرغراند»، وحذروهم من أجل إبقاء ديون الشركة تحت السيطرة. ووسط المخاوف من شيوع انهيار «إيفرغراند» عبر مختلف أوصال الاقتصاد الصيني، أطلقت بكين العنان لسيول من رؤوس الأموال في النظام المصرفي الصيني خلال الأسبوع الماضي، في خطوة اعتبرت محاولةً لتهدئة توترات الأسواق.
قال لوغان رايت، مدير قسم الأبحاث الصينية في شركة «روديوم» الاستشارية، «هذه مشكلة أكبر بكثير من أزمة (إيفرغراند) نفسها. لقد شنت بكين معركة كبيرة ضد المضاربات العقارية، لذا فلا ينبغي لنا أن ننظر إلى الأمر باعتباره تراجعاً عن هذه المعركة. إنهم لا يريدون التراجع، لأن ذلك قد يعصف بمصداقيتهم لدى الجماهير».
لقد ظل شو بعيداً عن دائرة الضوء في أغلب الأحيان، ولم يعد تطوره الشخصي من صبي مبتلى بالفقر إلى قطب العقارات الكبير مفيداً للخطاب الوطني الصيني.
لقد حاولت شركته بيع بعض أصولها لجمع أموال جديدة، ولكنها لم تحقق نجاحاً يُذكر. ومؤخراً احتج مشترو المساكن في الشوارع واشتكوا على شبكة الإنترنت من تأخر البناء. ولقد وجه البنك المركزي الصيني رسالة إنذار إلى شركة «إيفرغراند».
ويدعو المعلقون الوطنيون الصينيون على نحو متزايد إلى زوال الشركة. فقد مُنحت الشركات العملاقة المثقلة بالديون مثل «إيفرغراند» الحرية في «فتح أفواهها الدموية والتهام ثروات بلدنا وشعبنا إلى أن تصبح أكبر من أن تسقط»، هكذا كتب لي غوانغمان، رئيس التحرير المتقاعد الذي لفتت وجهات نظره انتباه وسائل الإعلام الرسمية التابعة للدولة.
ويزعم السيد لي أنه من دون التدخل اللائق، فإن الاقتصاد والمجتمع الصيني سوف يكونان على فوهة البركان، حيث يمكن لكل شيء أن يشتعل في أي وقت.
* خدمة «نيويورك تايمز»



تايوان تحسم الجدل: نقل 40 % من إنتاج الرقائق إلى أميركا «مستحيل»

شرائح أشباه الموصلات على لوحة دوائر كمبيوتر في صورة توضيحية (رويترز)
شرائح أشباه الموصلات على لوحة دوائر كمبيوتر في صورة توضيحية (رويترز)
TT

تايوان تحسم الجدل: نقل 40 % من إنتاج الرقائق إلى أميركا «مستحيل»

شرائح أشباه الموصلات على لوحة دوائر كمبيوتر في صورة توضيحية (رويترز)
شرائح أشباه الموصلات على لوحة دوائر كمبيوتر في صورة توضيحية (رويترز)

أكدت كبيرة مفاوضي تايوان بشأن الرسوم الجمركية أن نقل 40 في المائة من طاقتها الإنتاجية لأشباه الموصلات إلى الولايات المتحدة «مستحيل»، نافيةً بذلك المزاعم المتعلقة بنقل صناعة الرقائق الإلكترونية في الجزيرة.

وتُعدّ تايوان قوةً رائدةً في إنتاج الرقائق الإلكترونية؛ وهي عنصر حيوي للاقتصاد العالمي، في الوقت الذي يسعى فيه البيت الأبيض إلى تعزيز إنتاج هذه التكنولوجيا محلياً بالولايات المتحدة، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

وفي إطار الاتفاق الذي أُبرم الشهر الماضي، وافقت واشنطن على خفض الرسوم الجمركية على سلع تايوان من 20 في المائة إلى 15 في المائة، في حين ستزيد تايوان من استثماراتها في الولايات المتحدة.

كان وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، قد صرح، الشهر الماضي، بأن واشنطن تأمل في نقل ما يصل إلى 40 في المائة من سلسلة توريد وإنتاج الرقائق الإلكترونية التايوانية إلى الولايات المتحدة، محذّراً من احتمال رفع الرسوم الجمركية بشكل حاد في حال عدم تحقيق ذلك.

يأتي هذا بعد تصريح سابق له في سبتمبر (أيلول) الماضي، دعا فيه إلى تقسيم إنتاج الرقائق الإلكترونية في تايوان بالتساوي مع واشنطن.

وفي مقابلة، بُثّت مساء الأحد على قناة «سي تي إس» التلفزيونية التايوانية، أكدت نائبة رئيس الوزراء وكبيرة المفاوضين، تشنغ لي تشيون، أنها أوضحت للمسؤولين الأميركيين أن منظومة أشباه الموصلات التايوانية لن تُنقَل.

وقالت تشنغ: «فيما يخص نقل 40 أو 50 في المائة من الطاقة الإنتاجية إلى الولايات المتحدة... لقد أوضحتُ للجانب الأميركي أن هذا مستحيل»، مضيفةً أن منظومة أشباه الموصلات التايوانية تُشبه جبلاً جليدياً أساسه تحت الماء «هائل»، مشددةً على أن «منظومة صناعية بُنيت على مدى عقود لا يمكن نقلها».

وختمت بالقول: «إنها ستستمر في النمو».


الأسواق الهندية تبدأ الأسبوع على مكاسب بدعم التفاؤل التجاري مع أميركا

رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة مومباي (رويترز)
رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة مومباي (رويترز)
TT

الأسواق الهندية تبدأ الأسبوع على مكاسب بدعم التفاؤل التجاري مع أميركا

رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة مومباي (رويترز)
رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة مومباي (رويترز)

سجَّلت الأسواق الهندية أداءً إيجابياً في مستهل تعاملات يوم الاثنين، مدعومة بتفاؤل المستثمرين حيال الإطار المؤقت للاتفاقية التجارية بين الهند والولايات المتحدة، إلى جانب الدعم القادم من تحسن المعنويات في الأسواق العالمية، بينما ألقت تطورات سوق العملات والسندات بظلالها على المشهد المالي العام.

وارتفعت الأسهم الهندية في بداية التداولات، حيث صعد مؤشر «نيفتي 50» بنسبة 0.47 في المائة ليصل إلى مستوى 25,814.7 نقطة بحلول الساعة 9:30 صباحاً بتوقيت الهند، كما ارتفع مؤشر بورصة «بومباي سينسكس» بنسبة 0.46 في المائة مسجلاً 83,968.08 نقطة. وجاء هذا الأداء مدعوماً بمكاسب واسعة النطاق، إذ سجلت 15 من أصل 16 قطاعاً رئيسياً ارتفاعاً، في حين صعدت أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة بنسبة 1.3 في المائة و0.9 في المائة على التوالي، وفق «رويترز».

القطاع المصرفي يقود مكاسب السوق

وكان القطاع المصرفي في صدارة الرابحين، بعدما قفز سهم بنك الدولة الهندي، أكبر بنك حكومي في البلاد، بنسبة 6 في المائة مسجلاً مستوى قياسياً جديداً، عقب إعلان البنك عن أرباح فصلية فاقت التوقعات ورفعه لتقديرات نمو القروض خلال العام المالي الحالي. وأسهمت هذه المكاسب في دفع أسهم البنوك الحكومية للارتفاع بنحو 3 في المائة، كما صعد القطاع المالي ككل بنسبة 0.9 في المائة.

كما استفادت القطاعات المرتبطة بالتصدير من التقدم في العلاقات التجارية بين نيودلهي وواشنطن، بعد إعلان البلدين عن إطار مؤقت لاتفاقية تجارية يهدف إلى خفض الرسوم الجمركية، وإعادة هيكلة التعاون في قطاع الطاقة، وتعزيز الشراكة الاقتصادية في إطار جهود إعادة تنظيم سلاسل التوريد العالمية. وانعكس ذلك إيجاباً على أسهم شركات النسيج، حيث ارتفعت أسهم شركات مثل «غكالداس إكسبورتس» و«إندو كاونت إندستريز» و«أرفيند» بنحو 4 في المائة لكل منها، بينما قفزت أسهم شركتي تصدير المأكولات البحرية «أبيكس فروزن فود» و«أفانتي فيدز» بنسبة 7.7 في المائة و6.4 في المائة على التوالي.

وفي هذا السياق، أشار في كي فيجاياكومار، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «جيوجيت» للاستثمارات، إلى أن عودة المستثمرين الأجانب إلى الشراء في السوق الفورية خلال ثلاثة من أيام التداول الأربعة الأخيرة تمثل أحد أبرز العوامل الداعمة للسوق، وذلك بعد الإعلان عن الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة. وأظهرت البيانات أن مستثمري المحافظ الأجنبية اشتروا أسهماً هندية بصافي 89.8 مليار روبية خلال الجلسات الأربع الماضية، بعد أن سجلوا صافي مبيعات بلغ 359.62 مليار روبية خلال يناير (كانون الثاني).

الروبية تحقق مكاسب محدودة

تزامن تحسن أداء الأسهم مع ارتفاع طفيف في الروبية الهندية، التي صعدت بنسبة 0.1 في المائة لتصل إلى مستوى 90.5425 مقابل الدولار بحلول الساعة 10:30 صباحاً بتوقيت الهند، مدعومة بمبيعات محدودة للدولار بين البنوك. غير أن التداولات ظلت ضعيفة نسبياً عقب عطل فني في منصة تداول العملات الأجنبية التابعة لمجموعة بورصة لندن، مما أدى إلى تراجع أحجام التداول وصعوبات واجهها بعض المتعاملين في تنفيذ أوامر التداول عبر نظام المطابقة بين البنوك.

وفي الوقت نفسه، يواصل المستثمرون تقييم تداعيات الإطار التجاري المؤقت بين الهند والولايات المتحدة، بعد أن خفّضت واشنطن الرسوم الجمركية على الصادرات الهندية إلى 18 في المائة، مع تأكيد التزامها بمواصلة المفاوضات للتوصل إلى اتفاقية تجارية أوسع. كما أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً بإلغاء الرسوم الإضافية البالغة 25 في المائة المفروضة على السلع الهندية المرتبطة بواردات النفط الروسي، مع الإشارة إلى إمكانية إعادة فرضها إذا استأنفت الهند شراء النفط من موسكو.

وترى ميشيل كاستيلينو، استراتيجية الاستثمار في بنك «ستاندرد تشارترد»، أن التوسع في اتفاقيات التجارة الحرة قد يدعم الروبية الهندية من خلال تعزيز تدفقات رؤوس الأموال والحفاظ على تنافسية العملة مقارنة بنظيراتها، كما تتوقع عودة المستثمرين الأجانب إلى سوق الأسهم الهندية بدعم من نمو أرباح الشركات الذي تجاوز 10 في المائة والتقييمات الاستثمارية الجاذبة.

سوق السندات تحت الضغط

في المقابل، واجهت سوق السندات الحكومية ضغوطاً واضحة، إذ تراجعت أسعار السندات في التعاملات المبكرة نتيجة زيادة إصدارات ديون الولايات، إلى جانب استمرار تداعيات قرار بنك الاحتياطي الهندي بعدم تقديم دعم إضافي للسيولة. وارتفع عائد السندات القياسي لأجل 2035، بفائدة 6.48 في المائة، إلى 6.7609 في المائة مقارنة مع 6.7363 في المائة عند إغلاق الجمعة، مسجلاً أكبر ارتفاع يومي خلال ستة أشهر.

وتخطط الولايات الهندية لجمع 486.15 مليار روبية عبر إصدار سندات جديدة، وهو أعلى مستوى للإصدارات خلال السنة المالية الحالية ويتجاوز المخطط له بنحو 60 مليار روبية، ما يزيد من الضغوط على سوق الدين. ويرى متعاملون أن غياب التزام واضح من البنك المركزي بشراء السندات، بالتزامن مع تزايد اقتراض الحكومات المحلية، يعزز حالة التوتر ويجعل من الصعب التنبؤ بمسار العوائد.

وكان بنك الاحتياطي الهندي قد أبقى سعر إعادة الشراء الرئيسي دون تغيير الأسبوع الماضي مستنداً إلى توقعات اقتصادية إيجابية، رغم أن الأسواق كانت تأمل في إجراءات إضافية لمعالجة شح السيولة. وأفادت مصادر في وزارة الخزانة بأن البنوك تضغط على البنك المركزي لتعديل بعض قواعد السيولة في ظل نقص الودائع وارتفاع عوائد السندات وتسارع نمو الائتمان.

ورغم أن البنك المركزي خفَّض أسعار الفائدة بمقدار 125 نقطة أساس منذ فبراير (شباط) 2025 واشترى سندات بقيمة قياسية بلغت 7.2 تريليون روبية خلال السنة المالية الحالية، فإن عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات لا يزال قريباً من مستويات العام الماضي، مما يعكس استمرار التحديات في سوق الدين.

وفي أسواق المشتقات المرتبطة بأسعار الفائدة، استقرت مقايضات مؤشر الفائدة لليلة واحدة قصيرة الأجل دون تغيرات تذكر، بينما ارتفعت مقايضات الخمس سنوات تماشياً مع صعود عوائد السندات. وبلغ سعر المقايضة لأجل عام واحد 5.53 في المائة، بينما سجَّلت المقايضة لأجل عامين 5.71 في المائة، بينما ارتفعت المقايضة لأجل خمس سنوات إلى 6.2050 في المائة.

ويعكس المشهد العام للأسواق الهندية توازناً بين الدعم القادم من التفاؤل التجاري وتدفقات الاستثمار الأجنبي وتحسن أداء الأسهم، مقابل الضغوط الناجمة عن زيادة الاقتراض الحكومي وتشديد أوضاع السيولة في سوق الدين.


الأسواق الآسيوية تقفز بدعم من رهانات على سياسات توسعية

يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
TT

الأسواق الآسيوية تقفز بدعم من رهانات على سياسات توسعية

يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

قفزت الأسواق الآسيوية يوم الاثنين بعد فوز ساحق لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، ما عزز شهية المستثمرين لمزيد من السياسات الداعمة لإعادة التضخم، بينما ساد ارتياح واسع بين المستثمرين إثر انتعاش متأخر لأسهم شركات الرقائق الأميركية.

كما ساعدت عمليات اقتناص الفرص في الأصول التي تعرضت لضغوط قوية سابقاً، بما في ذلك الفضة، على دعم المعنويات، إلى جانب الرهانات على المزيد من التيسير في السياسات النقدية من قبل مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، وفق «رويترز».

وبات خفض أسعار الفائدة بحلول يونيو (حزيران) يُنظر إليه الآن على أنه سيناريو مرجّح، مع توقع أن تعزز مجموعة من البيانات الاقتصادية هذا الأسبوع - بشأن الوظائف والتضخم والإنفاق - مبررات تقديم المزيد من التحفيز.

وتصدر مؤشر «نيكي» الياباني المكاسب بارتفاع نسبته 4.1 في المائة مسجلاً مستويات قياسية جديدة، في ظل حصول الحكومة على أغلبية حاسمة تتيح تمرير المزيد من الإنفاق وخفض الضرائب.

وقال مارك جوكوم، كبير استراتيجيي الاستثمار لدى «غلوبال إكس لصناديق المؤشرات المتداولة - أستراليا» إن هذا الانتصار يمنح تاكايتشي أغلبية مستقرة تتيح اتخاذ خطوات حاسمة بشأن التحفيز المالي والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وأمن الطاقة والإصلاحات الاستراتيجية.

وأضاف أن اليابان لطالما اعتُبرت استثماراً مخالفاً للاتجاه السائد، لكنها أصبحت الآن قصة إصلاحات بزخم حقيقي، مشيراً إلى أن الاستقرار السياسي وتحسن العائد على رأس المال وتوظيف رؤوس الأموال محلياً والتقييمات المعقولة كلها تشير إلى الاتجاه نفسه.

غير أن توقعات زيادة الاقتراض دفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عامين إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1996 عند 1.3 في المائة.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان بنسبة 2.1 في المائة، بينما صعد المؤشر التكنولوجي في كوريا الجنوبية بنسبة 3.8 في المائة.

كما ارتفعت الأسهم القيادية الصينية بنسبة 1.3 في المائة قبيل صدور بيانات التضخم يوم الأربعاء، والتي يُتوقع أن تظهر تراجع أسعار الغذاء واستمرار الانكماش في أسعار المنتجين.

أما في أوروبا، فقد ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «يورو ستوكس 50» بنسبة 0.3 في المائة، وكذلك العقود الآجلة لمؤشر «داكس» الألماني، بينما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «فوتسي 100» بنسبة 0.4 في المائة.

وسجلت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة، بينما ارتفعت عقود «ناسداك» الآجلة بنسبة 0.2 في المائة، بعدما كان المؤشران قد قفزا بأكثر من 2 في المائة يوم الجمعة لينهِيا سلسلة من الخسائر الكبيرة.

وقد أنقذت أسهم شركات الرقائق الأسواق، إذ قفز سهم «إنفيديا» بنحو 8 في المائة، بينما ارتفع سهم «أدفانسد مايكرو ديفايسز» بأكثر من 8 في المائة، وصعد سهم «برودكوم» بنسبة 7 في المائة.

ومع ذلك، استمرت المخاوف بشأن ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة للغاية في الذكاء الاصطناعي ستحقق عوائد في النهاية، وأي الشركات ستستفيد أو ستفشل. وتخطط أكبر أربع شركات تكنولوجيا أميركية وحدها لإنفاق 650 مليار دولار على النفقات الرأسمالية هذا العام.

وكتب محللو «بنك أوف أميركا» في مذكرة أن المستثمرين يتجهون بشكل منطقي نحو التحول من الشركات المنفقة على الذكاء الاصطناعي إلى المستفيدين منه، ومن الخدمات إلى التصنيع، ومن استثنائية الاقتصاد الأميركي إلى إعادة التوازن العالمية، مضيفين أنهم يراهنون على الاقتصاد الحقيقي ويراهنون ضد «وول ستريت».

البيانات الأميركية ستختبر رهانات «الفيدرالي»

ولكي يستمر هذا الارتفاع، يجب أن تكون البيانات الأميركية هذا الأسبوع معتدلة بما يكفي للإبقاء على احتمالات خفض الفائدة، ولكن ليست ضعيفة لدرجة تهدد الطلب الاستهلاكي وأرباح الشركات.

ومن المتوقع أن ترتفع الوظائف غير الزراعية بمقدار 70 ألف وظيفة في يناير (كانون الثاني)، مع بقاء معدل البطالة عند 4.4 في المائة، رغم توقع إجراء مراجعة هبوطية حادة لنمو الوظائف خلال عام 2025.

كما يُتوقع أن ترتفع مبيعات التجزئة بنسبة معتدلة تبلغ 0.4 في المائة، بينما يُرجح أن يتباطأ التضخم الاستهلاكي العام والأساسي قليلاً إلى 2.5 في المائة في يناير.

وأي بيانات أضعف من المتوقع قد تدفع عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار إلى التراجع، رغم أن الين والجنيه الإسترليني يواجهان تحديات خاصة بهما.

وقد باع المستثمرون الين بالفعل توقعاً للسياسات التوسعية الممولة بالديون التي تتبناها تاكايتشي، وكانت ردة الفعل الأولية جني الأرباح، مما دفع الدولار للتراجع بنسبة 0.3 في المائة إلى 156.74 ين، بعيداً عن الذروة الأخيرة عند 159.45 ين. ويرى محللون أن أي صعود نحو مستوى 160 يناً قد يدفع طوكيو للتهديد بالتدخل في سوق العملات.

وسجل اليورو ارتفاعاً طفيفاً إلى 1.1821 دولار، محافظاً على نطاق تداول ضيق خلال الأسبوع الماضي. بينما استقر الجنيه الإسترليني عند 1.3596 دولار.

في أسواق السلع، ارتفعت الفضة بنسبة 4.4 في المائة إلى 81.43 دولار، بعد تقلبات حادة إذ تحولت من خسارة بلغت 15 في المائة إلى مكاسب إغلاق بلغت 9 في المائة يوم الجمعة. وكان المعدن قد تراجع خلال الأسبوعين الماضيين بعدما تعرضت المراكز المالية الممولة بالرافعة لضغوط شديدة أدَّت إلى نداءات الهامش وعمليات بيع قسرية.