جيمي غريفز... أفضل قناص عرفته إنجلترا

كان قادراً على تسجيل أهداف تبدو مستحيلة

جيمي غريفز في إحدى مواجهات توتنهام في الدوري الإنجليزي في موسم 67 - 68 (الغارديان)
جيمي غريفز في إحدى مواجهات توتنهام في الدوري الإنجليزي في موسم 67 - 68 (الغارديان)
TT

جيمي غريفز... أفضل قناص عرفته إنجلترا

جيمي غريفز في إحدى مواجهات توتنهام في الدوري الإنجليزي في موسم 67 - 68 (الغارديان)
جيمي غريفز في إحدى مواجهات توتنهام في الدوري الإنجليزي في موسم 67 - 68 (الغارديان)

عندما كان جيمي غريفز يلعب ضد الفريق الذي تشجعه، فإن ذلك كان يجعلك على الفور تشعر بوجود خطر كبير ومستمر على مرمى فريقك. فقد كان غريفز أحد أعظم لاعبي كرة القدم في عصره، وكان لاعبا نحيلا وأنيقا وسريعا للغاية. وكما هو الحال مع معاصره العظيم دينيس لو، كان غريفز من نوعية اللاعبين الذين يمكن أن يظهروا قليلا خلال اللقاء، ثم يأتي في اللحظات الحاسمة، وربما قبل صافرة النهاية بلحظات، لكي يقلب الأمور رأسا على عقب ويحسم نتيجة اللقاء بلعبة واحدة عبقرية. وكان غريفز في أفضل حالاته عندما كان يلعب بقميص توتنهام، حيث أحرز عددا كبيرا من الأهداف للسبيرز ولا يزال الهداف التاريخي للنادي حتى الآن.
ويمكن القول إن غريفز هو أخطر مهاجم في تاريخ إنجلترا على الإطلاق، حيث كان قادرا على اقتناص أنصاف الفرص وتسجيل الأهداف التي تبدو مستحيلة. لقد كانت طريقة لعبه تذكرك بالحيوانات المفترسة في الطبيعة والتي لا تفكر في أي شيء سوى الفتك بفريستها. وفي العقود اللاحقة، جاء لاعبون عظماء، مثل جيرد مولر وروماريو، أحدثوا التأثير نفسه وكانوا يمتلكون القدرات والإمكانيات الهائلة نفسها، لكن الفرق أن هذين اللاعبين قد نالا الشرف الذي حرم منه النجم الإنجليزي، وهو الحصول على ميدالية الفوز بكأس العالم بعد القيام بدور حاسم في المباراة النهائية.
لقد كان غريفز مهاجما خطيرا وكان يعرف أقصر الطرق إلى المرمى وكان يسجل الأهداف بطريقة استثنائية، كما كان يجيد اللعب بكلتا قدميه بدقة فائقة وسهولة كبيرة، بالشكل الذي جعل غياب هذه المهارة لدى اللاعبين البارزين الآخرين يبدو أمرًا سخيفًا. ورغم أن غريفز لم يكن طويل القامة، حيث كان يصل طوله إلى 1.73 متر، فقد سجل عددًا مذهلاً من الأهداف بضربات الرأس. ورغم أنه كان يقفز عاليا، فإن تلك الأهداف جاءت في الأساس بسبب قدرته الخارقة على التوقع والتمركز بشكل رائع في المساحات الخالية بين المدافعين.
ولم يأت أحد على الإطلاق بعبارة أفضل من تلك التي استخدمها كاتب كرة القدم الراحل جون موينيهان لوصف غريفز، بعد مشاهدة توتنهام هوتسبير وهو يلعب أمام سلوفان براتيسلافا في ربع نهائي كأس الكؤوس الأوروبية تحت الأضواء الكاشفة بملعب «وايت هارت لين» في ليلة من ليالي فصل الربيع لعام 1963. لقد فاز توتنهام في مبارتي الذهاب والعودة بنتيجة ستة أهداف مقابل لا شيء وستة أهداف مقابل هدفين، وسجل غريفز بالطريقة التي وصفها موينيهان بـ«اللامبالاة المدمرة».
ولد غريفز في شرق العاصمة البريطانية لندن، وبدأ مسيرته الكروية في سن المراهقة مع تشيلسي في عصر كان لا يزال فيه لاعبو دوري الدرجة الأولى (المسمى القديم للدوري الإنجليزي الممتاز) يستخدمون وسائل النقل العام للذهاب إلى ملعب المباراة. وخلال السنوات الأربع التي قضاها في «ستامفورد بريدج»، سجل غريفز 124 هدفًا في 157 مباراة. وفي بداية موسم 1958 - 1959، عندما كان يبلغ من العمر 18 عامًا، سجل خمسة أهداف في مرمى وولفرهامبتون واندرارز، الذي فاز بلقب الدوري في نهاية المطاف. وفي ذلك اليوم، تلاعب غريفز بقائد إنجلترا صاحب الخبرات الكبيرة، بيلي رايت، بالطريقة نفسها التي تعرض لها من قبل أمام النجم المجري بوشكاش.
لقد كان غريفز طبيعيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقال لصديقه العظيم بريان مور خلال مقابلة تلفزيونية في وقت لاحق من حياته: «هذه هي الحياة التي ولدت من أجلها. لم أكن أعرف أي شيء سوى لعب كرة القدم». لكن غريفز عمل أيضا كمحلل للمباريات على بعض القنوات التليفزيونية، وحقق نجاحه الأكبر خلال الشراكة طويلة الأمد مع إيان سانت جون، خصمه القديم في ليفربول. لقد شعر غريفز بالرضا وهو يقوم بهذا العمل، الذي أتاح له ببساطة الفرصة لكسب لقمة العيش بعد أن واجه أوقاتًا عصيبة في نهاية مسيرته الكروية.
وعندما كان غريفز نجما لامعا في تشيلسي، كان يحصل على 17 جنيهًا إسترلينيًا في الأسبوع، بالإضافة إلى جنيهين في حالة الفوز، وجنيه إسترليني واحد في حالة التعادل. وكان ذلك المبلغ ينخفض إلى سبعة جنيهات إسترلينية في الأسبوع خلال الصيف. وانتقل غريفز من غرب لندن إلى ميلان الإيطالي في عام 1961 مقابل 7.000 جنيه إسترليني سنويًا، بالإضافة إلى 15 ألف جنيه إسترليني كمكافأة عند التوقيع. وفي آخر مباراة له مع تشيلسي، حصل على شارة القيادة وسجل جميع الأهداف الأربعة في المباراة التي فاز فيها البلوز بأربعة أهداف مقابل ثلاثة.
لكن مسيرته في إيطاليا لم تكن جيدة وانتهت بشكل مبكر. لقد استقر غريفز بشكل جيد داخل الملعب، وسجل تسعة أهداف في 14 مباراة (وهو ما كان يكفي للحصول على لقب الدوري الإيطالي) على الرغم من العلاقة غير الجيدة مع المدير الفني، نيريو روكو، الذي تولى قيادة الفريق خلفا لجوزيبي فياني، الذي كان قد تعاقد مع غريفز، بعد تعرضه لأزمة قلبية في بداية الموسم. لكن كما كان الحال مع لو وجو بيكر في تورينو، لم يتأقلم غريفز مع الحياة في إيطاليا، وقال عن ذلك: «لقد كنت شاباً يفعل الأشياء الخاطئة في الوقت الخطأ».
وبعد عودته إلى لندن بعد بضعة أشهر فقط عندما دفع توتنهام لميلان نحو 100 ألف جنيه إسترليني، استعاد غريفز تألقه مع السبيرز ومنتخب إنجلترا. وعلى ملعب ويمبلي في عام 1960، سجل غريفز هدفًا رائعا في مرمى منتخب إسبانيا الذي كان يلعب بقيادة نجمه العظيم ألفريدو دي ستيفانو، كما سجل ثلاثة أهداف (هاتريك) في المباراة التي سحقت فيها إنجلترا اسكوتلندا بتسعة أهداف مقابل ثلاثة في عام 1961، مع فريق كان يرى أنه أفضل من الفريق الذي فاز بكأس العالم عام 1966 بقيادة ألف رامسي.
لكن أكبر ضربة تلقاها غريفز هي عدم استدعائه بعد تعافيه من الإصابة لقائمة المنتخب الإنجليزي في نهائيات كأس العالم 1966، على الرغم من أنه كان المهاجم الأفضل في البلاد وسجل 44 هدفًا في 57 مباراة دولية. وقد كانت هذه الضربة الموجعة هي بداية انزلاقه إلى إدمان الكحول. لكن قبل ذلك، لعب غريفز تسع سنوات مع توتنهام هوتسبير حصل خلالها على كأس الاتحاد الإنجليزي وكأس الكؤوس، وسجل 220 هدفًا في 321 مباراة بالدوري، بالشراكة أولاً مع المهاجم القوي بوبي سميث، ثم مع النجم الرائع آلان غيلزيان. وبعد ذلك، لعب بقميص وستهام لموسم واحد سجل خلاله 13 هدفًا. لقد لعب غريفز ذلك الموسم إلى جانب جيف هيرست؛ ذلك المهاجم الذي حل محله في خط هجوم المنتخب الإنجليزي في 30 يوليو (تموز) 1966، وهو اليوم الذي بدأت فيه مشاكله.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.