مئوية ريموند ويليامز... رائد الدراسات الثقافية

عكس في مجمل أعماله تفكير جيل بريطاني كبر في مناخ الحرب الباردة

المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز
المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز
TT

مئوية ريموند ويليامز... رائد الدراسات الثقافية

المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز
المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز

يقارن البعض المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز الذي ولد قبل مائة عام بمعاصره جون بيرغر، ويتأسفون نتيجة تلاشي تأثيره على الأجيال الجديدة، وهو الذي كان علماً على مرحلة بريطانية انقضت بين الحرب العالمية الثانية إلى ما قبل وصول مارغريت ثاتشر للسلطة، في الوقت الذي ما زال بيرغر مقروءاً وقيد التداول حتى اليوم.
ولكن تلك مقارنة غير عادلة البتة، إذ إن ويليامز رحل عن عالمنا قبل أكثر من ثلاثة عقود (1988)، فيما توفي بيرغر قبل سنوات قليلة فقط (2017). والأهم أن ويليامز عكس في مجمل أعماله تفكير جيل بريطاني كبر في مناخ الحرب الباردة ولم يكن قد شهد مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي ولا سقوط جدار برلين بعد. ومع أنه - بشكل عام - ميال لنقد التجربة السوفياتية، إلا أن نصوصه لا تُفهم سوى في إطارها التاريخي عندما كان وجود المعسكر الاشتراكي مَعلماً أساسيا في تكوين العالم بغض النظر عن المنطلق الآيديولوجي للمراقب تجاهه، بينما أمضى بيرغر ثلاثة عقود من العيش في ظل النظام النيوليبرالي الأحادي القطبية، وشوهدت كتب له تُتداول بين المتظاهرين في احتجاجات (احتلوا) التي اجتاحت مدناً عدة في الولايات المتحدة والغرب بداية من العام 2011 ولذلك فإن المقارنة لا تنعقد، والأولى هو البحث عن تأثير هذا الرجل الفائق على جيل كامل من المثقفين البريطانيين الذين نظروا إليه كمعلم، ونموذج لمصداقية نادرة تلاقت فيها المعرفة المعمقة، والالتزام السياسي بالممارسة العملية اليومية، وكمنظر مؤسس للدراسات الثقافية والنقد الثقافي، وأيقونة فكر جلت فوق الخلافات الآيديولوجية المحض، فلا ينكر إشعاعها أحد. وقد وصفه المنظر والناقد الثقافي المعروف ستيوارت هول بأنه «بلا شك أهم ناقد ومؤرخ ومنظر ثقافي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية».
ولد ويليامز قبل 100 عام (1921) لعائلة مزارعين في قرية بجنوب ويلز، تدعى باندي تقع قرب حدود الإقليم مع إنجلترا. والده كان ترك الزراعة والتحق بسكك الحديد كعامل إشارة، وانخرط بعمق في سياسات الطبقة العاملة لدرجة أنه أقيل لاحقاً من وظيفته لمشاركته في إضراب 1926 العام. ويبدو أن تلك الأجواء تركت انطباعا عميقاً على الابن بدلالة روايته الأولى «بلدة على الحدود - 1960» التي خطها بعد عقود طويلة من تركه باندي. وقد كتب ويليامز ذات مرة، أننا «نبدأ في التفكير من المكان الذي نعيش فيه»، ومن الواضح أن المجتمع الريفي المتماسك من الطبقة العاملة الذي نشأ في إطاره بقي كنقطة مرجعية دائمة في عمله، وعلى نحو ما مصدر تركيزه طوال حياته على قيم التضامن والعمل الجماعي، وربما أيضاً سر موقفه النقدي تجاه الثقافة الإنجليزية الرسمية التي واجهها في جامعة كامبريدج (1939) عندما أقبل للدراسة بمنحة حكومية للطلبة المتفوقين من الأقاليم. وهو في كتابه «السياسة والآداب» يروي «أن أحد المحاضرين بالجامعة قال إنه لا يمكننا الآن أن نفهم حقيقة معنى (الجار) في أعمال شكسبير لأننا نعيش في حضارة ميكانيكية فاسدة ليس للجيران فيها قيمة تذكر، فنهضت وأجبته، لا يا سيدي، أنا من ويلز، وأعرف جيداً ما تعنيه الجيرة».
لدى التحاقه بكامبريدج وجد ويليامز متنفساً طبيعياً في إطار الاتجاهات اليسارية التي كانت قوية هناك، لكنه استدعي للخدمة العسكرية مع نهاية سنته الجامعية الثانية (1941) وشارك في إنزال نورماندي بمراحل الحرب الأخيرة (1944) ومعارك (تحرير) بروكسل. وقد هالته تلك التجربة وكثفت مقته للعنف، فكان أن رفض استدعاءه للخدمة في كوريا بداية الخمسينات، وعاد لدراسته حيث كتب أوراقاً عن جورج إليوت وهنريك إبسن. وبعد تخرجه عام 1946 عمل مدرساً للكبار في جمعية العمال التعليمية، حيث كان يدرس مساء، ويكتب، بانتظام حديدي، في الفترة الصباحية. وباستثناء فترة وجيزة كأحد محرري مجلة «السياسة والآداب»، مارس ويليامز نقده الثقافي من خارج أسوار الأكاديمية طوال خمسينات القرن الماضي وكانت ذروتها كتبه المفصلية «الثقافة والمجتمع – 1958»، و«الثورة الطويلة – 1961». وقد تم تعيينه زميلاً في كامبريدج (1961)، واستمر بالتدريس هناك حتى تقاعده المبكر عام 1983.
وخلال سلسلة قراءات نقدية لعدد من المفكرين الإنجليز - من إدموند بيرك إلى توماس كارليل، ومن ماثيو أرنولد إلى تي إس إليوت - انتزع ويليامز تصورا أكثر شمولا للثقافة من ذلك التقليد الرجعي الغالب الذي يجعلها من انشغالات النخبة، وانتقد بشدة حصر منطق الإنتاج الثقافي بأقلية مهيمنة مانحاً مساحة تحت الشمس للمنتج الثقافي للطبقات المهمشة فيما يعرف الآن بالثقافة الشعبية بتمظهراتها الكثيرة: الأزياء والموسيقى والسينما، والتلفزيون والإذاعة وطرز العمارة والأغنيات وغيرها، ولتأخذ مكانتها الاستثنائية في المواجهة مع السلطات سياسية وثقافية واجتماعية.
شن ويليامز هجوماً ساحقاً على المفكرين الذين كانوا يوجهون سهام نقدهم إلى الحداثة بوصفها فتحت الباب أمام فوضى ثقافية من خلال التصنيع الرخيص والانتشار الشعبي، ويعتبرون نماذج الثقافة الرفيعة نوعاً من معقل أخير للقيم المتحضرة يتعرض للحصار. كانت تلك - عنده دائماً - نظرة قاصرة، فالحداثة جلبت منافع هائلة للبشرية كالكهرباء والطاقة البخارية والسينما، لكن تقاطعها مع النظام الرأسمالي هو ما تسبب في توظيف منجزاتها العبقرية تلك لغايات تعظيم الربح، وما يعنيه ذلك ضمناً من الانقسامات الطبقية وتفاوت الدخول التي أفسدت ذائقة الجماهير. ورفض أي تعامل فوقي يجعل من الثقافة نشاطاً منعزلاً للترفيه عن النخب، موسعاً المفهوم ليشمل كل «الجهود الضرورية التي نبذلها كل يوم لفهم بيئتنا - من خلال تفسيرها ووصفها – حتى نتمكن من العيش فيها بنجاح أكبر».
كان تمركز ويليامز جلياً في جهة اليسار وإن ظل بعيداً عن السياسة الحزبية بعد خيبة أمله من رمادية حزب العمال، لكنه لم يوفر أحداً من نقده الثقافي بما في ذلك تلك النظرة الميكانيكية للماركسية التي جعلت من الثقافة مجرد تابع ذليل لبنية الاقتصاد، واعتبرها بدلاً من ذلك بمثابة مجال أساس للصراع الطبقي يتم فيه التعبير عن هياكل السلطة والتنازع معها، وأصر على أن فكرة النظام الاجتماعي المستقبلي يجب أن تكون محددة بدقة شديدة، وتبدأ في أي بلد معين أو منطقة معينة مما هو موجود ماديا أو متاحٌ، ولا تستورد جاهزة ومكتملة من تجارب أمم أخرى، إذ لا توجد عنده قفزة سحرية من حاضر تسوده الفوضى الكاملة إلى بديل مثالي، بل عملية طويلة لا تنتهي أبدا من النضال – الديمقراطي - من أجل طرق أكثر عدلا ومساواة للعيش معاً.
طوال هذا الوقت، كتب ويليامز بغزارة في أعمال النظرية الثقافية والنقد والتحليل فصدرت له أكثر من 30 عملاً مطبوعاً، ونشر عدة روايات فضلاً عن مئات المقالات والمراجعات في الصحف والمجلات، وبرز كشخصية رئيسية في تيار اليسار الجديد الذي سعى إلى تقديم بديل اشتراكي أوروبي عن التجربة السوفياتية، وأصبح من موقعه في كامبردج أحد نجوم الأكاديمية الغربية الذين يشار إليهم بالبنان، رغم تناقضه الفكري مع تلك المؤسسة المفرطة النخبوية لا سيما بعدما خط نهجاً مميزاً في النقد الأدبي يعتمد على ما سماه بـ(المادية الثقافية) على النسق الذي طرحه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي من ارتباط بنيوي بين هيمنة النخب والأدوات التي تشكل ثقافة المجتمعات.
وُجه إلى ويليامز الكثير من النقد المستحق لناحية تمركز فكره حول الحالة البريطانية حصراً وانغلاقه عن الفكر الأوروبي وحتى الإنتاجات الأدبية الأميركية. كما أنه وباستثناء جورج إليوت، بدا غير معني بالتجارب الأدبية النسوية، ووقع أسير حالة الفوبيا التي سادت أجواء اليسار البريطاني المهلهل من كل ما هو سوفياتي وبالتبعية لكلاسيكيات الماركسية اللينينية، الأمر الذي سمح لتلاميذه الأوسع أفقاً بالتفوق عليه، كما في حالة ستيوارت هول مثلاً الذي لا يُخفي انطلاقه من مكان ما بالقرب من ويليامز، ولكنه حلق بالدراسات الثقافية والتحليل السياسي المرتبط بها ونقد الإمبراطورية والرأسمالية كظاهرة ثقافية معولمة إلى مستوى آخر تماماً.
ومع ذلك، وفي ذكرى مائة عام على مولده، لا مناص من منحه مكانته المستحقة كمفكر ترك بصمة كبيرة على الجيل اللاحق من الدراسات الثقافية، وكصاحب تجربة شجاعة في تحدي المسلمات والأوضاع القائمة والانخراط الإيجابي في المحاولة النبيلة لبناء بديل عملي للعيش يتجاوز الرأسمالية خلال فترة السبعينات والثمانينات، ويشكل مجموعة أعماله – بما فيها رواياته الأدبية - ممراً لا يمكن تجاوزه لفهم ثقافة وأدب وتاريخ بريطانيا خلال مرحلة الحداثة.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».