مئوية ريموند ويليامز... رائد الدراسات الثقافية

عكس في مجمل أعماله تفكير جيل بريطاني كبر في مناخ الحرب الباردة

المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز
المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز
TT

مئوية ريموند ويليامز... رائد الدراسات الثقافية

المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز
المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز

يقارن البعض المفكر والناقد البريطاني ريموند ويليامز الذي ولد قبل مائة عام بمعاصره جون بيرغر، ويتأسفون نتيجة تلاشي تأثيره على الأجيال الجديدة، وهو الذي كان علماً على مرحلة بريطانية انقضت بين الحرب العالمية الثانية إلى ما قبل وصول مارغريت ثاتشر للسلطة، في الوقت الذي ما زال بيرغر مقروءاً وقيد التداول حتى اليوم.
ولكن تلك مقارنة غير عادلة البتة، إذ إن ويليامز رحل عن عالمنا قبل أكثر من ثلاثة عقود (1988)، فيما توفي بيرغر قبل سنوات قليلة فقط (2017). والأهم أن ويليامز عكس في مجمل أعماله تفكير جيل بريطاني كبر في مناخ الحرب الباردة ولم يكن قد شهد مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي ولا سقوط جدار برلين بعد. ومع أنه - بشكل عام - ميال لنقد التجربة السوفياتية، إلا أن نصوصه لا تُفهم سوى في إطارها التاريخي عندما كان وجود المعسكر الاشتراكي مَعلماً أساسيا في تكوين العالم بغض النظر عن المنطلق الآيديولوجي للمراقب تجاهه، بينما أمضى بيرغر ثلاثة عقود من العيش في ظل النظام النيوليبرالي الأحادي القطبية، وشوهدت كتب له تُتداول بين المتظاهرين في احتجاجات (احتلوا) التي اجتاحت مدناً عدة في الولايات المتحدة والغرب بداية من العام 2011 ولذلك فإن المقارنة لا تنعقد، والأولى هو البحث عن تأثير هذا الرجل الفائق على جيل كامل من المثقفين البريطانيين الذين نظروا إليه كمعلم، ونموذج لمصداقية نادرة تلاقت فيها المعرفة المعمقة، والالتزام السياسي بالممارسة العملية اليومية، وكمنظر مؤسس للدراسات الثقافية والنقد الثقافي، وأيقونة فكر جلت فوق الخلافات الآيديولوجية المحض، فلا ينكر إشعاعها أحد. وقد وصفه المنظر والناقد الثقافي المعروف ستيوارت هول بأنه «بلا شك أهم ناقد ومؤرخ ومنظر ثقافي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية».
ولد ويليامز قبل 100 عام (1921) لعائلة مزارعين في قرية بجنوب ويلز، تدعى باندي تقع قرب حدود الإقليم مع إنجلترا. والده كان ترك الزراعة والتحق بسكك الحديد كعامل إشارة، وانخرط بعمق في سياسات الطبقة العاملة لدرجة أنه أقيل لاحقاً من وظيفته لمشاركته في إضراب 1926 العام. ويبدو أن تلك الأجواء تركت انطباعا عميقاً على الابن بدلالة روايته الأولى «بلدة على الحدود - 1960» التي خطها بعد عقود طويلة من تركه باندي. وقد كتب ويليامز ذات مرة، أننا «نبدأ في التفكير من المكان الذي نعيش فيه»، ومن الواضح أن المجتمع الريفي المتماسك من الطبقة العاملة الذي نشأ في إطاره بقي كنقطة مرجعية دائمة في عمله، وعلى نحو ما مصدر تركيزه طوال حياته على قيم التضامن والعمل الجماعي، وربما أيضاً سر موقفه النقدي تجاه الثقافة الإنجليزية الرسمية التي واجهها في جامعة كامبريدج (1939) عندما أقبل للدراسة بمنحة حكومية للطلبة المتفوقين من الأقاليم. وهو في كتابه «السياسة والآداب» يروي «أن أحد المحاضرين بالجامعة قال إنه لا يمكننا الآن أن نفهم حقيقة معنى (الجار) في أعمال شكسبير لأننا نعيش في حضارة ميكانيكية فاسدة ليس للجيران فيها قيمة تذكر، فنهضت وأجبته، لا يا سيدي، أنا من ويلز، وأعرف جيداً ما تعنيه الجيرة».
لدى التحاقه بكامبريدج وجد ويليامز متنفساً طبيعياً في إطار الاتجاهات اليسارية التي كانت قوية هناك، لكنه استدعي للخدمة العسكرية مع نهاية سنته الجامعية الثانية (1941) وشارك في إنزال نورماندي بمراحل الحرب الأخيرة (1944) ومعارك (تحرير) بروكسل. وقد هالته تلك التجربة وكثفت مقته للعنف، فكان أن رفض استدعاءه للخدمة في كوريا بداية الخمسينات، وعاد لدراسته حيث كتب أوراقاً عن جورج إليوت وهنريك إبسن. وبعد تخرجه عام 1946 عمل مدرساً للكبار في جمعية العمال التعليمية، حيث كان يدرس مساء، ويكتب، بانتظام حديدي، في الفترة الصباحية. وباستثناء فترة وجيزة كأحد محرري مجلة «السياسة والآداب»، مارس ويليامز نقده الثقافي من خارج أسوار الأكاديمية طوال خمسينات القرن الماضي وكانت ذروتها كتبه المفصلية «الثقافة والمجتمع – 1958»، و«الثورة الطويلة – 1961». وقد تم تعيينه زميلاً في كامبريدج (1961)، واستمر بالتدريس هناك حتى تقاعده المبكر عام 1983.
وخلال سلسلة قراءات نقدية لعدد من المفكرين الإنجليز - من إدموند بيرك إلى توماس كارليل، ومن ماثيو أرنولد إلى تي إس إليوت - انتزع ويليامز تصورا أكثر شمولا للثقافة من ذلك التقليد الرجعي الغالب الذي يجعلها من انشغالات النخبة، وانتقد بشدة حصر منطق الإنتاج الثقافي بأقلية مهيمنة مانحاً مساحة تحت الشمس للمنتج الثقافي للطبقات المهمشة فيما يعرف الآن بالثقافة الشعبية بتمظهراتها الكثيرة: الأزياء والموسيقى والسينما، والتلفزيون والإذاعة وطرز العمارة والأغنيات وغيرها، ولتأخذ مكانتها الاستثنائية في المواجهة مع السلطات سياسية وثقافية واجتماعية.
شن ويليامز هجوماً ساحقاً على المفكرين الذين كانوا يوجهون سهام نقدهم إلى الحداثة بوصفها فتحت الباب أمام فوضى ثقافية من خلال التصنيع الرخيص والانتشار الشعبي، ويعتبرون نماذج الثقافة الرفيعة نوعاً من معقل أخير للقيم المتحضرة يتعرض للحصار. كانت تلك - عنده دائماً - نظرة قاصرة، فالحداثة جلبت منافع هائلة للبشرية كالكهرباء والطاقة البخارية والسينما، لكن تقاطعها مع النظام الرأسمالي هو ما تسبب في توظيف منجزاتها العبقرية تلك لغايات تعظيم الربح، وما يعنيه ذلك ضمناً من الانقسامات الطبقية وتفاوت الدخول التي أفسدت ذائقة الجماهير. ورفض أي تعامل فوقي يجعل من الثقافة نشاطاً منعزلاً للترفيه عن النخب، موسعاً المفهوم ليشمل كل «الجهود الضرورية التي نبذلها كل يوم لفهم بيئتنا - من خلال تفسيرها ووصفها – حتى نتمكن من العيش فيها بنجاح أكبر».
كان تمركز ويليامز جلياً في جهة اليسار وإن ظل بعيداً عن السياسة الحزبية بعد خيبة أمله من رمادية حزب العمال، لكنه لم يوفر أحداً من نقده الثقافي بما في ذلك تلك النظرة الميكانيكية للماركسية التي جعلت من الثقافة مجرد تابع ذليل لبنية الاقتصاد، واعتبرها بدلاً من ذلك بمثابة مجال أساس للصراع الطبقي يتم فيه التعبير عن هياكل السلطة والتنازع معها، وأصر على أن فكرة النظام الاجتماعي المستقبلي يجب أن تكون محددة بدقة شديدة، وتبدأ في أي بلد معين أو منطقة معينة مما هو موجود ماديا أو متاحٌ، ولا تستورد جاهزة ومكتملة من تجارب أمم أخرى، إذ لا توجد عنده قفزة سحرية من حاضر تسوده الفوضى الكاملة إلى بديل مثالي، بل عملية طويلة لا تنتهي أبدا من النضال – الديمقراطي - من أجل طرق أكثر عدلا ومساواة للعيش معاً.
طوال هذا الوقت، كتب ويليامز بغزارة في أعمال النظرية الثقافية والنقد والتحليل فصدرت له أكثر من 30 عملاً مطبوعاً، ونشر عدة روايات فضلاً عن مئات المقالات والمراجعات في الصحف والمجلات، وبرز كشخصية رئيسية في تيار اليسار الجديد الذي سعى إلى تقديم بديل اشتراكي أوروبي عن التجربة السوفياتية، وأصبح من موقعه في كامبردج أحد نجوم الأكاديمية الغربية الذين يشار إليهم بالبنان، رغم تناقضه الفكري مع تلك المؤسسة المفرطة النخبوية لا سيما بعدما خط نهجاً مميزاً في النقد الأدبي يعتمد على ما سماه بـ(المادية الثقافية) على النسق الذي طرحه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي من ارتباط بنيوي بين هيمنة النخب والأدوات التي تشكل ثقافة المجتمعات.
وُجه إلى ويليامز الكثير من النقد المستحق لناحية تمركز فكره حول الحالة البريطانية حصراً وانغلاقه عن الفكر الأوروبي وحتى الإنتاجات الأدبية الأميركية. كما أنه وباستثناء جورج إليوت، بدا غير معني بالتجارب الأدبية النسوية، ووقع أسير حالة الفوبيا التي سادت أجواء اليسار البريطاني المهلهل من كل ما هو سوفياتي وبالتبعية لكلاسيكيات الماركسية اللينينية، الأمر الذي سمح لتلاميذه الأوسع أفقاً بالتفوق عليه، كما في حالة ستيوارت هول مثلاً الذي لا يُخفي انطلاقه من مكان ما بالقرب من ويليامز، ولكنه حلق بالدراسات الثقافية والتحليل السياسي المرتبط بها ونقد الإمبراطورية والرأسمالية كظاهرة ثقافية معولمة إلى مستوى آخر تماماً.
ومع ذلك، وفي ذكرى مائة عام على مولده، لا مناص من منحه مكانته المستحقة كمفكر ترك بصمة كبيرة على الجيل اللاحق من الدراسات الثقافية، وكصاحب تجربة شجاعة في تحدي المسلمات والأوضاع القائمة والانخراط الإيجابي في المحاولة النبيلة لبناء بديل عملي للعيش يتجاوز الرأسمالية خلال فترة السبعينات والثمانينات، ويشكل مجموعة أعماله – بما فيها رواياته الأدبية - ممراً لا يمكن تجاوزه لفهم ثقافة وأدب وتاريخ بريطانيا خلال مرحلة الحداثة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».