الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»

طموحات الساسة تُعيد الخلافات من جديد

الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»
TT

الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»

الأزمة الليبية بانتظار «صندوق الانتخابات»

استنفد الأفرقاء الليبيون جُل ما تبقى لهم من وقت دون «توافقات مُرضية»، باتجاه تجهيز ليبيا إلى إجراء انتخابات رئاسية ونيابية وفق خارطة الطريق الأممية. إلا أنه، مع أقل من 90 يوماً على الموعد المُرتقب اشتعلت الخلافات بينهم ثانية، ودخلت الأزمة مفترق طرق، وبات كل معسكر يرى الحل إما في صندوق الانتخابات، وإما العودة إلى صندوق الذخيرة!
والحقيقة أنه منذ فرغ «ملتقى الحوار السياسي الليبي» في جنيف، بداية فبراير (شباط) الماضي، من اختيار السلطة التنفيذية المؤلفة من «المجلس الرئاسي» و«حكومة الوحدة الوطنية»، لم تفلح الأطراف السياسية الممثلة بالملتقى في وضع الأساس الدستوري اللازم لإجراء الاستحقاق المُرتقب، بل حرص كل منهم على تكريس مكتسباته الجهوية، وفتح المجال العام أمام معسكره المنتمي إليه «سياسياً وعسكرياً». ولمزيد من تعقيد الأزمة، سحب مجلس النواب الثقة من حكومة عبد الحميد الدبيبة، في إجراء مفاجئ وُصف بأنه يهدد بنسف «اتفاق جنيف».

أمام تعدد جولات الأفرقاء الليبيين قاصدين جنيف، وتعثر مناقشاتهم في التوصل إلى «قاعدة دستورية» للانتخابات، انتقل الصراع إلى مجلس النواب بقصد إنجاز قانون يجيز انتخاب رئيس ليبيا المقبل.
وفي ظل إصرار أميركي على التعجيل في وضع «اللمسات الأخيرة» على تشريعات الانتخابات، وهناك مدينة طبرق (شرق ليبيا) – حيث مقر مجلس النواب – لم يسلم الأمر من تشاجر واشتباكات بالأيدي بين بعض النواب داخل الجلسات، كل حسب انتمائه وجبهته والطرف الداعم له، بشأن بعض بنود القانون المتعلقة بانتخاب الشخصيات المدنية والعسكرية، حتى انتهى الأمر بمصادقة رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، على القانون. لكن هذا حصل من دون طرحه على النواب للتصويت، والدفع به إلى المفوضية العليا للانتخابات، ما أثار استياء واسعاً لدى معسكر غرب ليبيا، بزعامة «المجلس الأعلى للدولة».
لقد تمحور الخلاف حول المادة (12) من القانون، وتنص على إمكان ترشح أي شخص عسكري أو مدني بشرط التوقف «عن العمل وممارسة مهامه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر، وإذا لم يُنتخب فإنه يعود لسابق عمله».
ويرى مراقبون أن الليبيين بمختلف انتماءاتهم وإن كانوا هللوا فرحاً بانتخاب السلطة التنفيذية قبل قرابة ثمانية أشهر من الآن، لكن الوضع اختلف الآن مع تعاظم الأزمة. وعقب قرار البرلمان بسحب الثقة من حكومتهم أصبحوا ينتظرون موعد الانتخابات يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل إذا ما أجريت، «كي يثأر كل فريق من خصمه، وهو ما يُعد ترحيلاً للأزمة وعودة للانقسام السياسي، وليس حلها على أسس من التوافق والوئام الأخوي».
غير أن «المجلس الرئاسي» دعا السلطة التشريعية إلى تحمل مسؤولياتها الوطنية والقانونية لإنجاز التشريعات المطلوبة لإتمام العملية الانتخابية في موعدها، حرصاً على سلامة سير العملية السياسية وفق خارطة الطريق المعتمدة بملتقى الحوار السياسي. وقال إنه يتابع عن كثب تداعيات قرار مجلس النواب المتضمن سحب الثقة من الحكومة، وما صاحب ذلك من تداعيات مختلفة. وأيضاً طالب «المجلس» الحكومة بالاستمرار في عملها، وضرورة التزام جميع الأطراف بتحاشي اتخاذ أي خطوات تصعيدية، وتجنب كل ما من شأنه زيادة التوتر الشعبي، والعمل على التهدئة ضماناً لسير العملية الانتخابية في مناخ إيجابي.

- حفتر والرئاسة
من ناحية أخرى، مبكراً استبقت شخصيات سياسية عدة في شرق وغرب ليبيا، الجدل القانوني المُثار حول قانون الانتخابات، وأعلنت ترشحها لرئاسة البلاد، من بينهم فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق بـ«حكومة الوفاق» والرجل القوي بغرب ليبيا، والدكتور عارف النايض، رئيس «تكتل إحياء ليبيا»، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «رئيس البلاد المنتخب مباشرة من قبل الليبيين، ومعه البرلمان الجديد، سيعملان معاً على إنهاء الانقسام، وبناء البنية الأمنية للبلاد».
ولكن يسود اعتقاد بأن القانون المكون من (77) مادة، ويُعنى بتنظيم الانتخابات الرئاسية المقررة، أعد على مقاس المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، لكن الأخير استبق تنحيه المؤقت عن مهامه، ودافع عن أحقية العسكريين في المشاركة بالعملية الانتخابية، وقال: «نحن نمر بمرحلة قادمة مرحلة سلمية. نحن عمرنا ما رفضنا السلم. ولأول مرة جنود القوات المسلحة وضباطها يشتركون في عملية الانتخابات لأنه حق». وما يذكر أن حفتر علق مهماته العسكرية رسمياً ثلاثة أشهر حتى موعد الانتخابات المرتقبة، وفقاً لاشتراطات القانون المثير للجدل، وذلك أملاً في خوض الماراثون الرئاسي، وكلف الفريق أول عبد الرزاق الناظوري، رئيس الأركان، بمهام منصب القائد العام.
وهنا تساءلت زهراء لنقي، عضو «ملتقى الحوار السياسي» قائلة: «ماذا لو بدأت العملية الانتخابية في 24 ديسمبر بإعلان بدء حملات المرشحين الانتخابية، وصار التصويت في 17 فبراير، هل سيعني ذلك أن من أعلن أنه في إجازة أنه سينقطع عن عمله حتى العام المقبل؟»... وتابعت: «وماذا لو كانت الانتخابات الرئاسية على جولتين أولهما في الموعد المحدد، والثانية في 17 فبراير أو 19 مارس (آذار) أو في شهر سبتمبر (أيلول) كما جاء في المقترح الأميركي؟ أذلك يعني أن الإجازة ستمتد على الأقل قرابة نصف عام أو سنة على الأكثر؟».
وكانت ترددت أنباء حول دخول صالح، في إجازة لمدة ثلاثة أشهر استعداداً للانتخابات الرئاسية، لكن فتحي المريمي، مستشاره الإعلامي، نفى ذلك في تصريحات، وقال: «حتى هذه اللحظة، رئيس مجلس النواب يمارس عمله ولم يطلب إجازة أو قدم استقالة للتقدم للرئاسة، (ربما غداً أو بعد غد أو الأيام المقبلة)، ربما يكون هناك شيء جديد من هذا». ويرى مقربون من معسكر شرق ليبيا، وجود تقاطع في ترشح حفتر وصالح معاً، إذا أقدم الأخير على ذلك. لكن هناك من يبرر بأن قانون الانتخابات فتح المجال لترشح أي شخصية طالما أن لديها ضمانات بالعودة إلى ممارسة منصبها، أو الإحجام عن ذلك وفق اتفاق مسبق بينهما.
ولقد سبق لمسؤولين أميركيين الكلام عن إمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية على مرحلتين، تبدأ في 24 ديسمبر وتنتهي في 22 سبتمبر 2022.

- الدبيبة والميدان
وبموازاة التسارع باتجاه الانتخابات في شرق ليبيا، تنطوي الأوضاع في غربها على تكتم شديد. إذ لا يحق لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة الترشح للانتخابات، فوفق ما تعهدت به السلطة التنفيذية أمام «ملتقى الحوار» بجنيف، لا يجوز لأي منها الترشح في الانتخابات المقبلة، غير أن البعض يستند إلى القانون الذي وقع عليه صالح لكونه فتح المجال أمام الجميع شريطة التقدم بالاستقالة قبل مضي ثلاثة أشهر من موعد الاستحقاق.
وأمام تأزم الأوضاع وانقطاع «شعرة معاوية» بين الحكومة ومجلس النواب - ما دفع الدبيبة إلى دعوة الجماهير للتظاهر في الميادين اعتراضاً على قرار سحب الثقة - سعى البعض إلى تهدئة الأمور، غير أن الدبيبة أكد على «موقف حكومته الداعم لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للشعب الليبي». وعلّق محمد حمودة، المتحدث باسم الحكومة، على إمكانية ترشح حفتر للرئاسة، وقال إن «كل مواطن له الحق في الترشح وأن يطرح مشروعه، وهذا هو الخيار الأمثل للوصول إلى السلطة، وليس عبر القوة واستخدام التهديد؛ ونرحب بأي ترشح ما دام يلتزم بالقواعد الدستورية والقانونية»، لكن حمودة اكتفى بالرد حول ما إذا كان الدبيبة سيترشح، وقال: «لم يُصرح بأنه سيترشح في الانتخابات، ولا نعلم ما يدور في ذهنه بهذا الخصوص».
غير أن ترحيل الأزمة الليبية بجميع تفاصيلها إلى صندوق الانتخابات، نظر إليه بعض السياسيين على أنه «حل كارثي»، و«سيفتح الباب لمزيد من الانقسام السياسي»، الذي عملت السلطة التنفيذية الحالية على إزالته، فضلاً عن عدم تمكن أي من المرشحين للرئاسة بالتجول في مناطق خاضعة للمنافس، وهنا يرى محمد المُبشر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة»، ضرورة عقد لقاء يضم «كل الفاعلين» في المجتمع الليبي من الأكاديميين والشخصيات الاجتماعية والشباب إلى حوار حقيقي في مدينة غدامس (جنوب ليبيا) قبيل إجراء الانتخابات، لتطرح فيه كل الحلول الممكنة.
وقال المُبشر، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن «التجاذبات التي تشهدها البلاد جعلت غالبية الليبيين يعتقدون أن الأجسام، التي كانت سبباً في المشاكل، فشلت حتى الآن في أن تكون جزءاً من الحل». وتحدث المُبشر عن تمكن بعض الأطراف الدولية بملف الأزمة في ظل استلاب القرار المحلي، لكنه لفت إلى أهمية «اتفاق الجميع على ميثاق... بعيداً عن الخارج ورحلات السياحة السياسية، لعله يعيد جزءاً من الفعل الليبي إلى الداخل».

- الموقف من سيف القذافي
في سياق متصل، انعكست الاختلافات بين معسكري شرق وغرب ليبيا أيضاً على الموقف من إمكانية السماح بترشح سيف الإسلام، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، الذي لوّح بإمكانية خوضه الاستحقاق أيضاً. إذ قال الدبيبة إنه (سيف الإسلام) يمكنه تقديم أوراق ترشحه باعتباره «ابن قبيلة مهمة»، لكنه اعتبر أنه يجب قبل ذلك معالجة مشاكله القانونية، في إشارة إلى المطالب المتكررة من المحكمة الجنائية الدولية بتسليمه ومحاكمته. أما صالح - في إشارة ضمنية لسيف الإسلام - فشدد على أنه «لا يحق لأي شخص محكوم عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية الترشح لرئاسة الدولة الليبية»، وهو ما أثار أيضاً ردود أفعال غاضبة من الموالين للنظام السابق.
ومع هذا التباين، ثمة من يرى أن البرلمان أخطأ بقرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة، وهناك مَن انتقد الظهور الإعلامي لرئيس البرلمان عشية إصدار القرار، إذ قال الأكاديمي الليبي المختار الجدال: «من الخطأ خروج رئيس البرلمان لتبرير القرار الذي أصدره، فهو بذلك لا يختلف في شيء عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية». وتحدث عن مدى تمتع المرشحين المحتملين بإمكانية التجول في مناطق خصومهم، متسائلاً: «هل سيرضى الطرف الآخر الذي يتمترس خلف الميليشيات وتركيا أن يطلق خليفة حفتر، حملته الانتخابية في الوطن الغربي والقبول بنتائج الانتخابات لو وصل عبر الصندوق لرئاسة الدولة؟ وبالمقابل هل يسمح الجيش في الوطن الشرقي والجنوبي بأن يطلق مرشح الإخوان حملته، والقبول بنتائج الصندوق؟».

- أميركا وأوروبا
في هذه الأثناء، استدراكاً لتصاعد الموقف في ليبيا والحفاظ على بنود اتفاق جنيف، دفعت قوى أميركية وأوروبية بثقلها لإنجاح العملية السياسية في ليبيا وإجراء الانتخابات المرتقبة، دون وضع العراقيل التي تحول دون ذلك في الحسبان. إذ حذر وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، الذي عقد اجتماعاً وزارياً حول ليبيا مع نظيريه الفرنسي جان إيف لودريان والألماني هايكو ماس في نيويورك، حيث تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة، من عدم إتمام الانتخابات الليبية، وقال إن ذلك «يعرض استقرار المنطقة للخطر». وأردف دي مايو: «دعونا نواصل العمل للتأكد من أن المجتمع الدولي يدعم العملية السياسية الليبية، بما فيها من انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وهو أمر ضروري». ولتأكيد وجهة نظره، قال إن «الانتخابات يريدها الشعب الليبي الذي يطالب بالحياة الطبيعية. وإن عدم التصويت من شأنه تعريض استقرار المنطقة بأكملها للخطر وقد يفتح مرحلة جديدة من العنف، ويمكن أن تؤثر التأثيرات أيضاً على بلدنا والاتحاد الأوروبي بأكمله».
وعلى الخط نفسه، أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الذي التقى رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، دعم الولايات المتحدة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المحدد.

- السلطة التنفيذية في ليبيا... 8 أشهر من محاولات إنهاء الانقسام
قبل قرابة ثمانية أشهر من الآن، أعلنت ستيفاني ويليامز، مندوبة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة، من جنيف، انتخاب أعضاء السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا، ليصبح محمد يونس المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية». ومنذ ذلك التاريخ بدأت هذه السلطة بشقيها ممارسة أعمالها، والتقريب بين الليبيين، وإن كان بشكل لم يرضِ جميع الأطراف في البلاد، وذلك عبر مسارات عدة، وهذه جوانب منها:
> 16 فبراير (شباط) الماضي، استهل المنفي، أولى زياراته إلى طرابلس العاصمة، بعدما أنهى زيارة إلى المنطقة الشرقية بدأها من مدينة بنغازي شملت طبرق والبيضاء، حيث أجرى لقاءات مع قائد «الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح، كما التقى عدداً من أعضاء مجلس النواب وشيوخ القبائل.
> 10 مارس (آذار) الماضي، مجلس النواب الليبي يمنح الثقة لحكومة الدبيبة بغالبية ساحقة، والأخير يتعهد بالعمل لإنجاح المصالحة الوطنية ودعم مفوضية الانتخابات.
> 16 مارس تسلمت الحكومة مهام عملها من «حكومة الوفاق الوطني» بطرابلس، و«الحكومة المؤقتة» بشرق ليبيا، بطريقة سلسة ودون منغصات. وعانق فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي السابق، الدبيبة أثناء تسليمه السلطة. وقال خلال مراسم مقتضبة «إنني هنا اليوم لترسيخ مبادئ الديمقراطية».
>25 فبراير الماضي، تعهد المنفي بالسعي إلى تعزيز وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال القتالية كافة على كامل التراب الليبي، وإفساح المجال للجنة العسكرية المشتركة «5+5» مع توفير كل سبل الدعم من أجل توحيد المؤسسة العسكرية، وإنشاء المفوضية الوطنية للمصالحة.
> 19 أبريل (نيسان) أصدر المنفي، توجيهاً إلى جميع وحدات الجيش الليبي، بشأن حظر العسكريين من الظهور الإعلامي والإدلاء بتصريحات ذات طابع سياسي، وكذلك حظرهم من السفر إلى الخارج إلا بإذن مسبق من القيادة العليا أو من قبل إدارة الاستخبارات العسكرية.
> 27 أبريل توجّه المنفي إلى مدينة سرت لحضور الاجتماع الرابع للجنة العسكرية «5+5».
> 10 مايو (أيار) الماضي، التقى المنفي وعضو المجلس موسى الكوني، مجموعة من مشايخ وأعيان مدينتي مصراتة وزليتن، في مدينة طرابلس، وتناول اللقاء ضرورة تطبيق «المصالحة الوطنية ولمّ شمل الليبيين».
21 مايو تعهّد الدبيبة خلال زيارته إلى مدينة بني وليد برفقة عدد من وزرائه، بإصلاح ما دمرته الحرب، وتحويلها إلى ساحة للبناء والتشييد والإعمار في المرحلة المقبلة، وليس ساحة للحرب والقتال.
3 يوليو (تموز) الماضي، بارك حفتر للشعب الليبي فتح الطريق الساحلي، فيما رحب الدبيبة بهذه الخطوة واعتبرها خطوة جديدة في البناء والتوحيد.
> 4 يوليو الماضي، أكد الدبيبة حرصه على تحقيق التداول السلمي للسلطة في البلاد، مشدداً على توفير «كل الدعم» من أجل إجراء انتخابات قبل نهاية العام الجاري.
> 17 يوليو الماضي، تعهّد الدبيبة بإخراج أي قوة أجنبية أو «مرتزقة» من ليبيا، كما أكد على جعل الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل «واقعاً».
> 21 أغسطس (آب) الماضي، قال الدبيبة إنه لا يعارض لقاء حفتر إذا اعترف به كرئيس للحكومة ووزير للدفاع.
> 23 أغسطس الماضي، الدبيبة قرر تخصيص 100 مليون دينار لأسر الشهداء والمفقودين والمبتورين.
>14 سبتمبر (أيلول) الجاري، الدبيبة سلم الدفعة الأولى من صكوك منحة دعم الزواج لمستحقيها.
> 16 سبتمبر الجاري، وقعت حكومة الدبيبة مع مصر 14 مذكرة تفاهم مشترك و6 عقود تنفيذية.
> 21 سبتمبر الجاري، حجب مجلس النواب الليبي الثقة عن حكومة الدبيبة، لتستمر في تسيير أعمالها اليومية كحكومة تصريف أعمال.
22 سبتمبر الجاري، دعا الدبيبة المواطنين للتظاهر في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس، للتعبير عن رأيهم رداً على قرار مجلس النواب الذي سحب الثقة من حكومته، وقال: «سيسقط البرلمان بعون الله ولن يكون ممثلاً لليبيين بهذه الصورة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.