«عرب أفغانستان»... وصفة لفهم تركيبة الأعراق المختلطة

يعتقدون أنهم من السلالات الأولى التي نشرت الدين الإسلامي في البلد

دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
TT

«عرب أفغانستان»... وصفة لفهم تركيبة الأعراق المختلطة

دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان

تتميز دراسة «عرب وسط آسيا في أفغانستان... التحول في نظام الرعي البدوي»، التي صدرت طبعتها العربية الثالثة أخيراً، بأنها تتعدى مساحة البحث الأفغانية لتساهم في فهم تركيبة الدول مختلطة الأعراق، والتعامل معها على أسس علمية دقيقة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية على السواء.
وهي دراسة جادة دخلت أعماق مجموعة من الناس ينتسبون إلى العرب، ويعتقدون أنهم من السلالات العربية الأولى التي نشرت الدين الإسلامي في تلك الديار. ومنهم من يعتقد أنهم من العرب الذين أحضرهم تيمورلنك إلى تلك الديار بعد أن استولى على دمشق.
صدرت الدراسة عن «مركز البحوث والتواصل المعرفي»، وأعدها البروفسور توماس جي. بارفيلد، ونقلها إلى العربية المترجم المختص في شؤون وسط آسيا محمد بن عودة المحيميد. وتصّور هذه الدراسة وضع أقلية عربية في السبعينات من القرن العشرين، تعيش في شمال شرقي أفغانستان، وتمارس الرعي بالارتحال إلى مواطن الكلأ في منطقة قطغن من محافظة قندوز وجبال بدخشان فوق جبال البامير، وتتميز بعاداتها وتقاليدها، ورغم أنها فقدت لغتها العربية، لكن ظلت هويتها العربية راسخة.
وكانت الدراسة في الأصل مشروعاً تقدم به بارفيلد لنيل درجة الدكتوراه في جامعة هارفارد عام 1978، ونشر باللغة العربية بترجمة محمد المحيميد في طبعته الأولى والثانية في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية» عامي 2002 و2010. أما الطبعة الثالثة فصدرت مؤخراً عن «مركز البحوث والتواصل المعرفي». وتميزت الطبعة الأخيرة بدقة تحريرها واحتوائها على تصويبات وإضافات وملحق بالصور المعبرة من أرشيف المؤلف نفسه.
يتوزع الكتاب على مقدمة، وخاتمة، و6 فصول... فقد هدف بارفيلد من خطة البحث إلى الوصول لفهم للاقتصاد الرعوي وعلاقته بالتركيبة الاجتماعية البدوية، بيد أنه سرعان ما أصبح من الواضح على أرض الواقع، أن البحث يجب أن يتوسع ليتناول البدو بصفتهم جزءاً من نظام إقليمي، ويشمل اتصالاتهم مع الأسواق الحضرية، والقرى الزراعية، والهياكل الحكومية. ويركز بصورة أساسية على تحول الرعي من الأغراض المعيشية إلى غرض تجاري بحت لكثير من البدو، ومنهم العرب، بعد التنمية التي حدثت في أفغانستان وفي منطقة قطغن بوجه خاص، وتشييد الطرق واستصلاح الأرض للزراعة وفتح منافذ لتسويق الفائض من الأغنام، فارتفعت أسعار الأغنام بشكل كبير، مما جعل كثيراً من العرب يتخلى عن الرحيل بأسرهم من أجل الكلأ إلى المراعي دون أن يتخلوا عن مهنة الرعي، وعملوا بالاستثمار في حواضر المدن والاشتغال بالزراعة إضافة إلى الرعي.

- دراسة أنثروبولوجية
تُمثل الدراسة - كما يقول المؤلف - وصفاً إثنوغرافيّاً لعرب وسط آسيا، وهم فئة لا يُعرف عنهم إلا القليل، يقطنون في الشمال الشرقي لأفغانستان، كما تُقدّم توضيحاً للتغيرات التي طرأت على طريقة معيشتهم خلال السنوات الخمسين الماضية.
تميّز الدراسة الأنثروبولوجية (علم الإنسان الوصفي)، بين نظام الرعي الذي تُعد الأغنام فيه جزءاً من الاقتصاد للأغراض المعيشية، وبين النظام الذي تُعد الأغنام فيه أشياء ربحية؛ «محصولاً نقديّاً». وجاء هذا التمييز ليكون المفتاح في فهم التحول الذي طرأ على نظام الرعي البدوي في قَطَغن، إلى صيغة تجارية على نطاق واسع، وهو أيضاً يساعد على شرح ما يبدو أنهما نموذجان متعارضان للعمليات الاقتصادية في محيط البدو الرعاة.
ويلاحظ مترجم الكتاب محمد بن عودة المحيميد أن هذه الدراسة تسدّ نقصاً في المكتبة العربية التي تعاني نقصاً شديداً في الدراسات الأنثروبولوجية الإثنوغرافية التي تتناول المجموعات العرقية في العالم.
ويضيف أن «هذه الدراسات مهمة في فهم تركيبة الدول المختلطة الأعراق، والتعامل معها على أسس علمية دقيقة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية على السواء». وقد أفاد الغرب من هذه الدراسات كثيراً وأخذ المعلومات التي تتعلق بشعوب العالم مأخذ الجد، فنفعته ودعمت مصالحه السياسية والاقتصادية والثقافية.
ولا يقتصر المؤلف في دراسته على هذه المجموعة الموجودة في أفغانستان، وإن كانت محوراً رئيسياً فيها؛ إذ يعود إلى الخلف ليلقي الضوء على تاريخ هذه المجموعة، والهجرات التي قامت بها. ويحدثنا عن تاريخ العرب في وسط آسيا عموماً، ويستعرض الدراسات والإحصاءات المتعلقة بها.
يقول المؤلف: وصلتُ إلى أفغانستان في يناير (كانون الثاني) عام 1975 وفي ذهني هذه المشكلة الأنثروبولوجية، وكنت قد قمت قبل ذلك برحلتين استكشافيتين في صيفي عام 1973 و1974، وعلى عدم توفيرهما بيانات إثنوجرافية لي؛ إلا إنهما مكنتاني من إجراء اتصالات ثبت في النهاية أنها في غاية النفع».

- تعريف البدو
يرى الكتاب أن القضية الأولى التي لا بد من إثارتها؛ هي: تعريف البدوي محترف الرعي، فقد ابتُليت دراسة البدو بالافتتان بالتصنيفات الأكاديمية، وأدت هذه الدراسات التصنيفية النابعة من علم الجغرافيا الثقافية إلى سوء فهمنا للبداوة أكثر من أن تقدم تبصراً أعمق لطبيعة هذا النمط من الحياة.
في حين قدم بيكون (1954) تصنيفاً كلاسيكياً للبداوة غالباً ما يستشهد به؛ وهذا التصنيف قسّم البدو إلى ثلاث طبقات: البدو الأقحاح، وأشباه البدو، وأشباه المستقرين، معتمداً في هذا التقسيم على المدة الزمنية التي تقضيها كل فئة في الترحال ومزاولة الزراعة... فالبدوي القح يعيش في خيمة طوال السنة، ويربي الحيوانات فقط، أما غيره شبه المستقر فيعيش في منزل، ويزاول بعض الزراعة، ويربي الحيوانات، ويمضي جزءاً من العام في خيمة.
ويرى المؤلف أن هناك مشكلات في التعامل مع هذا التصنيف، فالتحرك وعدم مزاولة الزراعة إذا لم يجر تناولهما وفق بيئة محددة؛ فلن يقدما إلا القليل في إطار هذا التصنيف، وظاهريّاً؛ فإن البدوي القح لا بد من أن يكون مختلفاً جداً عن البدوي شبه المستقر، إلا إن النظرة الفاحصة إلى الأسباب التي تجعل بعض البدو أكثر تحركاً من بدو آخرين تؤدي إلى نتيجة غير السابقة.
وهو يعتقد أن النتيجة المؤسفة لهذه التصانيف هي استدامة أسطورة «البدوي القح»، وبالطبع؛ فإن أفضل البدو الأقحاح هم الذين يقطنون في الخيام طوال السنة ولا يشتغلون بالزراعة مطلقاً، ويعدّ وسط آسيا؛ الذي تشكل حدوده الجنوبية مجال هذه الدراسة، الموطن التقليدي للبدو الأقحاح. يلاحظ كذلك أن البدوي «القح»، رغم هذا النموذج الأول؛ ظل غامضاً إلى حد بعيد عبر القرون... فلقد بدا «الهسيونج نو» الذين عاشوا على الحدود الصينية في القرن الثاني قبل الميلاد بدواً أقحاحاً مثاليين حتى كُشف النقاب عن أن خُمس مجموع دخل الإمبراطورية الصينية السنوي قد استخدم لاستمالتهم. ومنذ ذلك الوقت كانت للقبائل البدوية على الحدود الصينية علاقات تجارية وابتزاز مع الإمبراطورية الصينية. هذه العلاقات أنتجت القليل فقط من المشردين الذين كانوا هم حقاً بدواً أقحاحاً، وهذا ما حدا بـ«لاتيمور» أن يعلن: «إن البدوي القح هو حتماً البدوي الفقير» (1940).

- العرب في قَطَغن
يتناول الكتاب وضع الأقلّية العربية في منطقة قطغن من محافظة قندوز وجبال بدخشان فوق جبال البامير، والتي كانت تعيش في شمال شرقي أفغانستان، وتمارس الرعي بالارتحال إلى مواطن الكلأ، ولها عاداتها وتقاليدها، ومع أنها فقدت لغتها العربية، إلا إن هويتها العربية ظلت راسخة.
المنطقة التي تعيش فيها هذه الأقلية العربية كانت محفوفة بالمخاطر، من حيث الأوبئة وعمليات الترحيل. ويقول المؤلف: «تحتضن منطقة قَطَغن نهري قندز وخان آباد مجتمعين مع جزء من نهر آمو قبل دخوله الصحراء... وعندما تنساب هذه الأنهار من منابعها الجبلية وتصل إلى السهول تغمر مياهها وديان مستنقعات القصب الواسعة بالراسب الطفالي مع الملاريا المستوطنة المشهورة ببشاعتها في جميع أنحاء أفغانستان، وكان المثل المشهور يقول: (إذا أردت أن تموت؛ فاذهب إلى قندز)، وقد وجد (وود) الذي كان يزور قندز عام 1838 أنها: (مكان لا يصلح إلا لسكن الطيور المائية، ونتيجة لذلك لم تكن المنطقة جميعها مأهولة بالبشر إلا بقدر ضئيل جداً».
أما جبال بدخشان؛ فقد نجت من الأوبئة لأنها منطقة جبلية، لم تُبْتَلَ بأمراض السهول؛ إلا إنها في الثلاثينات من القرن التاسع عشر عانت أعمال السلب التي كان يقوم بها مير قندز مراد بك، الذي لم يكتف بشن الغارات على المناطق الحدودية من الغرب، بل أخلى شخصيّاً بدخشان من السكان في محاولة منه لإحلال أقوام من طاجيك الجبال في قَطَغن.
وقد سببت سياسة إجلاء السكان التي اتبعها مراد بك أولاً، ثم سيطرة الأفغان على بدخشان ثانياً، توفير المراعي الجبلية، وهذا سهل قدوم العرب إلى الأراضي المرتفعة، وكما كانت الحال في بخارى: تحالف العرب مع الأوزبك وخضعوا لسيطرة الدولة التي كانت في هذه الحالة الدولة الأفغانية، مقابل استخدام أفضل المراعي في المنطقة.
وحتى عهد أمان الله (1919 – 1929)، كانت قَطَغن تُحكم بشكل عشائري، وفي عام 1921 أعاد نادر خان، وزير الحرب الذي أصبح ملكاً فيما بعد، تنظيم قَطَغن على نمط بيروقراطي.
في عام 1884 قدرت تقارير سريّة عن العرب على حدود أفغانستان كتبتها الفرق البريطانية التي قامت بمهمة مسح الحدود الأفغانية، وهي التي تقدم معلومات غزيرة عن العرب أفضل مما تضمنته أحدث المصادر، فقد وجد الإنجليز أن العرب كانوا في عام 1884 يشكلون المجموعة الثانية من حيث الكثافة السكانية في سهول تركستان، وهذا (الإحصاء) يستبعد أولئك العرب الذين استوطنوا في قَطَغن؛ لأنهم مع قدم استيطانهم في هذه المنطقة، تحاشوا أن يكونوا طرفاً في النزاعات السياسية.
يخلص الكتاب كذلك إلى أن العرب في أفغانستان مرتبطون بالاقتصاد الإقليمي ومشروعات الدولة والحكومة الوطنية. وعلى انعزالهم، فيما يبدو، إلا إنهم عبر تاريخهم كانوا متأثرين بالعالم الخارجي. فقد تأثر نظامهم الرعوي البدوي بالتغيرات السياسية، والمعاهدات العالمية، والتحولات في طلبات السوق. وعملهم أكثر من مجرّد نقل الأغنام من مكان إلى آخر، فالبدو الرعاة في قَطَغن ملتحمون بالاقتصاد الإقليمي بشكل فعلي، وبمقارنتهم بمزارعي القمح؛ فهم أكثر ارتباطاً بالأسواق الحضرية.


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.