«عرب أفغانستان»... وصفة لفهم تركيبة الأعراق المختلطة

يعتقدون أنهم من السلالات الأولى التي نشرت الدين الإسلامي في البلد

دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
TT

«عرب أفغانستان»... وصفة لفهم تركيبة الأعراق المختلطة

دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان
دونا ويلكر رفيقة المؤلف التي تمكن بمساعدتها من جمع بيانات حول النساء في أفغانستان

تتميز دراسة «عرب وسط آسيا في أفغانستان... التحول في نظام الرعي البدوي»، التي صدرت طبعتها العربية الثالثة أخيراً، بأنها تتعدى مساحة البحث الأفغانية لتساهم في فهم تركيبة الدول مختلطة الأعراق، والتعامل معها على أسس علمية دقيقة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية على السواء.
وهي دراسة جادة دخلت أعماق مجموعة من الناس ينتسبون إلى العرب، ويعتقدون أنهم من السلالات العربية الأولى التي نشرت الدين الإسلامي في تلك الديار. ومنهم من يعتقد أنهم من العرب الذين أحضرهم تيمورلنك إلى تلك الديار بعد أن استولى على دمشق.
صدرت الدراسة عن «مركز البحوث والتواصل المعرفي»، وأعدها البروفسور توماس جي. بارفيلد، ونقلها إلى العربية المترجم المختص في شؤون وسط آسيا محمد بن عودة المحيميد. وتصّور هذه الدراسة وضع أقلية عربية في السبعينات من القرن العشرين، تعيش في شمال شرقي أفغانستان، وتمارس الرعي بالارتحال إلى مواطن الكلأ في منطقة قطغن من محافظة قندوز وجبال بدخشان فوق جبال البامير، وتتميز بعاداتها وتقاليدها، ورغم أنها فقدت لغتها العربية، لكن ظلت هويتها العربية راسخة.
وكانت الدراسة في الأصل مشروعاً تقدم به بارفيلد لنيل درجة الدكتوراه في جامعة هارفارد عام 1978، ونشر باللغة العربية بترجمة محمد المحيميد في طبعته الأولى والثانية في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية» عامي 2002 و2010. أما الطبعة الثالثة فصدرت مؤخراً عن «مركز البحوث والتواصل المعرفي». وتميزت الطبعة الأخيرة بدقة تحريرها واحتوائها على تصويبات وإضافات وملحق بالصور المعبرة من أرشيف المؤلف نفسه.
يتوزع الكتاب على مقدمة، وخاتمة، و6 فصول... فقد هدف بارفيلد من خطة البحث إلى الوصول لفهم للاقتصاد الرعوي وعلاقته بالتركيبة الاجتماعية البدوية، بيد أنه سرعان ما أصبح من الواضح على أرض الواقع، أن البحث يجب أن يتوسع ليتناول البدو بصفتهم جزءاً من نظام إقليمي، ويشمل اتصالاتهم مع الأسواق الحضرية، والقرى الزراعية، والهياكل الحكومية. ويركز بصورة أساسية على تحول الرعي من الأغراض المعيشية إلى غرض تجاري بحت لكثير من البدو، ومنهم العرب، بعد التنمية التي حدثت في أفغانستان وفي منطقة قطغن بوجه خاص، وتشييد الطرق واستصلاح الأرض للزراعة وفتح منافذ لتسويق الفائض من الأغنام، فارتفعت أسعار الأغنام بشكل كبير، مما جعل كثيراً من العرب يتخلى عن الرحيل بأسرهم من أجل الكلأ إلى المراعي دون أن يتخلوا عن مهنة الرعي، وعملوا بالاستثمار في حواضر المدن والاشتغال بالزراعة إضافة إلى الرعي.

- دراسة أنثروبولوجية
تُمثل الدراسة - كما يقول المؤلف - وصفاً إثنوغرافيّاً لعرب وسط آسيا، وهم فئة لا يُعرف عنهم إلا القليل، يقطنون في الشمال الشرقي لأفغانستان، كما تُقدّم توضيحاً للتغيرات التي طرأت على طريقة معيشتهم خلال السنوات الخمسين الماضية.
تميّز الدراسة الأنثروبولوجية (علم الإنسان الوصفي)، بين نظام الرعي الذي تُعد الأغنام فيه جزءاً من الاقتصاد للأغراض المعيشية، وبين النظام الذي تُعد الأغنام فيه أشياء ربحية؛ «محصولاً نقديّاً». وجاء هذا التمييز ليكون المفتاح في فهم التحول الذي طرأ على نظام الرعي البدوي في قَطَغن، إلى صيغة تجارية على نطاق واسع، وهو أيضاً يساعد على شرح ما يبدو أنهما نموذجان متعارضان للعمليات الاقتصادية في محيط البدو الرعاة.
ويلاحظ مترجم الكتاب محمد بن عودة المحيميد أن هذه الدراسة تسدّ نقصاً في المكتبة العربية التي تعاني نقصاً شديداً في الدراسات الأنثروبولوجية الإثنوغرافية التي تتناول المجموعات العرقية في العالم.
ويضيف أن «هذه الدراسات مهمة في فهم تركيبة الدول المختلطة الأعراق، والتعامل معها على أسس علمية دقيقة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية على السواء». وقد أفاد الغرب من هذه الدراسات كثيراً وأخذ المعلومات التي تتعلق بشعوب العالم مأخذ الجد، فنفعته ودعمت مصالحه السياسية والاقتصادية والثقافية.
ولا يقتصر المؤلف في دراسته على هذه المجموعة الموجودة في أفغانستان، وإن كانت محوراً رئيسياً فيها؛ إذ يعود إلى الخلف ليلقي الضوء على تاريخ هذه المجموعة، والهجرات التي قامت بها. ويحدثنا عن تاريخ العرب في وسط آسيا عموماً، ويستعرض الدراسات والإحصاءات المتعلقة بها.
يقول المؤلف: وصلتُ إلى أفغانستان في يناير (كانون الثاني) عام 1975 وفي ذهني هذه المشكلة الأنثروبولوجية، وكنت قد قمت قبل ذلك برحلتين استكشافيتين في صيفي عام 1973 و1974، وعلى عدم توفيرهما بيانات إثنوجرافية لي؛ إلا إنهما مكنتاني من إجراء اتصالات ثبت في النهاية أنها في غاية النفع».

- تعريف البدو
يرى الكتاب أن القضية الأولى التي لا بد من إثارتها؛ هي: تعريف البدوي محترف الرعي، فقد ابتُليت دراسة البدو بالافتتان بالتصنيفات الأكاديمية، وأدت هذه الدراسات التصنيفية النابعة من علم الجغرافيا الثقافية إلى سوء فهمنا للبداوة أكثر من أن تقدم تبصراً أعمق لطبيعة هذا النمط من الحياة.
في حين قدم بيكون (1954) تصنيفاً كلاسيكياً للبداوة غالباً ما يستشهد به؛ وهذا التصنيف قسّم البدو إلى ثلاث طبقات: البدو الأقحاح، وأشباه البدو، وأشباه المستقرين، معتمداً في هذا التقسيم على المدة الزمنية التي تقضيها كل فئة في الترحال ومزاولة الزراعة... فالبدوي القح يعيش في خيمة طوال السنة، ويربي الحيوانات فقط، أما غيره شبه المستقر فيعيش في منزل، ويزاول بعض الزراعة، ويربي الحيوانات، ويمضي جزءاً من العام في خيمة.
ويرى المؤلف أن هناك مشكلات في التعامل مع هذا التصنيف، فالتحرك وعدم مزاولة الزراعة إذا لم يجر تناولهما وفق بيئة محددة؛ فلن يقدما إلا القليل في إطار هذا التصنيف، وظاهريّاً؛ فإن البدوي القح لا بد من أن يكون مختلفاً جداً عن البدوي شبه المستقر، إلا إن النظرة الفاحصة إلى الأسباب التي تجعل بعض البدو أكثر تحركاً من بدو آخرين تؤدي إلى نتيجة غير السابقة.
وهو يعتقد أن النتيجة المؤسفة لهذه التصانيف هي استدامة أسطورة «البدوي القح»، وبالطبع؛ فإن أفضل البدو الأقحاح هم الذين يقطنون في الخيام طوال السنة ولا يشتغلون بالزراعة مطلقاً، ويعدّ وسط آسيا؛ الذي تشكل حدوده الجنوبية مجال هذه الدراسة، الموطن التقليدي للبدو الأقحاح. يلاحظ كذلك أن البدوي «القح»، رغم هذا النموذج الأول؛ ظل غامضاً إلى حد بعيد عبر القرون... فلقد بدا «الهسيونج نو» الذين عاشوا على الحدود الصينية في القرن الثاني قبل الميلاد بدواً أقحاحاً مثاليين حتى كُشف النقاب عن أن خُمس مجموع دخل الإمبراطورية الصينية السنوي قد استخدم لاستمالتهم. ومنذ ذلك الوقت كانت للقبائل البدوية على الحدود الصينية علاقات تجارية وابتزاز مع الإمبراطورية الصينية. هذه العلاقات أنتجت القليل فقط من المشردين الذين كانوا هم حقاً بدواً أقحاحاً، وهذا ما حدا بـ«لاتيمور» أن يعلن: «إن البدوي القح هو حتماً البدوي الفقير» (1940).

- العرب في قَطَغن
يتناول الكتاب وضع الأقلّية العربية في منطقة قطغن من محافظة قندوز وجبال بدخشان فوق جبال البامير، والتي كانت تعيش في شمال شرقي أفغانستان، وتمارس الرعي بالارتحال إلى مواطن الكلأ، ولها عاداتها وتقاليدها، ومع أنها فقدت لغتها العربية، إلا إن هويتها العربية ظلت راسخة.
المنطقة التي تعيش فيها هذه الأقلية العربية كانت محفوفة بالمخاطر، من حيث الأوبئة وعمليات الترحيل. ويقول المؤلف: «تحتضن منطقة قَطَغن نهري قندز وخان آباد مجتمعين مع جزء من نهر آمو قبل دخوله الصحراء... وعندما تنساب هذه الأنهار من منابعها الجبلية وتصل إلى السهول تغمر مياهها وديان مستنقعات القصب الواسعة بالراسب الطفالي مع الملاريا المستوطنة المشهورة ببشاعتها في جميع أنحاء أفغانستان، وكان المثل المشهور يقول: (إذا أردت أن تموت؛ فاذهب إلى قندز)، وقد وجد (وود) الذي كان يزور قندز عام 1838 أنها: (مكان لا يصلح إلا لسكن الطيور المائية، ونتيجة لذلك لم تكن المنطقة جميعها مأهولة بالبشر إلا بقدر ضئيل جداً».
أما جبال بدخشان؛ فقد نجت من الأوبئة لأنها منطقة جبلية، لم تُبْتَلَ بأمراض السهول؛ إلا إنها في الثلاثينات من القرن التاسع عشر عانت أعمال السلب التي كان يقوم بها مير قندز مراد بك، الذي لم يكتف بشن الغارات على المناطق الحدودية من الغرب، بل أخلى شخصيّاً بدخشان من السكان في محاولة منه لإحلال أقوام من طاجيك الجبال في قَطَغن.
وقد سببت سياسة إجلاء السكان التي اتبعها مراد بك أولاً، ثم سيطرة الأفغان على بدخشان ثانياً، توفير المراعي الجبلية، وهذا سهل قدوم العرب إلى الأراضي المرتفعة، وكما كانت الحال في بخارى: تحالف العرب مع الأوزبك وخضعوا لسيطرة الدولة التي كانت في هذه الحالة الدولة الأفغانية، مقابل استخدام أفضل المراعي في المنطقة.
وحتى عهد أمان الله (1919 – 1929)، كانت قَطَغن تُحكم بشكل عشائري، وفي عام 1921 أعاد نادر خان، وزير الحرب الذي أصبح ملكاً فيما بعد، تنظيم قَطَغن على نمط بيروقراطي.
في عام 1884 قدرت تقارير سريّة عن العرب على حدود أفغانستان كتبتها الفرق البريطانية التي قامت بمهمة مسح الحدود الأفغانية، وهي التي تقدم معلومات غزيرة عن العرب أفضل مما تضمنته أحدث المصادر، فقد وجد الإنجليز أن العرب كانوا في عام 1884 يشكلون المجموعة الثانية من حيث الكثافة السكانية في سهول تركستان، وهذا (الإحصاء) يستبعد أولئك العرب الذين استوطنوا في قَطَغن؛ لأنهم مع قدم استيطانهم في هذه المنطقة، تحاشوا أن يكونوا طرفاً في النزاعات السياسية.
يخلص الكتاب كذلك إلى أن العرب في أفغانستان مرتبطون بالاقتصاد الإقليمي ومشروعات الدولة والحكومة الوطنية. وعلى انعزالهم، فيما يبدو، إلا إنهم عبر تاريخهم كانوا متأثرين بالعالم الخارجي. فقد تأثر نظامهم الرعوي البدوي بالتغيرات السياسية، والمعاهدات العالمية، والتحولات في طلبات السوق. وعملهم أكثر من مجرّد نقل الأغنام من مكان إلى آخر، فالبدو الرعاة في قَطَغن ملتحمون بالاقتصاد الإقليمي بشكل فعلي، وبمقارنتهم بمزارعي القمح؛ فهم أكثر ارتباطاً بالأسواق الحضرية.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).