أمين الجميل: تعقّد المشكلة في سوريا سببه التوسع الإيراني.. والدعم السعودي مكّن لبنان من الصمود

الرئيس اللبناني الأسبق قال إن السعودية تعاطت مع لبنان بكل إخلاص وكرم وبتجرّد

الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)
الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)
TT

أمين الجميل: تعقّد المشكلة في سوريا سببه التوسع الإيراني.. والدعم السعودي مكّن لبنان من الصمود

الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)
الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (تصوير: جيمس حنا)

بدعوة من مركز الشرق الأوسط الجديد التابع لجمعية هنري جاكسون في بريطانيا، ألقى أمين الجميل، رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق (1982 - 1988) وزعيم حزب الكتائب، محاضرة ناقش فيها التحديات التي يواجهها القادة العرب في الشرق الأوسط، عن الاحتمالات الثلاثة التي تبرز كخيارات للمنطقة، وهي «الدولة الفاشلة، والدولة الإسلامية ودولة المواطنة».
«الشرق الأوسط» التقت الرئيس الجميل بمناسبة هذه المشاركة، حيث أكد في حواره، أن لبنان ليس دولة طوائفية، وليس بيئة حاضنة للحركات التكفيرية حتى الآن. واعتبر أن الفراغ الرئاسي له علاقة بتعنّت العماد ميشال عون والاستمرار بترشحه، وبدعم حزب الله له، وأن المسيحيين ليسوا هم من تسببوا به.
وقال إن الصراع الحالي في المنطقة بدأ مع نشر إيران نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
* تحدثتم في محاضرتكم عن ثلاثة احتمالات للمنطقة: أين لبنان من هذه الاحتمالات؟
- عنوان المحاضرة هو وصف لواقع أكثر من كونه تقديرا شخصيا، لأنه من الواضح أن ما يحصل الآن في العالم العربي هو غريب ومثير، سواء في العراق وسوريا أو في ليبيا واليمن، وهو أمر مخيف؛ حيث نشاهد نوعا من انتحار جماعي في هذه البلاد، وكذلك هناك أمثلة مشجعة تحصل في بعض الدول العربية الأخرى، اختصرتها بثلاثة أمثلة، هي لبنان وتونس والأردن. وتحدثت عن قدرة الدول على التخلص من مخاطر السقوط في خيار تنظيم داعش، التي قد تكون بالنسبة إلى البعض بديلا عن الفوضى القائمة في هذه الدول. كما حذرت من العودة إلى منطق الديكتاتوريات الذي كان سائدا في مرحلة من التاريخ الحديث. من هنا كانت المحاولة لتقديم بعض الاقتراحات العملية لعدم السقوط بالفوضى، والتركيز على دولة المواطنة؛ وهي الدولة التي تحقق لشعوب المنطقة الاستقرار والطمأنينة والحرية والتعايش المثالي بين كل الفئات.
وعندما تفككت هذه الديكتاتوريات فتحت المجال لمشاريع واتجاهات متعددة؛ منها مثلا بروز ظاهرة «داعش» و«النصرة» وغيرهما. وهناك في المقابل أمثلة مشجعة مثل نموذج تونس، الذي يعتبر من الأمثلة الحية على ما كانت تطمح إليه الشعوب العربية في إطار الربيع العربي. لذلك نحن أمام خيارين: هل نريد «الدولة الفاشلة» وتفشي التشدد ورفض الآخر ونعيش تلك المشاهد البربرية التي عشناها ونعيشها؟.. أم نريد تحقيق أماني الشعوب العربية في إطار الربيع العربي؟!
* برأيك.. هل تصلح تركيبة لبنان ذي الطوائف المتنوعة لبناء دولة المواطنة؟
- لبنان ليس دولة طوائفية، بل دولة ديمقراطية تحقق نوعا من التعايش التوافقي والانسجام بين الطوائف، ولذلك فإن معظم القوى في لبنان تقول بالدولة المدنية، التي لا تعني على الإطلاق دولة ضد الطوائف، وإنما تحقيق الانصهار بين كل هذه الطوائف والتركيز على دولة المواطنة. وعلينا أن نجد الإطار الدستوري والمؤسساتي الذي من شأنه أن يسهل أو يدفع باتجاه هذا الانصهار.
* ماذا عن الانقسام اللبناني بشأن دخول حزب الله في الحرب داخل سوريا؟
- هذه المقاربة هي اختزال للمشكلة السورية، بينما المشكلة أكبر من ذلك، فهي ذات طابع استراتيجي أكثر مما هي صراع في سوريا. الصراع بدأ منذ أن بدأت إيران في نشر نفوذها؛ سواء أكان في العراق مع المالكي أم في سوريا من خلال حلفها مع بشار الأسد، أو في لبنان مع انتشار نفوذ حزب الله. وبدأت هذه الظاهرة تخيف العديد من السياسيين العرب بصورة عامة، وأتذكر أن أوّل من نبّه إلى ذلك هو الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وعقبه الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، ومنذ ذلك الوقت بدأ التحضير لمواجهة المدّ الإيراني في المنطقة. وتحققت النبوءة بأن بدأت إيران تهدد بعض مناطق الخليج، وظهور الحركات الشيعية في بعض بلدان المنطقة. هذه هي المقاربة الصحيحة لما يحصل الآن إن كان في سوريا أو في العراق. وبالتأكيد أن تنظيم «داعش» ليست ظاهرة بريئة، أو مجرد حركات دينية انفعالية.
* ما هي انعكاسات الحرب في سوريا على لبنان بعد انخراط حزب الله فيها؟
- انعكاسات الوضع على لبنان مدمرة. صحيح أن بيئة لبنان ليست حاضنة لهذه الحركات المتشددة التكفيرية، والدليل على ذلك أن طرابلس تحتضن نخبا وقيادات ومجموعات كبيرة تقف في وجه هذا المد المتشدد؛ وكذلك الأمر في بعض المناطق الأخرى. لذلك فإن الانعكاس لم يتناول بعد النسيج الوطني اللبناني، ولو أن هناك خطرا في حال استمر الوضع على ما هو عليه.
* ما هي أبرز التوجسات لديكم جراء الوضع السوري المتدهور؟
- الذي يخيفنا بشكل أساسي اليوم هو هذا الحجم الهائل من السوريين الذي وصل إلى لبنان، وقد بلغ مليونا ونصف المليون (أي كما لو أن هناك 16 مليون لاجئ يصلون إلى بريطانيا بصورة مفاجئة). هذا يشكل خطرا على صعيد المستقبل والنسيج الوطني اللبناني وعلى التعايش، كما يشكل اختلالا على صعيد الميثاق الوطني وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي والبنية التحتية في لبنان، وهي غير كافية لمتطلبات الشعب اللبناني، فكيف الحال مع وجود هذا الكم الهائل من النازحين؟
* ما هو برأيكم خطر التنظيمات المتطرفة على لبنان ومنها «داعش»؟
- هناك حركات متشددة كانت موجودة قبل تنظيم داعش، وقبل الحرب في سوريا بدأت في آخر التسعينات في مناطق في لبنان، كانت محصورة وواجهناها. إنما ما يخيفنا لو انتشرت وتوسعت ودخلت في النسيج اللبناني، وتمكنت من التسلل في خضم هذا الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه لبنان. حتى الآن الأرضية ليست حاضنة.
* هل تعتقدون أن المنحة السعودية للجيش اللبناني لشراء أسلحة من فرنسا قادرة على أن تعدّل ميزان القوى بين الجيش وحزب الله؟
- السعودية هي الشقيق المخلص والصادق للبنان منذ القدم، لا سيما في عهد الملك الراحل عبد الله، والأمر مستمر مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. فقد تعاطت مع لبنان بكل إخلاص وكرم، وبتجرّد. ولم تطلب يوما من لبنان أي بديل لهذا الدعم السخي ولهذه المساعدة.
الدعم السعودي مكّن لبنان على المدى الطويل من أن يصمد وأن يواجه المحن التي مرّ بها. وهذه المنحة هي من النماذج المعلن عنها، لأنه في الماضي كانت هناك مساعدات لا يعلن عنها، ولا شك في أنها ستمكن الجيش من أن يحقق نقلة نوعية في العديد والعتاد والجهوزية، خصوصا في مرحلة المعاناة الجديدة التي يواجهها لبنان بسبب النازحين وبسبب انتشار الفوضى والوضع العام للعالم العربي. ولا بدّ من مواجهتها في الدّاخل من قبل الجيش وقوى الأمن.
* هل تعتبرون أن التوزيع المذهبي للمناصب بحسب الطوائف تجاوز ميزان القوى السياسية في لبنان، خصوصا بعد الفراغ الرئاسي الذي يشهده البلد منذ مدة؟
- الفراغ الرئاسي لا علاقة له بالتوازنات الداخلية الطائفية والمذهبية، بل يعود من جهة إلى تعنّت العماد ميشال عون والاستمرار في ترشحه، رغم أنه لم يتمكن من الحصول على الأكثرية المطلوبة في مجلس النواب. ومن جهة ثانية لدعم حزب الله، الذي عطل النصاب في المجلس. هناك تلاقي مصالح بين العماد عون ودعمه من قبل حزب الله عطل الانتخابات والنصاب الذي هو مخالفة كبيرة للدستور، لأن المواد الدستورية هي من أجل تحصين الدستور وتحصين المؤسسات الدستورية، ولا يعقل أن تستعمل هذه المواد لتعطيل الدستور وتعطيل حسن سير المؤسسات اللبنانية.
عندما يصل المرشح إلى هذا الاستحقاق ولا يتمكن من أن يحصل على الأغلبية، فمن الطبيعي أن يعاد طرح الموضوع على الكتل البرلمانية ويحصل نوع من التشاور والتفاهم من أجل ترشيح شخص آخر. ونحن عكس كل الأصول الدستورية والتقاليد البرلمانية؛ أدى ذلك إلى تعطيل الدستور، الذي يشكل خطرا كبيرا على مستقبل لبنان ومؤسساته وعلى مستقبل الميثاق الوطني، لأنه الآن هناك رئيس حكومة سني ورئيس مجلس نواب شيعي، بينما رئيس الجمهورية الماروني غائب. وإذا تأقلمنا مع هذا الوضع نكون قد نسفنا مفهوم الميثاق الوطني وأرضيته المتفق عليها، وهنا مسؤولية كبيرة تقع على كل من يعطل الانتخاب الرئاسي، وكأنه يرمي إلى إعادة النظر في كل التركيبة اللبنانية.
* ألا تعتقدون أن استمرار الخلاف الماروني–الماروني أضعف موقع الرئاسة وربما سيطيح بحق الموارنة في الحكم؟
- لا أوفق إطلاقا على هذه المقاربة التي يطرحها بعض السياسيين لتحميل المسيحيين المسؤولية، وهذا غير صحيح، لأنه ومنذ الاستقلال اللبناني كان هناك صراع بين الموارنة. وفي كل الانتخابات كان هناك فريقان. واليوم الأمر ذاته بين «8 آذار» و«14 آذار». ولولا دعم حزب الله للعماد عون لما تمكن العماد عون من تعطيل النصاب، وهذا مستمر.
لا أعتقد أن هناك علاقات عاطفية بين عون وحزب الله، بل هناك مصالح مشتركة. إذن، مشكلة تعطيل الرئاسة ليست مسؤولية مسيحية، بل واقع سياسي في البلد بالمعنى الكامل تشارك فيه كل الطوائف. ويتحمل الجسم السياسي اللبناني بأسره هذا التعطيل وليس المسيحيين، لأن القرار ليس للفريق المسيحي بمفرده.
* وكيف تتحلحل هذه المشكلة؟
- لا بدّ أن يقتنع أولا العماد عون بأن هذا الموقف يشكل خطرا على اللبنانيين عامة وعلى المسيحيين بصورة خاصة، وأن حزب الله عليه أن يقتنع بأن موقفه غير منطقي، والأهم مصلحة الوطن ومستقبل المؤسسات وتعزيز الميثاق الوطني الذي يتخلخل بسبب الفراغ الرئاسي، وكل ذلك يجب أن يدفعه بحلول أخرى وبمرشح آخر.
* هل تعتقدون أن هناك حلا معقولا لمشكلة الرئاسة في لبنان على المدى القريب؟
- تمنياتي أن تحصل الانتخابات غدا، والتعاون مع بعضنا البعض بإمكانه أن يحقق أماني الشعب اللبناني. أمّا الواقع فهو «ضرب بالرمل»، ما دام هكذا تعطيل غير منطقي يتجاوز الدستور اللبناني، وعدم احترام التقاليد الديمقراطية والبرلمانية. ونأسف أن الأمر على حاله، ونأمل في أن يتفهم الجميع خطورة الوضع عليهم بالذات، لأن هذا الموقف موقف انتحاري لا يخدم العماد عون على المدى الطويل، ولا يخدم مصلحة حزب الله، لأنه في أمس الحاجة لهذه الشرعية اللبنانية. وإذا سقطت الشرعية سيكون هو من أوّل ضحاياها لأنها هي التي تحميه اليوم، فهو ممثل في مجلس النواب وممثل في الحكومة وفي كل المؤسسات، وبسقوط تلك المؤسسات تسقط مظلة الشرعية التي هو في أمس الحاجة إليها.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.