زهور كرّام: الدخول إلى عالم الأدب الرقمي يتطلب ميثاقاً جديداً وثقافة مختلفة

الكاتبة المغربية ترى أنه يمكن للشبكة أن تسهم في ترويج الإبداع وتوزيع المنتج الأدبي

زهور كرام
زهور كرام
TT

زهور كرّام: الدخول إلى عالم الأدب الرقمي يتطلب ميثاقاً جديداً وثقافة مختلفة

زهور كرام
زهور كرام

للكاتبة والناقدة المغربية زهور إكرام، صدرت أخيراً رواية «لا أتنفس» التي «تماهت عوالمها مع زمن الجائحة» كما تقول. وبمحاذاة الخط الكتابي، تبدو زهور كرام واحدة من أكثر الأكاديميين المغاربة اهتماماً برصد تجليات العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع؛ وهو ما جعلها تترأس مؤتمراً متخصصاً حول «الأدب الإلكتروني العربي»، وتصدر كتاب «الإنسانيات والرقميات وعصر ما بعد كورونا»... هنا حوار معها:
> أنتِ شديدة الحماس لمصطلح «الأدب الإلكتروني العربي»، وترأستِ مؤتمراً حوله قبل ثلاث سنوات، ببساطة: ما ملامح هذا الأدب وكيف يختلف عن الأدب المعتاد؟
- هو حماس مُدعم بشرط علمي. تعلمنا في البحث العلمي وممارسته أن كل الظواهر قابلة للتحليل، ليس هناك موضوعٌ غير قابل للتفكير في الممارسة العلمية والنقدية. من هذا المنطلق بدأت أفكر في الأدب الرقمي منذ سنوات عندما قرأت أول مرة نصاً رقمياً بالفرنسية قبل أن أقرأ النظريات حول هذا الأدب، واكتشفتُ طريقة مختلفة في الكتابة. كان منطلقي الأول في الاشتغال على هذا الأدب هو نظرية الأدب. بمعنى، كنت أبحث في هذا الأدب الجديد من داخل هذه النظرية التي تعطينا تصوراً حول تاريخ الأدب وكيف يتحول تبعاً للوسائط. لا أدافع عن هذا الأدب بانفعالٍ أو إعجاب، إنما أفكر فيه بمرجعين اثنين: مرجع نظرية الأدب ومرجع العلمية، ومن خلالهما توصلتُ إلى أن الأدب الرقمي هو إمكانية من الإمكانات التعبيرية الجديدة التي تنتج من العلاقة بالتكنولوجيا، مثلما حدث مع الوسيط الورقي عند اختراع المطبعة. إنه يعبر عن الحقيقة الجديدة للأدب باعتباره نظاماً رمزياً مختلفاً، تتجلى فيه تمثلات الإنسان في العصر التكنولوجي.
وعليه، فإن الأدب الرقمي هو كل شكل سردي أو شعري يستخدم جهاز الحوسبة وسيطاً وينفذ خاصية أو أكثر من الخصائص الخاصة بهذا الوسيط، ويستعمل المواقع الاجتماعية مثل «فيسبوك» و«تويتر» والتطبيقات التكنولوجية. إنه مكان لقاء حقيقي بين الأسئلة المتجذرة في التاريخ الأدبي، وبين التأملات في مفهوم النص والآخرين على الاستخدام والخيال التكنولوجي كما يقول الباحث الفرنسي فيليب بوتز. فلا يتعلق الأمر بمجرد استخدام تقنيات التكنولوجيا، ووضع الكتابة في حلة مدهشة ومُبهرة، إنما بالكشف عن عالم تكنولوجي يُقيم فيه البشر. ولعله مستوى جديد من الوجود نحتاج إلى تأمله من أجل التعامل معه. لهذا؛ فالدخول إلى عالم الأدب الرقمي يتطلب ميثاقاً جديداً، وثقافة مختلفة؛ إذ إننا لو اعتمدنا الثقافة المألوفة، فقد ينحرف بنا الاتجاه. من هنا يعد الأدب الرقمي وقراءته تجربة ثقافية ونفسية واجتماعية ومعرفية جديدة ومختلفة، وتُجدد أسئلة التأليف والكتابة والقراءة واللغة.
> في كتابك «الإنسانيات والرقميات وعصر ما بعد كورونا»، هل تبدو «الرقمنة» مصيراً محتوماً؟
- اليوم نتحدث عن التكنولوجيا باعتبارها سلطة تتحكم في العالم. ويعود ذلك إلى ما يميز الثورة الرقمية من خصائص تختلف عن الثورة الصناعية، مثل السرعة والجودة. وحتى أعطي مثالاً عن ذلك ونقرب الفهم إلى القراء، أشير إلى آخر تقرير لإحدى كبرى شركات الكمبيوتر و«معهد المستقبل»، وهو يذكر أن 85 في المائة من المهن التي ستكون عام 2030، غير موجودة الآن، وهذا يعني أن المهن الموجودة اليوم إما أنها ستندثر كلياً، أو تتغير لتظهر مهن جديدة ذات علاقة بالذكاء الصناعي والروبوتات والرقميات، بشكل عام. ستؤثر هذه التكنولوجية السريعة في جوهر الحياة والعالم. وبالتالي، إذا لم نستوعب هذا المتغير في التدبير السياسي وفي منظومة التعليم وسوق العمل فلن نستطيع أن نكون في المستقبل.
> كيف ترين علاقة التكنولوجيا بالإبداع بشكل عام، ومتى تضر الأولى بالآخر؟
- هي علاقة طبيعية بحكم اعتماد التعبير الأدبي في كل مرحلة تاريخية على نوعية الوسائط الموجودة. يمكن للإبداع الاستفادة من الوسائط الرقمية، كما يمكن للشبكة أن تُسهم في ترويج الإبداع وتوزيعه بشكل يتجاوز إكراهات التوزيع العادي. لكن يمكن لهذه المعادلة أن تنهار عندما لا يتم استثمار الرقميات لصالح الإبداع، أو يتم اعتماد التقنيات على حساب الإبداع. يمكن للتقنية أن تضر بالإبداع إذا لم يتم توظيفها بطريقة سليمة. نحتاج من أجل تحقيق هذه المعادلة الموضوعية بين التكنولوجيا والإبداع تنوير الاستخدام التكنولوجي من جهة، وعدم افتعال الإبداع من جهة أخرى. إنها مسؤولية مُضاعفة على المبدع الذي من المفروض أن يقتحم عالم التكنولوجيا دون أن يتخلى على زمن الإبداع المرتبط بالخيال. فالتقنية قد تسهم في تطوير فعل التخييل.
> برأيك، هل سيندثر الكتاب الورقي قريباً كما يروج البعض؟
- لستُ مع هذه الفكرة، على الأقل في عالمنا العربي؛ لأنها لا تستند إلى بنية تكنولوجية. لكن عِوضاً عن ذلك يمكن الحديث عن مُزاحمة الكتاب الإلكتروني للكتاب المطبوع. وهذا ما نشاهده اليوم من اعتماد النسخ الإلكترونية، خاصة عند الطلبة. لأن الكتاب الإلكتروني أصبح متوفراً ومن دون جهد أو مقابل مادي. شخصياً، أنظر إلى الموضوع من زاوية الاستفادة، بمعنى كيف يستفيد الكتاب المطبوع من النسخة الإلكترونية، وكيف يمكن للكتاب المطبوع أن يعمل على تنوير القارئ بأهمية الثقافة الرقمية. إلى جانب كون الأمر يخلق نوعاً من التنافس من جهة، ويضع أمام القارئ خيارات من جهة أخرى، وهذا هو الأهم. أظن أننا نعيش «دمقرطة» المعلومة؛ ولهذا كل فرد له الحق في اختيار أي صيغة، مطبوعة أو إلكترونية إنما الأهم من كل هذا كيف نخلق ثقافة القراءة.
> ماذا عن تجربتك الروائية الأخيرة «لا أتنفس»؟
- هي شكل سردي مختلف أدخل عالمه بزمن إبداعي جديد. هي رواية بدأت كتابتها منذ سنين، لكن لم تنم إلا مع زمن الحجر الصحي مع الجائحة. دون أن أطلبها، وجدتُ الرواية تنمو بسرعة فائقة، تمتد إلى الأمام بعوالمها التي تماهت مع زمن الجائحة. «لا أتنفس» أدهشتني عندما انتهيتُ من كتابتها، وأعدتُ قراءتها، وجدتها تتحرك في عوالم مختلفة، وأمكنة مختلفة، تتحرك في العالم بأسره وتحكي ما يحدث لإنسانية الإنسان في علاقة عميقة بالتكنولوجيا، وبالزمن الذي أصبحنا نوجد فيه وهو واقع السوشيال ميديا. رواية تعيش في صفحة «فيسبوك»، تهرب شخصياتها إلى الصفحة بمشاكلها وقضاياها وأزماتها لعل الصفحة تُنير وجودها، غير أن الصفحة تتحول إلى شبه مرآة تُعري حقيقة الشخصيات بعد أن تُدخلها في زمن الأقنعة وتتركها تتصرف، فتحدث المفاجأة التي أتركها مفاجأة لقراء الرواية.
> هل هناك خصوصية ما – سلباً أم إيجاباً – للناقد الأكاديمي حين يخوض غمار التجربة الإبداعية؟
- أنا كتبتُ الإبداع قبل النقد، وبدأت بكتابة الشعر وأنا تلميذة بالثانوية، ونشرت نصوصاً شعرية، وروايتي الأولى «جسد ومدينة» نشرتها في بداية علاقتي بالكتابة، الإبداع هو لغتي الأولى وعشقي الأول، أما النقد فقد بدأته كتخصص علمي، وتوطدت علاقتي به مع اشتغالي بالجامعة، فتحول إلى خطاب ومشروع ورؤية ومسؤولية معرفية. بين النقد والبحث العلمي يحضر الإبداع باعتباره شوقاً مستمراً، ورغبة تنزاح عن كل وصاية أو التزام بزمن أو بموضوع. لهذا؛ علاقتي بالإبداع خاصة الرواية هي علاقة بزمن الخيال وانتظار ما سيولده هذا الزمن من عوالم تمنحني الدهشة.
> ألا يحدث أحياناً بداخلك صراع بين الناقد والمبدع ؟
- عندما أدخل حالة الإبداع أنسى أني ناقدة أو أكاديمية، لأني لا أصطنع الحالة ولا أزيفها، أتركها تُبدعني، لأراني بتأويلات جديدة، وهنا ألقى سعادتي مع الإبداع. لأني لو اصطنعتُ حالة لا أشعر بها لن أكتب إبداعاً. مع ذلك، لا شك أن تكويني المعرفي والفلسفي والعلمي والنقدي قد يتحول إلى عينٍ ضمنية في كتابة الرواية، ليس عيناً مراقبة وهنا الفرق. شخصياً، أجدني في ملتقى النقد والإبداع والبحث العلمي متعددة برؤية مفتوحة على كل الحقول المعرفية.
> يشكو معظم الأدباء العرب من قصور حركة النقد عن متابعة الإبداع، وأن النقاد ينحازون غالباً إلى مشاهير الكتاب ويتجاهلون الإبداعات الجديدة... كيف تنظرين لهذا الأمر؟
- بالفعل، حركة النقد لم تعد توازي حركة الإبداع في السنوات الأخيرة، وهذا موضوع يحتاج إلى التحليل؛ لأنه يطرح مسألة مهمة، وهي ضعف التفكير. عندما نتحدث عن النقد فنحن نتحدث عن شكل من أشكال التفكير. هناك أسباب عديدة وراء هذا الموضوع، من بينها اهتمام الجوائز الأدبية بالأدب أكثر من النقد< مما أسهم في خلق تراكم أدبي كبير، وهي مسألة قد يصعب متابعة النقد لهذا التراكم، إلى جانب أن النصوص الأدبية خاصة السردية تتجاوز اليوم السائد في نظام الكتابة، مما يتطلب جهداً معرفياً لتمثل طبيعة هذا البناء الجديد. غير أن الناقد يتحمل المسؤولية؛ لأن مهمة النقد تتطلب منه القدرة على الإصغاء إلى النصوص بشكل متطور، حتى ينتج الجديد من هذه النصوص.
> ما سر تميز المغرب في الجانب التنظيري النقدي مقارنة ببقية البلدان العربية الأخرى؟
هناك عوامل كثيرة وراء عمق المشهد المغربي المعرفي والفلسفي، أولاً طبيعة المغرب الفسيفسائية، فهو عربي أمازيغي أندلسي صحراوي متوسطي. تسمح هذه التركيبة بخلق قابلية للانفتاح على الثقافات والحضارات من دون إصدار أحكام وإنما بحسن تدبيرها وتحويلها إلى مكون ذاتي؛ ولهذا كل أجنبي يأتي إلى المغرب لا يشعر بالغربة أو الاغتراب لأن المجتمع يستوعبه بشكل سريع. هذه قوة المغرب في التعايش والتسامح مع كل الثقافات والتي تُسهم في تطوير فكره وقبول الآخر مع الحرص على عدم الذوبان. النقطة الثانية وهي الجامعة المغربية التي انفتحت منذ تأسيسها على الفكر الحداثي والفلسفي. واستوعبت النظريات النقدية التي كانت نهاية الستينات من القرن العشرين تنتعش في فرنسا بسبب أفكار ثقافات أخرى قادمة من المعسكر الشرقي آنذاك. عاشت الجامعة المغربية - تقريباً - زمن الجامعة الفرنسية، من خلال متابعة ما يصدر هناك من نظريات واستثمارها في التدريس الأكاديمي والدرس النقدي المغربي، خاصة أن أغلب عناصر النخبة المثقفة المغربية كانت تُدرس بالجامعة، فارتبطت الرؤية الثقافية بالدرس الجامعي ومنحت للمغرب جيلاً من النقاد يعتبرون النقد علماً مشروطاً بقواعد نظرية الأدب، هذا إلى جانب جو الحرية في التعامل مع الأفكار والنظريات وتجريبها بلغاتها، وليس فقط عبر الترجمة.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».