اتحاد كتاب مصر في انتخابات التجديد النصفي.. «الجري في المكان»

بعد عقود من إنشائه في سبعينات القرن الماضي

الرئيس الحالي لاتحاد كتّاب مصر محمد سلماوي  -  شعار الاتحاد
الرئيس الحالي لاتحاد كتّاب مصر محمد سلماوي - شعار الاتحاد
TT

اتحاد كتاب مصر في انتخابات التجديد النصفي.. «الجري في المكان»

الرئيس الحالي لاتحاد كتّاب مصر محمد سلماوي  -  شعار الاتحاد
الرئيس الحالي لاتحاد كتّاب مصر محمد سلماوي - شعار الاتحاد

وسط المناخ المتردي الذي يعيشه اتحاد الكتاب المصريين يبدو السؤال ملحا، حول أهميته، والمشاكل التي يعاني منها، وسبل حلها، وهل يمكن مع هبوب رياح التغيير في المجتمع في أعقاب ثورتين شعبيتين أن تضخ في شرايينه دماء جديدة؟
حرب دعاية، و«تربيطات» وكتل انتخابية ترافقها شعارات طنانة، وبيانات صاخبة يعيشها اتحاد الكتاب المصري منذ عدة أشهر، توطئة لسباق التجديد النصفي الذي يتبارى 86 مرشحا يتنافسون على 15 مقعدا في انتخابات التجديد النصفي لمجلس إدارته التي تجري وقائعها الجمعة المقبل.
في غبار هذا المشهد، يبرز في ذاكرة الاتحاد عام 1997، كنقطة مفصلية، حيث كون مجموعة من الكتاب المصريين كتيبة ثقافية بقيادة الكاتب الراحل سعد الدين وهبة، أخذت على عاتقها مهمة تغيير اتحاد الكتاب حتى يكون نافذة حقيقية معبرة عنهم، تحفظ لهم حقوقهم في حرية الكتابة والتعبير، وتدافع عنهم من عثرات الحياة، وهو ما عرف إعلاميا وقتها بـ«عملية تطهير اتحاد الكتاب»، من جبهة الكاتب ثروة أباظة التي هيمنت على الاتحاد ومقدراته منذ نشأته في أعقاب مؤتمر الأدباء الشبان بمدينة الزقازيق في عام 1979، حيث كان مطلب إقامة «اتحاد كتاب» أحد شعارات المؤتمر الأساسية.
نجحت كتيبة التغيير التي ضمت نخبة من أبرز الكتاب، منهم إدوار الخراط، ومحفوظ عبد الرحمن، ووحيد حامد، في هزيمة جبهة ثروت أباظة وتفتيت أصواتها في انتخابات التجديد النصفي لمجلس إدارة الاتحاد المكون من 30 عضوا، وانتخب سعد الدين وهبة رئيسا للاتحاد، بينما توارى ثروت أباظة وما تبقى من جبهته في الظل. واستبشرت الحياة الثقافية خيرا، وبدأت بالفعل رياح التغيير تهب على الاتحاد، لكن مع موت سعد الدين وهبة، بعد عدة أشهر من توليه المنصب، تفتتت فكرة التغيير، وبحيل وتسميات عديدة، وصلت إلى التمسح بقناع التغيير نفسه، لكن كشعار فارغ من أي معنى حقيقي على الأرض، عادت جبهة ثروت أباظة للهيمنة على الاتحاد، ولتتوارى مع موت سعد الدين وهبة، الرجل القوي، محاولة التغيير الحقيقية لهذا الكيان الخامل، وتصبح مجرد ومضة خاطفة فوق رف التاريخ.
ومنذ تلك الفترة، وحتى الآن تعاقبت على رئاسة الاتحاد شخصيات نمطية، عمدت إلى الترقيع، وتجميل الصورة، كبديل عن أي تغيير حقيقي. ويرى كثير من الكتاب أن الإطاحة بالرئيس الحالي محمد سلماوي أصبحت ضرورة لإصلاح الاتحاد، ليأخذ دوره كطرف فاعل ومستقل في الثقافة المصرية، بعيدا عن عباءة المؤسسة الثقافية الرسمية (وزارة الثقافة)، والذي لم يسلم الاتحاد منذ تأسيسه من فرض وصايتها عليه بطرق ملتوية. ورفض سلماوي التعليق على هذه الاتهامات.
وشارك سلماوي في لجنة كتابة الدستور الجديد، وشغل منصب المتحدث الرسمي باسمها. واختير بالتذكية لمنصب رئيس اتحاد الكتاب، ولن يخوض انتخابات التجديد النصفي، ويبقى منصب رئيس الاتحاد معلقا بنتائج الانتخابات.
هذا المناخ المضطرب الرخو هو ما دفع الروائي بهاء طاهر للاستقالة من مجلس إدارة الاتحاد في مارس (آذار) عام 2000، محدثا هزة عنيفة في الوسط الثقافي حول طبيعة الاتحاد كمؤسسة ثقافية ومستقلة. ولفت طاهر وقتها إلى أن وجوده في مجلس إدارة الاتحاد لم يحقق ما كان يتمناه، في اتحاد قوي ومستمر وفعال.. وشهد العام نفسه استقالة الكاتبين جمال الغيطاني، وإبراهيم عبد المجيد من عضوية مجلس إدارة الاتحاد.
وتكررت مواقف الاتحاد السلبية خاصة في الدفاع عن حرية الإبداع والرأي والتعبير، بل إنه ترك عددا من أعضائه صرعى المحاكم والتهم الجائرة بازدراء الأديان، من قبل التيارات الإسلامية المتشددة، كما انحاز الاتحاد في يناير (كانون الثاني) 2001 تحت رئاسة الشاعر فاروق شوشة، إلى صف وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني في أزمة مصادرة الروايات الثلاث الشهيرة التي نشرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأحدثت صدمة في الواقع الثقافي المصري، حيث أطيح بسببها برئيس الهيئة نفسه والمسؤولين عن السلسلة التي صدرت عنها الروايات، ومعظمهم كتاب وأعضاء بالاتحاد.
وسط هذا المناخ المتردي الذي يعيشه اتحاد الكتاب المصريين يبدو السؤال ملحا، حول أهميته، والمشاكل التي يعاني منها، وسبل حلها، وهل يمكن مع هبوب رياح التغيير في المجتمع في أعقاب ثورتين شعبيتين، أن تضخ في شرايينه دماء جديدة، تجعل منه اتحادا قويا يليق بمكانة مصر، ويحفظ لكتابها كرامتهم من السقوط في براثن العزلة والاكتئاب ويساعدهم من أجل العيش في ظل حياة آمنة.
يقول الكاتب والشاعر أحمد سراج، أحد المرشحين للتجديد النصفي، في إطار قائمة جماعية من 13 عضوا أطلقوا عليها «قائمة التغيير»: «هناك معضلة شديدة الخطورة في التعامل مع اتحاد كتاب مصر؛ فهو الكيان الوحيد المعترف به داخل مصر وخارجها، وهو نقابة يفترض أن تؤدي لأعضائها خدمات مميزة تسهم في إراحتهم والتيسير عليهم ومساعدتهم في مجابهة الصعوبات. لكن يتعرض الاتحاد لمحاولات من التدجين بشكل يسلبه أدواره جميعها. ومن كثرة ما تعرض ومن كثرة مواقفه الغريبة بات لدينا خيارات ثلاثة؛ إصلاحه أو إغلاقه أو إنشاء كيان بديل.. واختياري هو الأول: الإصلاح».
ويرى سراج أن «آفة الاتحاد هي بقاء محمد سلماوي رئيسا له؛ لأسباب يصعب حصرها، وحلها أولا في الإطاحة به أو مطالبته بألا يترشح من الأساس»، لافتا إلى أنه لا يطالب بهذا لعيب في كتابة الرجل ونقابيته واحترامه ونزاهته؛ فهو شخص مهذب ونبيل وخدوم، لكن بقاءه كل هذه المدة مع عدم تفرغه وتقدم سنه مع استغلال الكثيرين لهذه الظروف يجعل بقاءه على الكرسي استمرارًا للتجاوزات التي يعاني منها الاتحاد، أضف إلى ذلك علاقة الرجل الوطيدة بالأنظمة الحاكمة ومحاولته خدمتها بشكل يحول الاتحاد من بناء وطني إلى مقر تابع لخدمة سياسات معينة».
ويطالب سراج بإظهار الشفافية في بنود صرف ميزانية الاتحاد أولا بأول وعمل كشف حساب شهري للاتحاد، وتكوين لجان متابعة من أعضاء الجمعية العمومية لكل ما يقوم به، من أنشطة وخدمات، مشيرا إلى أنه لا يعقل أن يكون الحد الأقصى لمعاش الكتاب 220 جنيها (نحو 29 دولارا)، كما لا يوجد برنامج مستقر وواضح للخدمة الصحية، مطالبا بضم أعضاء الاتحاد لبرنامج صحي تابع لمستشفيات حكومية كبرى، وأيضا فتح فروع جديدة للاتحاد بالمحافظات، وتحصيل ما للاتحاد من موارد، والحصول على وحدات سكنية مخفضة أو قطعة أرض وبناء مدينة سكنية، وتحويل الاتحاد لنقابة مهنية، وتعديل بعض المواد الخاصة في لائحته والتي تحول دون ذلك، كما يقترح سراج تقليل عدد الأعضاء في مجلس الإدارة إلى 15 بدلا من 30 عضوا. ويدلل سراج على التجاوزات والعشوائية في السياسة الحالية للاتحاد، مشيرا إلى أنه ليست هناك لجنة للإسكان، فيما هناك جمعية لا ولاية للاتحاد عليها، وأن هناك أرضا خصصت للاتحاد ولم يسمع بها أحد ولا بمشروع سكني عليها.
ويتابع سراج: «يتميز الاتحاد عن النقابات بأنشطته النوعية؛ مؤتمرات اليوم الواحد ومسابقاته وسفرياته وندواته ومطبوعاته، ويكفي أن نقول إن مشروع النشر متوقف، وإن المؤتمرات لا تخلو من تكرار أسماء بعينها، هي المناقشون والحضور غالبًا، لكن يمكن أن ننفذ خطط البناء بنشر إلكتروني وورقي، نحن أمام حالة صعبة وليست مستعصية، حلها يكمن في العمل والخلاص، حتى يحقق الاتحاد هويته المؤسسية بشكل صحيح».
وتقترح الكاتبة دكتورة زينب العسال المرشحة لخوض الانتخابات، إنشاء دار نشر خاصة بالاتحاد تمول من خزينة الاتحاد، ومن اشتراكات الأعضاء، ومن منح رأس المال الوطني، حتى لا يظل الأعضاء رهن قوائم هيئات الدولة، أو ابتزاز الكثير من ناشري القطاع الخاص، وإنشاء آليات جديدة لجوائز الاتحاد، بداية من الترشيح، وانتهاء بتسلم الجائزة، بحيث لا تذهب الجوائز إلا لمن يستحقونها بالفعل، بعيدا عن أي مؤثرات.
وكذلك مراعاة التمثيل المشرف للأدباء في المؤتمرات الخارجية، وتحديد نسبة 75 في المائة من المشاركين، من أعضاء الجمعية العمومية، وكذلك تمثيل الاتحاد بصورة صحيحة في لجان اختيار النصوص بوزارة التربية والتعليم، وفي اختيار الفائزين في جوائز الدولة، واختيار ممثلين للاتحاد في المؤسسات الثقافية الحكومية، مثل هيئة الكتاب، وهيئة قصور الثقافة، والمجلس الأعلى للثقافة. وتطوير الخدمات العلاجية بالإفادة من الخدمات التي تقدمها نقابات أخرى، مثل نقابة الصحافيين.
وتشدد العسال على مساندة الاتحاد لأعضائه، من خلال لجنة الحريات في قضايا الرأي والنشر. كما ترى أن 4 سنوات فترة كافية لإثبات جدية أداء عضو مجلس الإدارة، فإذا ثبت ذلك تقدم لدورة ثانية، وأخيرة.
ويسبق الانتخابات انعقاد الجمعية العمومية لاتحاد الكتاب يوم الجمعة المقبل برئاسة محمد سلماوي، وبحضور أكثر من 1600 أديب لهم حق التصويت لاختيار 15 عضوا، والطريف أن كل أعضاء المجلس الحالي الذين انتهت مدة وجودهم بهذه الدورة (4 سنوات)، أعادوا ترشيح أنفسهم من أجل البقاء في المجلس بعد أن قضوا دورتين كاملتين! باستثناء الدكتور أحمد مرسي، والشاعر أحمد سويلم اللذين رفضا إعادة ترشيح نفسيهما، ويتخوف كثيرون من فوز هؤلاء الأعضاء لمرة ثالثة، نظرا لخبرتهم الطويلة بكواليس اللعبة الانتخابية، الأمر الذي يجعل الاتحاد يمارس عادة «الجري في المكان».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.