خيارات باريس محدودة للرد على «صفعة» إلغاء صفقة الغواصات

فرنسا بحاجة للولايات المتحدة عسكرياً... وخروجها من «الناتو» مستبعد

ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)
ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)
TT

خيارات باريس محدودة للرد على «صفعة» إلغاء صفقة الغواصات

ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)
ماكرون مع رئيس وزراء أستراليا في قصر الإليزيه في يونيو الماضي (رويترز)

بعد أن اعتبر عقد بيع أستراليا 12 غواصة بقيمة 56 مليار يورو عام 2016 بمثابة «صفقة القرن»، تحول، عقب قرار كانبيرا، بتشجيع أميركي ومشاركة بريطانية، استبداله من خلال شراء ثماني غواصات أميركية الصنع تعمل بالدفع النووي، ومع إطلاق شراكة استراتيجية ودفاعية مثلثة الأطراف، إلى «نكسة العقد». ومنذ الخميس الماضي، ما زالت تداعياته السلبية تتلاحق نظرا لما اعتبرته باريس، الخاسر الأكبر، «خيانة، وطعنة في الظهر بين حلفاء وشركاء...». إلى غير ذلك من النعوت والأوصاف التي أغدقها وزير الخارجية جان إيف لودريان على الطرفين الأسترالي والأميركي وبقدر أقل على بريطانيا. وحتى اليوم، لجأت باريس إلى عدة خطوات للتعبير عن غيظها مثل إلغاء احتفال تذكاري للتعاون الفرنسي - الأميركي إبان حرب الاستقلال الأميركية واستدعاء سفيريها في واشنطن وكانبيرا وإلغاء اجتماع ثنائي كان مقررا بحر هذا الأسبوع بين وزيري الدفاع الفرنسي والبريطاني وآخر ثلاثي لوزراء خارجية فرنسا وأستراليا والهند، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلا عن غياب أي تواصل مباشر بين الوزير لودريان ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن. وآخر تعبير عن النقمة الفرنسية قرار الإليزيه تلقي مكالمة هاتفية من الرئيس جو بايدن «خلال الأيام القادمة» وفق ما أعلن الناطق باسم الحكومة الفرنسية الوزير غبريال أتال. وتأخير التواصل الهاتفي يبدو مقصودا من جانب ماكرون الذي امتنع حتى اليوم عن التعليق على ما تعده باريس إخلالا بأصول التعامل بين الحلفاء والشركاء. كل ما سبق يحمل دلالات ومؤشرات كلها رمزية. لكنه لا يسمن ولا يغني عن جوع بالنسبة للطرف الفرنسي. والسؤال المطروح اليوم بقوة: ما هي الخيارات المتاحة أمام باريس للرد على ما تعتبره إهانة وازدراء وضرب مصالحها عرض الحائط في منطقة استراتيجية، أي المحيطين الهندي والهادي. يضاف إلى ذلك أن فرنسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة المعنية بهذا الشكل الوثيق بتطورات جيو - استراتيجية هذه المنطقة الحيوية والوحيدة. ثم إن باريس هي الوحيدة أيضا أوروبيا التي تتمتع بحضور عسكري دائم، وبالتالي فإن استبعادها من اتفاقية الشراكة الأمنية - الاستراتيجية الثلاثية الموجهة، كما هو واضح لاحتواء الصين، يزيد من شعورها بالمهانة والإجحاف.
القرار الأسترالي - الأميركي صفعة تجارية - اقتصادية من جهة وتشكيك من جهة ثانية بكفاءة الصناعات الدفاعية الفرنسية وغواصاتها من طراز «أتاك»، وأخيرا انتقاص من دور باريس ومن دور الاتحاد الأوروبي والاستهانة بمصالحهما الحيوية في منطقة استثمرت فيها بلدان الاتحاد 11 ألف مليار دولار.
ترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن الحد الفاصل بين الذهاب إلى مزيد من التصعيد أو البدء بخطوات تمهد للتهدئة سيكون محتوى الاتصال الهاتفي المنتظر بين بايدن وماكرون والذي يرجح أن يحصل اليوم أو غدا. فالرئيس الفرنسي لن يذهب إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنطلق اليوم بخطاب لـبايدن بل كلف وزير خارجيته برئاسة الوفد الفرنسي المشارك. وحتى اليوم، لم يعلن عن موعد للقاء لودريان - بلينكن. إلا أنه غير مستبعد خصوصا أن نظرة باريس للأخير «إيجابية» حيث إن الوزير الأميركي عاش بالعاصمة الفرنسية مرحلة شبابه ويتحدث لغتها بطلاقة، واحتفي به بكثير من المبالغة لدى زيارته الأخيرة لها. لكن الجوانب الشخصية، رغم فائدتها وقدرتها على تسهيل الحوار، لا تحل محل السياسة وموجباتها.
بداية، تتعين الإشارة إلى أن باريس تقف تقريبا وحدها بمواجهة التحالف الجديد إذ لم يصدر أي قرار إدانة عن الجانب الأوروبي لما يرى فيه الكثيرون في القارة القديمة، فسخا لعقد تجاري وإن كان عسكريا وضخم القيمة. وكان مقررا أن يلتقي لودريان نظراءه الأوروبيين مساء أمس في نيويورك، للحديث عن تبعات الاتفاق الثلاثي الأخير بدعوة من «وزير» خارجية الاتحاد جوزيب بوريل الذي كان الوحيد الذي أصدر بيانا بشأنه وبشأن فسخ العقد الفرنسي - الأسترالي. واستبق لودريان الاجتماع باتصال هاتفي بنظيره الألماني هايكو ماس.
وما يغيظ باريس أن ألمانيا بقيت صامتة ولم تعرب عن التضامن معها، علما بأن المستشارة ميركل كانت ضيفة ماكرون مساء الخميس الماضي لوداع ماكرون بسبب خروجها القريب من منصبها عقب الانتخابات الألمانية. وبالنتيجة، فإن باريس لا تستطيع التعويل على أوروبا رغم الدعوات الدورية لتمكين الاتحاد من «الاستقلالية الاستراتيجية» التي سيعقد من أجلها اجتماع العام القادم بعد أن تتسلم باريس رئاسة الاتحاد، وذلك لإقرار ما يسمى «البوصلة الاستراتيجية».
أما على مستوى الحلف الأطلسي، فإن خيارات فرنسا، نظريا، وبحسب ما يراه متابعون للشؤون العسكرية، متعددة وتتراوح ما بين الانسحاب الكلي، وهو ما لا يتوقعه أحد، وتجميد عدد من الأنشطة التي تشارك فيها (وهو مستبعد) والإصرار على إعادة تعريف «مبادئ» التضامن داخله والتعامل بين أعضائه، وهو الأمر المرجح في الاجتماع المخصص لهذا الغرض في الأشهر القادمة.
صحيح أن أصواتا تُسمع، خصوصا من اليسار الفرنسي، تدعو ماكرون إلى الانسحاب من الحلف، إلا أن الصحيح أيضا أن فرنسا عضو مؤسس ورئيسي في الحلف الأطلسي، وهي ثالث بلد نووي داخله بعد الولايات المتحدة وبريطانيا. إلا أن باريس، زمن رئاسة الجنرال شارل ديغول، طلبت نقل مقر الأطلسي منها إلى عاصمة أخرى رغبة في استعادة نوع من الاستقلالية وحرية التحرك الخارجي. كذلك قرر ديغول وقتها، الانسحاب من القيادة العسكرية الموحدة في العام 1966 وبقيت الأمور على هذه الحال على هذا المنوال حتى عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، أميركي الهوى، الذي أعاد بلاده إليها.
وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون سبق له أن وصف الحلف، نهاية العام 2019 بأنه يعاني من «موت سريري»، وذلك في عز الخلاف الفرنسي - التركي في مياه المتوسط. وبالنظر لرد فعل الحلف «الفاتر» على المطالب الفرنسية وقتها، فقد قررت باريس «تجميد» أنشطتها الأطلسية لفترة جاءت قصيرة للغاية، ومن غير الحصول على ما كانت تبغيه من وقوف الحلف إلى جانبها. واليوم، وفي ظل تمسك أعضاء أوروبيين بالمظلة الأميركية وعدم استعدادهم لإزعاج واشنطن، فإن باريس تجد نفسها شبه وحيدة في مطالباتها. بيد أن الأمر الأهم أن فرنسا غير قادرة على مواجهة واشنطن التي تحتاج لمساندتها كما في منطقة الساحل الأفريقي مثلا، حيث تقدم القوة الجوية الأميركية المتمركزة في النيجر خدمات لقوة «برخان» الفرنسية بتزويدها بصور تلتقطها طائراتها المسيرة (درون) أو المعلومات الاستخبارية التي تجمعها.
هكذا، تبدو مروحة الخيارات الفرنسية وإن كانت متسعة نظريا، إلا أنها محدودة عمليا إلا إذا أرادت باريس التسبب بأزمة دبلوماسية عميقة مع واشنطن، وأن تعزل نفسها عن طريق التقارب مثلا مع الصين أو مع روسيا أو الذهاب ضد المصالح الأميركية والغربية بشكل عام. ومن غير دعم أوروبي واضح وفاعل، فإن المتاح أمام باريس يبدو متواضعا.
ونقلت صحيفة «لو فيغارو» اليمينية أمس عن جيرار آرو، السفير الفرنسي السابق في واشنطن قوله إن لفرنسا وأوروبا «مصلحة في المحافظة على علاقات جيدة مع الصين، كما يتعين أن تكون لهما سياسة مختلفة إزاءها عن السياسة الأميركية».
وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس بايدن سعى، إبان قمة الحلف الأطلسي في بروكسل، في شهر يونيو (حزيران) الماضي، لتعبئة الأوروبيين خلفه في سياسة المواجهة مع بكين التي ترى فيها واشنطن «الخطر الأكبر» للقرن الحالي إلا أن ماكرون وميركل عارضاه في هذا التوجه.
تبقى مسألة التعامل مع أستراليا التي سعت في الأيام الثلاثة الماضية إلى تبرير قرار الفسخ باعتبارات أمنية واستراتيجية، ومحاولة ترطيب علاقاتها مع فرنسا. ويمكن إدراج العقد الموقع أمس بين شركة ألستوم الفرنسية ومدينة ملبورن الأسترالية لتزويدها بـ25 قطارا وبقيمة تصل إلى 300 مليون يورو، مؤشرا على رغبة كانبيرا في استمرار التعاون مع فرنسا. وفي أي حال، أعادت أستراليا تذكير الفرنسيين بأنها أرسلت جنودا للدفاع عن أراضيها في الحربين العالميتين القرن الماضي وأن 10 آلاف جندي أسترالي ضحوا بحياتهم من أجلها.
وفي الأيام القادمة، ينتظر أن تنطلق محادثات بين شركة «نافال غروب» الفرنسية والحكومة الأسترالية لتحديد مبلغ التعويضات المفترض دفعها وفق نص العقد للجانب الفرنسي. وبالتوازي، تأمل باريس بممارسة ضغوط على كانبيرا من خلال الاتحاد الأوروبي ومحاولة تأخير أو حتى عرقلة التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة بينه وبين أستراليا، وهو الأمر الذي أشار إليه وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي كلمان بون يوم السبت الماضي. وترجح معلومات متوافرة في باريس أن الجانب الفرنسي قد يركز اهتمامه على الهند التي باع لها أسرابا من طائرات «رافال» المقاتلة كشريط عسكري ودفاعي يحل محل أستراليا في منطقة الهندي ــ الهادي.

بريطانيا: حبنا لفرنسا راسخ
> شدد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على العلاقة «البالغة الأهمية» بين بلاده وفرنسا، وذلك في مواجهة غضب باريس. وقال جونسون لصحافيين على متن طائرة تُقله إلى نيويورك، إن لندن وباريس تربطهما «علاقة ودية جداً» و«بالغة الأهمية»، مشدداً على أن «حب بريطانيا لفرنسا» راسخ.
وكان بايدن أعلن عن تحالف دفاعي أسترالي - أميركي - بريطاني جديد يأتي ضمن اتفاقية شراكة يُنظر إليها على أنها تهدف إلى مواجهة صعود الصين. لكن جونسون قال على متن الطائرة إن هذه الاتفاقية «لا تهدف إلى أن تكون إقصائية».
وأضاف «إنها ليست شيئا يجب على أي أحد كان أن يقلق بشأنه ولا سيما من خلال أصدقائنا الفرنسيين».



في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.