النحت... وجه آخر للعملاق الصيني

كتاب يروي قصته الموغلة في القدم

من أشهر أعمال النحت الصينية  ويقال إنه مستلهم من الإغريق
من أشهر أعمال النحت الصينية ويقال إنه مستلهم من الإغريق
TT

النحت... وجه آخر للعملاق الصيني

من أشهر أعمال النحت الصينية  ويقال إنه مستلهم من الإغريق
من أشهر أعمال النحت الصينية ويقال إنه مستلهم من الإغريق

يروي هذا الكتاب قصة النحت الصيني وفنونه الموغلة في القدم، مضيفا بعدا جماليا مهما للصورة العالقة في الأذهان عن الصين وغزوها الاقتصادي الشرس وقدرتها الفذة على إغراق أسواق العالم بمنتجات زهيدة السعر، وهو ما انعكس في وقائع حرب تجارية باتت تشغل الفضاء العام بين بكين وواشنطن.
الكتاب بعنوان «النحت الصيني» للمؤلف «ﻻلي وانغ يا»، مراجعة «دو تشونغ» وصدر باللغة العربية ضمن سلسلة «الصين الثقافية» عن «دار النشر الصينية عبر القارات».
يذكر الكتاب أن النحت يعد واحدا من أقدم الفنون في الصين، وقد نشأ في العصر الحجري الجديد، حيث اكتُشف في تسعينات القرن العشرين منحوت حجري على شكل تنين يبلغ طوله حوالي 20 مترا ويرجع تاريخه إلى أكثر من 8000 عام وهو بذلك يعد أقدم المنحوتات الحجرية الضخمة المكتشفة حتى الآن.
ويشكل العصر الحجري الجديد ذروة لثقافة النحت في حقبة ما قبل التاريخ، إذ إن الناس في هذا الوقت أجادوا تقنية صنع الفخار على نحو مدهش. وكانوا يركزون على المنحوتات التي تمتعت معظمها بالوظائف العملية مثل الإبريق الفخاري الذي كان الأكثر شيوعا ويتم تصميمه دائما بوجه إنسان، أو يكون على شكل حيوان، وهو أمر كان شائعا كذلك في الثقافات البدائية الأخرى بما فيها الروسية والهندية. كانت هناك أوان على شكل حيوان بالكامل كما كانت هناك أخرى تجسد جماليات الجسد الأنثوي. تمتاز معظم الأدوات الفخارية من الفترة البدائية بالزخارف والنماذج الملونة على نحو يعكس مستوى التقنيات والعادات الاجتماعية والمعايير الجمالية في هذا الوقت. ويورد المؤلف ملحقا مصورا يتضمن بعضا من نماذج ذلك العصر عبر عدد من الأواني التي تمثل الخصائص الزخرفية المجردة للأدوات الفخارية الملونة منها زجاجة فخارية مكتشفة في «داديوان» ببلدة تشينان في مقاطعة قانسو عام 1973 وهي زجاجة فخارية ملونة على شكل رأس إنسان.
ويشير الكتاب إلى أن النحت الصيني أخذ مسارات مختلفة في مناطق جغرافية متنوعة على نحو يصعب معه تصنيفه إلى أنواع محدودة. ودائما ما يتعلق تطوره بشكل وثيق بالأوضاع التاريخية، إذ إن النحت أكثر تأثرا بالوضع السياسي من فن الرسم على سبيل المثال، كما يتماشى تطور أساليبه مع ازدهار البلاد. ويضرب مثالا على ذلك بالمنحوتات التي تتميز بالهيبة و«الطقوسية»، خلال أسرتي «شانغ» و«تشو» في الفترة من 1600 إلى 221 قبل الميلاد، كما ظهرت أعمال النحت المفعمة بالجلال وقوة التكثيف أثناء أسرة هان التي تلتهما، بينما صنعت التماثيل البوذية ذات المؤثرات الروحانية في أسرتي وي وجين، والأسر الجنوبية والشمالية في الفترة من 265 إلى 589 ميلادية. أما الأعمال من أسرة سونغ «960 - 1279» فنجدها دقيقة وخفيفة ومعتدلة بينما انتشرت المنحوتات الملونة المتحررة من الإيحاءات الدينية في أسرتي مينغ وتشينغ «1368 - 1911».

جنود وخيول من الفخار

مع تطور تقنيات صب البرونز لدى نحاتي السهول الوسطى في الصين، كان هذا الفن على موعد مع قفزة كبيرة من التقدم في عصر أسرتي شانغ وتشو، حيث ظهرت المنحوتات التي كثيرا ما تجسد أشكالا حيوانية شرسة على نحو يعكس بعض المفاهيم والمعتقدات المرتبطة بالسحر وطرد الأرواح الشريرة. ومن بين المنحوتات البرونزية المهمة في هذا السياق، تمثال الفيل من «ليلينغ» بمقاطعة «هونان» الذي جاء كتحفة فنية أنيقة تجمع بين الشكل الحيواني والبراعة في النحت، والخيال المجنح الذي لم يكتف بجسد الفيل وإنما أضاف إليه عدة وجوه حيوانية وزوجا من التنانين والنمور والعنقاء، مع وضع السحب والرعد في الخلفية كما تندمج الأساليب الزخرفية في هذا العمل المركب على نحو يعطي شعورا بالإيقاع والمرونة.
بالمقارنة مع التماثيل البرونزية من المناطق الأخرى، تتمتع تماثيل مقاطعة «سانشينغدوي» بصفات المنحوتات المستقلة خاصة تلك الواقفة على القاعدة على نحو يتشابه مع المنحوتات التذكارية في العصر الحديث. وتعد منحوتات الجيش الإمبراطوري المكون من جنود وخيول وعربات عسكرية واحدة من أعظم تراث النحت الصيني في عصر الإمبراطور «تشينشي هوانغ» الذي قام ببناء هذه المجموعة الضخمة من التماثيل الفخارية، بعد وفاته بأكثر من 2000 عام عثر رجل على هذا الكنز صدفة عندما كان يحفر بئرا في الجانب الشرقي لضريح الإمبراطور. ويعد اكتشاف تماثيل الجنود والخيول الفخارية إحدى العجائب الثقافية القديمة وهي أيضا من أهم الاكتشافات الأثرية في العصر الحديث، حيث ظل هذا الجيش الجرار بحالته الأولى لأكثر من ألفي عام.

الفن البوذي

انتقلت البوذية إلى الصين أثناء أسرة هان الشرقية «25 - 220 م» وانتشر الفن البوذي على نطاق واسع، حيث شهد فن النحت توسعا لا مثيل له من حيث الجودة والحجم والتقنية الفنية والبعد الروحي. دمجت التماثيل البوذية بالصفات الصينية بشكل تدريجي وهذا يتمثل في ملابس بوذا بعد حكم الإمبراطور «شياو ون» من أسرة وي الشمالية ليتم صبغ الفن البوذي بالروح الصينية حيث حل، على سبيل المثال، رداء المثقف القديم محل الشاش الهندي وفي أحيان كثيرة يتم ارتداء «السترات» ذات الياقة المتقاطعة مع جبة الراهب المشقوقة من الأمام بما يعطيها أسلوبا ملكيا.
هناك تماثيل عرائس النعيم «البوديسافا» المنحوتة في كهوف «موقاو» من أسرة تانغ على شكل فتيات متنوعات (ممتلئة وأنيقة وكريمة ومتحفظة)، تبدو العرائس محبوبة للغاية، كونها تتمتع بشعور الجلال بما يجسد المثل الأعلى للجمال الإنساني. فيما بعد، صارت تلك النوعية من التماثيل رشيقة، بسيطة، قريبة من الناس في الحياة اليومية. وتمتد جماليات الفن البوذي لتشمل النقوش الصخرية لأضرحة أسرة «تانغ» بأسلوبها المعماري الفريد والتي تقع في الضفة الشمالية لنهر ويشوي بمقاطعة شنشي، حيث بنيت بقرب الجبال من أجل الإفادة من مواقعها الطبيعية. تتمتع تلك النقوش والمنحوتات الصخرية للأضرحة بأهمية كبيرة في تاريخ النحت الصيني لا سيما النقوش الصخرية للأحصنة الستة في ضريح «تشاولينغ» والتي من المفترض أنها كانت ترافق الإمبراطور «تاي تسونغ» في معركته لتوحيد أقاليم الصين، فضلا عن الأسد الصخري أمام ضريح «شونلينغ».

المنحوتات الملونة

تحتوي معابد الصين المختلفة لا سيما معبد «شوانغلين» الذي تم بناؤه خلال أسرة «وي الشمالية» على العديد من المنحوتات الملونة ذات الحالة السليمة المدهشة، والتي يقدر عددها بما يزيد قليلا على ألفي قطعة. تشمل أساليب النحت الأساسية هنا الحفر المستدير والحفر النافر إلى جانب النحت المعلق على الجدران لذا يطلق على معبد شوانغلين في مقاطعة يينغياو «كنز المنحوتات الملونة الشرقي» كما يطلق عليه أحيانا «متحف المنحوتات». تعلق مئات التماثيل على الجدران بصورة متراصة بحيث لا يكون كل تمثال رائعا فقط في النحت بل في الديكور فيبدو أنه نشيط وحي للغاية! تصنع جميع المنحوتات الملونة بالصلصال الأحمر المحلي الذي يكون جيدا في اللزوجة على نحو يجمع بين الميكانيكا وفنون النحت. وتولي جميع المنحوتات اهتماما بالعيون حيث تستخدم المينا السوداء لنحت كرات العين وهذا هو السبب في أنك تطالع تلك العيون فتجدها لا تزال مشرقة وثاقبة حتى بعد ألف سنة!
وأخيرا، هذا كاتب مهم، موثق بالعديد من الملاحق المصورة الملونة بحيث تغطي كل حقبة زمنية بشكل يتكامل فيه السرد النظري بالمادة البصرية، لكن يؤخذ على هذا العمل صغر حجم الخط «الفنط» على نحو يسبب إرهاقا كبيرا للعين، كما أن الصياغة شابها الكثير من التكرار والركاكة في بناء الجملة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.