باريس تصعّد دبلوماسياً ضد واشنطن وكانبيرا

مباحثات مرتقبة لوزير الخارجية الفرنسي مع نظيره الأميركي في نيويورك الأسبوع المقبل

وزير خارجية فرنسا جان إيف لو دريان تحدث عن تعرّض بلاده لـ {طعنة في الظهر} (أ.ب)
وزير خارجية فرنسا جان إيف لو دريان تحدث عن تعرّض بلاده لـ {طعنة في الظهر} (أ.ب)
TT

باريس تصعّد دبلوماسياً ضد واشنطن وكانبيرا

وزير خارجية فرنسا جان إيف لو دريان تحدث عن تعرّض بلاده لـ {طعنة في الظهر} (أ.ب)
وزير خارجية فرنسا جان إيف لو دريان تحدث عن تعرّض بلاده لـ {طعنة في الظهر} (أ.ب)

خلال أقل من السنوات الخمس الأخيرة التي انقضت من عهد ماكرون، لم تعمد فرنسا إلى استدعاء سفرائها سوى مرتين: الأولى، من روما، في شهر فبراير (شباط) من عام 2019، احتجاجاً على لقاء بين نائب رئيس الوزراء الإيطالي لويجي دي مايو (وزير الخارجية الحالي) مع ممثلين عن حركة «السترات الصفراء»، الأمر الذي اعتبرته باريس وقتها بمثابة «بادرة استفزازية»، والمرة الثانية، من أنقرة، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، للتنديد بتصرفات رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أروغان وتصريحاته التي شكك فيها بـ«صحة الرئيس ماكرون العقلية»، واعتبرتها فرنسا «مهينة» و«لا يمكن القبول بها» بحق رئيسها. ولكونها «استثنائية» رغم أنها رمزية بالدرجة الأولى، فإنها تؤشر لحالة الغيظ، بل الغضب الدبلوماسي الذي تتسبب به مبادرات مستفزة. ومنذ ليل الخميس ــ الجمعة، حيث ذاع خبر «الشراكة الاستراتيجية» بين الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وأستراليا، وما استتبعه من فسخ عقد «صفقة القرن» الموقع بين باريس وكانبيرا بقيمة 56 مليار يورو، لشراء 12 غواصة تقليدية من الجيل الجديد واستبدال ثماني غواصات أميركية الصنع تعمل بالدفع النووي به، لم يخرج الرئيس ماكرون عن صمته رغم المناسبات التي توفرت له من أجل التطرق إلى موضوع بالغ الأهمية الدبلوماسية والاستراتيجية والاقتصادية ويمس مصالح فرنسا الأساسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
باريس جعلت وزير خارجيتها جان إيف لو دريان في المقدمة مدعوماً بوزيرة الدفاع فلورانس بارلي، إلا أن الأول هو المعني بالدرجة الأولى، لأن العقد وقع عندما كان وزيراً للدفاع في حكومات الرئيس فرنسوا هولند المتعاقبة طيلة خمس سنوات، وبالتالي فإن فسخ العقد يمكن اعتباره فشلاً شخصياً له وتبديداً لجهود حثيثة بذلها مع الجانب الأسترالي. وتبدى غضب لو دريان منذ الساعات الأولى في حديثه عن «طعنة في الظهر» بخصوص قرار كانبيرا وتشبيهه أداء الرئيس بايدن بأداء سلفه دونالد ترمب لجهة الفظاظة في التعامل وازدراء علاقات التحالف والشراكة القائمة على ضفتي الأطلسي. كان لافتاً في البيان الصادر عن لو دريان المتضمن استدعاء السفيرين في واشنطن وكانبيرا برونو أتيان وجان ــ بيار تيبو «فوراً للتشاور» أنه جاء بطلب مباشر من الرئيس ماكرون. ومن المهم جداً الالتفات إلى المفردات والعبارات التي تضمنها البيان والمتميزة بقوتها وصرامتها وتبدو مذهلة بالنظر لكونها تتوجه إلى بلدين حليفين لفرنسا: الأول، الولايات المتحدة التي ترتبط بها باريس بعلاقة تاريخية تعود لما قبل قيامها كدولة نظراً للدور الذي قامت به القوات الفرنسية الملكية في مساعدة الثوار الأميركيين في حربهم ضد المستعمر الإنجليزي. وفي كل المناسبات الثنائية يحرص الطرفان على التذكير بهذا الفعل «التأسيسي» كما يحرصان على الإشارة إلى أن القوات الأميركية هبت مرتين لنجدة فرنسا إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وتكفي زيارة منطقة نورماندي (شمال غرب فرنسا) وتحديداً مقابر الجنود الأميركيين الذين سقطوا في معارك الإنزال ضد المحتل الألماني للتثبت من أهمية رابطة الدم. ثم إن باريس وواشنطن عضوان رئيسيان في الحلف الأطلسي وشريكان سياسيان ودبلوماسيان وعضوان رئيسيان في مجلس الأمن. أما بالنسبة لأستراليا، فلأنها شريك متعدد الصفات بالنسبة لباريس التي كانت تعول على «صفقة القرن» الممتدة إلى خمسين عاماً، لتوثيق وتعزيز علاقاتها مع أستراليا القريبة من ممتلكاتها في كاليدونيا الجديدة، المشكَّلة من مجموعة جزر والواقعة في جنوب المحيط الهادئ.
وفي السنوات الأخيرة، تكاثرت الزيارات بين الطرفين وتحوّلت أستراليا إلى أحد أركان الدبلوماسية الدفاعية التي تعتمدها باريس المعنية مباشرة بما يحصل في هذه المنطقة، بما في ذلك مواجهة التمدد الصيني الذي تم إيجاد الشراكة الاستراتيجية الجديدة من أجل مواجهته. جاء في حرفية بيان لو دريان ما يلي: «بناء على طلب من رئيس الجمهورية، قررت استدعاء سفيري فرنسا في الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا فوراً للتشاور. وهذا القرار الاستثنائي تبرره الخطورة الاستثنائية لما أعلنه هذان البلدان في 15 سبتمبر (أيلول). إن التخلي عن عقد بيع الغواصات المحيطية الذي يربط أستراليا وفرنسا منذ عام 2016 والإعلان عن شراكة جديدة مع الولايات المتحدة الهادفة إلى إطلاق الدراسات من أجل تعاون مستقبلي (لحيازة) غواصات تعمل بالدفع النووي يعدان تصرفات لا يمكن القبول بها بين حلفاء وشركاء وإن النتائج المترتبة عليهما تمسان مفهومنا للتحالفات والشراكات وأهمية منطقة المحيطين الهندي والهادئ بالنسبة لأوروبا». وكما هو بين، فإن باريس تترك جانباً بريطانيا، الطرف الثالث في الشراكة الجديدة باعتبار أن هناك طرفين مخطئين بحقها: الأول، أستراليا التي تخلت عن عقد ضخم ورئيسي جارٍ تنفيذه رغم التأخر الذي لحق به من الناحية الفنية ولأنها لم تعمد إلى إبلاغ باريس برغبتها في فسخه وهي الرواية التي تناقضها كانبيرا، والطرف الثاني هو واشنطن التي تأخذ عليها باريس فظاظتها في التعامل وأحادية تصرفها ونسفها لبرنامج تعاون رئيسي وأساسي بالنسبة لفرنسا في منطقة تعتبرها بالغة الأهمية لها وللاتحاد الأوروبي سياسياً وأمنياً واستراتيجياً واقتصادياً. وعلى سبيل المثال، فإن الاستثمارات الأوروبية في المنطقة بلغت 12 ألف مليار دولار في السنوات الأخيرة. يضاف إلى ذلك أن «الشراكة الجديدة» الموجهة تحديداً ضد الصين يبدو أن غرضها كان إخراج فرنسا ومعها النادي الأوروبي من المعادلة والتركيز على 3 بلدان أنجلو - فونية.
وبحسب مصادر فرنسية رسمية، فإن العجب أن الرئيس بايدن لم يأخذ بعين الاعتبار المصالح الأوروبية بينما سعى، خلال قمة الحلف الأطلسي التي عقدت في بروكسل في شهر يونيو (حزيران) الماضي، إلى محاولة تعبئة الأوروبيين في مواجهته مع الصين. والحال أن عدداً من البلدان الأوروبية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا، قاومت هذا التوجه، بل إن الرئيس ماكرون عبر عن معارضته في جملة شهيرة حين قال: «الحلف الأطلسي ليس معنياً بالصين وإلا فإن الخريطة (الجغرافية) التي اعتمد عليها تحتوي بعض الأخطاء». ومن المصادفات أن الإعلان عن الشراكة الجديدة تم بينما كان الاتحاد الأوروبي بصدد الكشف عن خططه الجديدة في التعامل مع الصين. وأهم ما جاءت به هذه الخطة التركيز على مسائل التعاون في ميداني البيئة وحمايتها والأبحاث السيبرانية والحاجة للتعاون بشأن الملفات الخلافية وحقوق الإنسان... ولكن الأوروبيين لم يعينوا الصين «منافساً استراتيجياً شاملاً»، وفق التصنيف الأميركي.
يرى المراقبون في باريس أن الأزمة الراهنة مع واشنطن تذكر بالأزمة التي نشبت بين الطرفين في عام 2003 بخصوص غزو العراق الذي كانت تخطط له واشنطن ولندن بحجة إخفائه أسلحة دمار شامل «نووية وكيميائية». وقتها، وإبان ولاية الرئيس الأسبق الديغولي جاك شيراك هددت باريس باللجوء إلى حق النقد (الفيتو) ضد أي قرار يقدم بهذا المعنى إلى مجلس الأمن الدولي. والغزو حصل من غير قرار جديد من الأمم المتحدة والنتيجة كانت قطيعة أميركية ــ فرنسية ودعوات لمقاطعة البضائع الفرنسية.
ويتذكر الجميع أن الأميركيين قاموا بإعادة تسمية البطاطس المقلية بالتخلي عن تسمية «البطاطس الفرنسية» لصالح «بطاطس الحرية». والسؤال اليوم يتناول الإجراءات التي يمكن لباريس القيام بها إزاء كانبيرا وواشنطن.
في الجانب الأسترالي، ثمة أمران لافتان: الأول، تهديد باريس بدعم أوروبي بإعاقة التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة بين أستراليا والاتحاد الأوروبي، وهو ما أشار إليه وزير الشؤون الأوروبية كليمان بون ودعمه في ذلك وزير الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل. والثاني، مطالبة شركة «نافال غروب» الفرنسية بتعويضات عن فسخ العقد. وينتظر أن تنطلق سريعاً مفاوضات بين الطرفين لتقييم هذه التعويضات، ولكن يتم الحديث في برايس عن مئات الملايين من اليوروهات. أما فيما خص واشنطن، فإن البارز أن الإدارة الأميركية تسعى بقوة لرأب الصدع. يضاف إلى ذلك أن السفير الفرنسي في واشنطن برونو أتيان تم استقباله مرتين في البيت الأبيض، فيما اتصل وزير الدفاع لويد أوستن بنظيرته الفرنسية فلورانس بارلي. وكل هذه الاتصالات تشدد على عمق وصلابة العلاقات بين الطرفين. ولا شك أن الأسبوع المقبل سيشهد مزيداً من الاتصالات بمناسبة انطلاق الأعمال السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسيكون الوزير لو دريان في نيويورك هناك، ومن المتوقع حصول لقاءات ثنائية فرنسية - أميركية على هامشها. وحتى اليوم، لم يصدر تأكيد لسفر الرئيس ماكرون إلى نيويورك. وفي حال تمت هذه الخطوة، فمن المرجح لقاؤه مع نظيره بايدن وستكون العلاقة بين البلدين بطبيعة الحال من ضمن موضوعات التباحث.



الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية
TT

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

قالت الشرطة الدنماركية، على موقعها الإلكتروني، اليوم الخميس، إنها بصدد تفتيش سفينة حاويات موجودة في مضيق كاتيجات بين الدنمارك والسويد كانت في طريقها إلى ميناء آرهوس.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أكدت الشرطة لهيئة الإعلام الدنماركية «تي في 2» أن روسيا هي بلد منشأ السفينة، المعروفة باسم «نورا»، ولم يجرِ الكشف عن أسباب التفتيش.

ووفقاً لموقع «فيسل فايندر»، يبلغ طول السفينة «نورا» 227 متراً، وكانت آخِر مرة رست فيها في ميناء سانت بطرسبرغ.

وذكرت وكالة الأنباء الدنماركية «ريتزاو» أن السلطات الملاحية الدنماركية كانت قد احتجزت السفينة، في فبراير (شباط) الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي ترسو في الجزء الشمالي من مضيق كاتيجات.

وذكرت أن السفينة «نورا» كانت ترفع عَلم جزر القمر، لكنها مسجلة في إيران.

وأفادت «ريتزاو» أيضاً، بناء على معلومات من وزارة الخزانة الأميركية، بأن السفينة «نورا» كانت مرتبطة بشركة «ريل شيبينج إل إل سي» وتخضع لعقوبات دولية.

وتردَّد أن الشركة يسيطر عليها محمد حسين شمخاني، الذي كان والده علي شمخاني مستشاراً رئيسياً للمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.

ولقي كلاهما حتفهما في هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير.


اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

قال اتحاد رائد للبحارة ومجموعات في قطاع الشحن، الخميس، إن للبحارة الحق في رفض الإبحار على متن السفن التي تمر عبر الخليج، بما في ذلك مضيق هرمز، بعد ارتفاع التهديد في المنطقة إلى أعلى مستوى له.

ويوجد نحو 300 سفينة راسية على جانبَي المضيق في الوقت الذي تتصاعد فيه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران. ومنذ 28 فبراير (شباط)، تعرضت تسع سفن لأضرار، ولقي بحار واحد على الأقل مصرعه، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وكجزء من الترتيبات التي تم التوصل إليها، الخميس، بين البحارة وشركات الشحن التجاري، والمعروفة باسم «المنتدى الدولي للتفاوض»، يمكن للبحارة رفض الإبحار في المنطقة، مع إعادة ترحيلهم على نفقة الشركة وتعويضهم بمبلغ يعادل أجرهم الأساسي لمدة شهرين.

وذكر الاتحاد الدولي لعمال النقل في بيان أنه بالإضافة لما هو مقرر، سيحصل البحارة على أجر أعلى، وسيتم مضاعفة التعويض في حالة الوفاة أو العجز.

وقال ستيفن كوتون، الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال النقل: «يضمن التصنيف الحالي أن البحارة على السفن المشمولة باتفاقيات (المنتدى الدولي للتفاوض) يتمتعون بحماية أساسية إذا كانوا يعملون في هذه المنطقة الخطرة».

وأضاف: «اضطرارنا لاتخاذ هذه التدابير في حد ذاته دليل قاطع على الوضع الذي يواجهه البحارة اليوم. لا ينبغي أن يتعرض أي عامل لخطر القتل أو التشويه لمجرد قيامه بعمله...».


انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
TT

انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)

في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك بالاستراتيجيات العسكرية والقدرات القتالية وحدها، بل تلعب الموارد اللوجستية ومخزونات الأسلحة دوراً حاسماً في تحديد مسار الصراع ومدته؛ فكلما طال أمد المواجهة، أصبح السؤال حول قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية وتوفير الذخائر والمعدات مسألة محورية قد تؤثر بشكل مباشر في مآلات الحرب.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده تمتلك «إمدادات غير محدودة تقريباً» من الأسلحة الرئيسية. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الإيرانية أن لديها «القدرة على مقاومة العدو» لفترة أطول مما خططت له الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مخزونات الأسلحة والإمدادات لا يمكن أن تحسم نتيجة الصراع بمفردها؛ فالتاريخ الحديث يبيّن أن التفوق في العتاد لا يضمن بالضرورة تحقيق النصر، كما ظهر في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث تمتعت موسكو بتفوق واضح في العدد والعدة، ومع ذلك استمر الصراع لفترة طويلة دون حسم سريع. ومع هذا، تبقى الموارد العسكرية عاملاً مهماً في استدامة العمليات القتالية، وفقاً لتقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

ومنذ بداية الحرب الإيرانية الحالية، كانت وتيرة العمليات العسكرية مرتفعة للغاية، ما يعني أن كلا الجانبين يستهلكان الأسلحة والذخائر بوتيرة أسرع من القدرة على إنتاجها.

ويقدّر «معهد دراسات الأمن القومي (INSS)»، في تل أبيب، أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا بالفعل أكثر من ألفي ضربة عسكرية، استخدمت في كل منها عدة أنواع من الذخائر.

في المقابل، يشير المعهد إلى أن إيران أطلقت 571 صاروخاً و1391 طائرة مسيّرة، وقد تم اعتراض العديد منها. وبالنسبة لكلا الطرفين، سيصبح الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من العمليات القتالية أكثر صعوبة، كلما طال أمد الحرب، بحسب «بي بي سي».

آثار الصواريخ في سماء نتانيا الإسرائيلية تظهر وسط وابل جديد من الهجمات الصاروخية الإيرانية (أ.ف.ب)

الوضع الإيراني

يقول مسؤولون غربيون إنهم لاحظوا انخفاضاً في عدد الصواريخ التي تطلقها إيران؛ حيث تراجع المعدل من مئات الصواريخ في اليوم الأول للحرب إلى عشرات الصواريخ فقط في الوقت الحالي.

وقبل اندلاع الحرب، كان يُقدَّر أن إيران تمتلك مخزوناً يزيد على ألفي صاروخ باليستي قصير المدى. ومع ذلك، لا تنشر الجيوش عادة أرقاماً دقيقة حول عدد الأسلحة التي تمتلكها؛ إذ تُبقي هذه المعلومات سرية بهدف عدم كشف قدراتها الحقيقية للخصوم.

وفي هذا الإطار، صرّح القائد الأعلى للقوات الأميركية، الجنرال دان كين، أمس (الأربعاء)، بأن إطلاق إيران للصواريخ الباليستية انخفض بنسبة 86 في المائة مقارنة باليوم الأول للقتال يوم السبت. كما تقول «القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)» إن هناك انخفاضاً بنسبة 23 في المائة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط.

ويُعتقد أن إيران أنتجت عشرات الآلاف من طائراتها المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه «شاهد» بكميات كبيرة، قبل اندلاع الحرب. وقد صدّرت هذه التقنية إلى روسيا، التي تستخدم نسختها الخاصة من «شاهد» بفعالية مدمرة في أوكرانيا. وحتى الولايات المتحدة قامت بنسخ هذا التصميم.

طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق في السماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

غير أن كين قال إن عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة الإيرانية انخفضت أيضاً بنسبة 73 في المائة، منذ اليوم الأول للصراع، ما يشير إلى أن إيران قد تواجه صعوبة في الحفاظ على وتيرة عمليات مرتفعة لفترة طويلة.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون هذا التراجع الحاد محاولة متعمدة للحفاظ على المخزونات العسكرية. لكن استمرار الإنتاج سيصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي الوقت الراهن، تتمتع الطائرات الأميركية والإسرائيلية بتفوق جوي واضح فوق إيران.

وتقول القيادة المركزية الأميركية إن المرحلة التالية من الحرب تركز على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى استهداف مخزونات الأسلحة وتدمير المصانع التي تُنتجها.

ورغم أن التفوق الجوي قد يسهل على الولايات المتحدة وإسرائيل إضعاف القدرة القتالية الإيرانية، فإن تدمير جميع مخزونات أسلحتها سيظل مهمة صعبة للغاية، بحسب تقرير «بي بي سي».

أنظمة الدفاع الجوي تعترض طائرة مسيرة بالقرب من القنصلية الأميركية ومطار أربيل الدولي (إ.ب.أ)

الولايات المتحدة... والجيش الأقوى

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم؛ إذ يفوق مخزونها من الأسلحة التقليدية مخزون أي دولة أخرى.

ومع ذلك، يعتمد الجيش الأميركي بدرجة كبيرة على الأسلحة الدقيقة التوجيه باهظة الثمن، التي تُنتج عادة بكميات محدودة. وتشير التقارير إلى أن ترمب دعا إلى اجتماع مع شركات المقاولات الدفاعية في وقت لاحق من هذا الأسبوع للضغط عليها من أجل تسريع الإنتاج، وهو ما قد يشير إلى أن موارد الولايات المتحدة نفسها قد تتعرض لضغوط إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

وقد خفّ بعض هذا الضغط مؤخراً، بعد أن باتت أميركا تتمتع بحرية نسبية في تنفيذ ضربات قريبة المدى.

طائرة مقاتلة تستعد للهبوط في قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة بالقرب من ليماسول بقبرص (أ.ب)

وأوضح كين أن واشنطن تخلّت بالفعل عن استخدام «الأسلحة بعيدة المدى» في هذه المرحلة من العمليات، وهي أسلحة أكثر تكلفة وتطوراً، مثل صواريخ «توماهوك كروز».

وبدلاً من ذلك، يستخدم سلاح الجو الأميركي الآن أسلحة «بديلة» أقل تكلفة، مثل قنابل JDAM التي يمكن إسقاطها مباشرة فوق الهدف.

ويقول مارك كانسيان، العقيد السابق في مشاة البحرية الأميركية، الذي يعمل في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)» في واشنطن، إنه بعد الهجوم الأولي من مسافة بعيدة «يمكن للولايات المتحدة الآن استخدام صواريخ وقنابل أقل تكلفة».

ويضيف أن واشنطن قادرة على مواصلة هذا المستوى من القتال «إلى أَجَل غير مسمى تقريباً». ومع ذلك، فكلما طالت الحرب تقلّصت قائمة الأهداف العسكرية المحتملة، وهو ما يؤدي عادة إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة العمليات.

وتشكل الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تطوراً لافتاً ومؤثراً، ليس على واقع طهران فحسب، بل قد تنعكس تداعياتها على أكثر من صعيد في المنطقة.

ومنذ أيام، نفذت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل سلسلة ضربات قوية أدَّت إلى مقتل قادة بارزين في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، أطلقت إيران سلسلة صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل، لكن العديد منها طالت عدة دول عربية، وتسببت في حرائق وخلقت ضحايا وسط موجة إدانات ضد النظام الإيراني.