أرشفة ذاكرة ومشتقات حياة

رواية «أنا ونامق سبنسر» لشاكر الأنباري

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

أرشفة ذاكرة ومشتقات حياة

غلاف الرواية
غلاف الرواية

يطرح شاكر الأنباري نفسه في هذه الرواية كسارد ذاتي، ويتجلّى ذلك من خلال العنوان «أنا و..».، الأنا هي الشاهد، والمؤلف هو السارد، والسرد هو «استعادي نثري ينتجه شخص واقعي، مهتما بوجوده الخاص، ومركّزا على حياته الشخصية، وعلى تطور شخصيته بنوع خاص» (لوجون).. يصنّف عمل الأنباري ضمن مدار الكتابة عن الذات، أي عن حياته الخاصة، عن أفكاره وعواطفه، نجاحه وفشله، وعن أصدقائه وأشياء أخرى.. ويعطي معنى لكل ذلك من خلال تجربة روحية ونفسية تسكن الذات وحياة عاشها ردحا من الزمن، فنكاد نلمس أن الذات المبدعة تتحرك داخل المسافة النصيّة لتكوّن رؤية خاصة لها وللعالم، وذلك حينما تبدأ من لحظة حضور متقدة للإدراك، وتقف في حالة مواجهة مع الوعي الماضوي بكل ما يختزنه من تفاصيل.
هل نصنّف ما كتبه الروائي ترجمة ذاتية أَم رواية سيرة؟ وهل طغيان السرد الذاتي - السيري المحكوم بالأنا، يغمط حق السرد الروائي المتخيل؟
ندرك جيدا أن السيرة أو الترجمة الذاتية هي جنس أدبي مراوغ، يقترب من أجناس وأنواع أدبيّة أخرى كالمذكرات واليوميات والرسائل والشهادات، ويقترض بعض آليات عمل تلك الأنواع، أو نظمها الداخليّة وكذلك أشكالها التي تأثرت هي أيضا بالسيرة، باستثناء أدب الذات التوثيقي.
غير أن إيقاعات سرد السيرة الذاتية أدبيا تختلف من كاتب إلى آخر وفق أدوات وآليات السرد، فتروح كاشفة ومفسّرة للعمل من خلال الاسترجاع والاستشراف وطرح وجهات النظر والعلاقة بالآخرين، ويقوم الكاتب في نصه بعملية تلاقح وتمازج بين رواية حقيقية معاشة، هي روايته الخاصة، ورواية أخرى مفترضة أو متخيلة، ليس كما الرواية التي تعرّف بأنها كتابة تخلّقت من الخيال.
نحن هنا إذن حيال نص يستخدم وسائل تعبيرية موجودة في كتابة السيرة والرواية، فهو ليس سيرة ذاتية مجردّة ولا رواية وفق الشروط الروائية المتعارف عليها، بيد أن الفن الروائي يمتلك مرونة في تضمين السيرة الذاتية أجواء الرواية. ولكن كيف تنشأ هذه الكتابة؟ وعلى ماذا ترتكز؟

* رواية السيرة
السيرة الذاتية كتابة سردية تنتج من خلال علاقة الذات بالذاكرة، بل تعتمد كليا على الذاكرة التي تشيّد معرفة منتقاة بماضوية الأحداث، فـ«هي فن الذاكرة الأول، لأنها الفن الذي تجتلي فيه الأنا حياتها» - كما يشير جابر عصفور.. وهذا ما يقوله الأنباري عن نفسه بأنه «كتلة متحركة من الذكريات».. يتحوّل السارد إلى مستودع أحداث فاتحا صُنبور ذاكرته على نصّه من أجل التكاشف وإشراك الآخرين والبوح، ليدع ذاته بكلمات نيتشه: «تستريح من خلال ذكرياتها ومواجهتها».. ينجم عن ذلك أسئلة حول مصداقية ما هو مكتوب وانتقائيته وإمكانية تعرّضه للنسيان أو التناسي، للحذف والإضافة، للتعديل والتكييف، إذ إن كتّاب السيرة أحيانا يسلّطون على أنفسهم أضواء إيجابيّة مخفين بذلك بعض الحقائق والوقائع كما ينوّه والاس مارتن.. وقد لا يستغني النص عن التقريرية، أي يقترب من الوثيقة، فتسوده لغة التحقيق الصحافي، أو أسلوب البوح الحكواتي أو الانتقاء.. ويوضّح ذلك جورج مور في قوله: «إن المرء ليطالع ماضي حياته مثلما يطالع كتابا قد مُزِّقت بعض صفحاته وأُتلف منها الكثير».. ومن هنا يمكننا استجلاء آليات يعتمد عليها السارد في كتابته كالزمن والمكان والإيقاع.
تتكئ رواية السيرة على زمن خاص نفسي دون تقسيمات الزمن المعروفة، فالأنباري هنا يقتنص لحظة البدء بمهارة من تخوم الحدث حين يبدأ بزمنه من عودته الأولى للدنمارك قادما من بغداد، ثم يتنقل بزمنه الخاص في استرجاعات عديدة لأزمان أخرى في الدنمارك قبل تلك الرحلة، في العراق وإيران وكردستان وساوباولو وسوريا، دون الالتزام بالتراتبية الزمنية العادية، ليُنتج بذلك زمنا غير متجاور، متخيلا ومتداخلا في رسم وترتيب الصور السردية، يشكّل تاليا الزمن الذاتي الذي تدور حوله الأحداث انطلاقا من وجهة نظر السارد، الذي لا يدور في فلك التاريخ بل يدور التاريخ في فلكه، معتمدا على العناصر الأخرى كالمكان والإيقاع الذي يتضح من خلال تكرارات في العمل تدل عليه.
المكان المنتقى المتنقل نفسه، يكون إيجابيا تارة وسلبيا تارة أخرى (بلد غريب مع بشر لا يهمونني وأشجار لا أعرفها وشوارع منظمة أكثر مما أحتمل) و(مدينة تعتقد أني مختلف ولا أنتمي إليها) و(ما جدوى أن نعيش خارج الأوطان)؟.. لا يعرف السارد أين وكيف يعيش، لا مكان يصلح لوجوده جرّاء تشوّه يصيب ذاته وتخلخل يحلّ في روحه، فلا يرغب العيش في ثلاجة الغربة ولا في جحيم الوطن، لا في صقيع كوبنهاغن ولا في فرن بغداد، المدينة التي لا يكاد يعرفها، فهي بنظره (خزان للموت والعنف منذ عقود).
أين يكمن الإبداع الأدبي هنا؟ أراد الأنباري إخبارنا عن حكايته، وتوخّى التجوال في ردهات ذاكرته والبوح بسيرة رصدت ثلاثة عقود من عمره، يمكن تلخيصها ببضعة سطور: «أنا مواطن عراقي هربت من ويلات الحرب العراقية الإيرانية إلى جبال كردستان ومن هناك إلى إيران وبعدها مكثت في سوريا لأرحل إلى الدنمارك لاجئا.. تعرفت خلال رحلتي على أصدقاء أثروا على حياتي، وبعد تغيير الوضع السياسي في العراق عدت لأعمل في بلدي فلم أجد الراحة المنشودة هناك، ورجعت إلى الدنمارك ثم عدت لفترة قصيرة إلى بلدي وبعدها عشت في الدنمارك لليوم».. حكاية تعكس قسوة الحدث ولا تختلف إلا بتفاصيل معينة عن حيوات عدد لا حصر لهم من المغتربين.. لكن الصياغة الفنية للحكاية وقوة التوتر الداخلي لها، يجعلاها عملا أدبيا متميزا في شكله ومضمونه وتناوله للعلاقة بين الفرد والمجتمع.. فالسارد «أنا»، شاكر الأنباري، وصديقه نامق سبنسر، هو الصوت الآخر، هو المجتمع، الصديق، الوفاء، الحلم، الخيبة، الإنسانية، الإحباط.. النص هنا يسترسل ليس بقدرة السرد الذاتي الخالص، بل يبدو محسوبا بدقة كما في استخدام الجملة الحوارية شديدة التركيز والدلالة والوصف والخيال والمقدرة على السيطرة على الحدث، حتى لو كان السارد بعيدا عنه، يتضح ذلك من خلال جزالة مفردات وقوة تعبير وتركيبات متمكنة من أدواتها الفنية، رغم حضور السارد بضمير المتكلم الذي كما هو معروف، لا يسمح بمعرفة دواخل الآخرين ويجعل من يكتب به، مكتفيا بأوصاف جسمانية لهم، فنامق مثلا بلحية يشبه ممثلا، ونادر بعيون ضيقة، وسُرى بوجه يشبه الأميرة ديانا، وبكذا ألوان ملابس، والنساء بصدر عامر، وغير ذلك من مظاهر عيانية لا تخترق نفس الآخرين وأفكارهم، كل ذلك بلغة عربية فصحى تخلو من اللهجات المحلية والحوارات الشائعة في الرواية.

* رداءة الحياة
تستنهض الرواية أسئلة جمّة وتمتد أناملها داخل جروح طرية لا سبيل لعلاجها راهنا.. ما هو أفق حلول ممكنة لمشاكل العراق والعراقيين في الداخل والخارج في خضم راهن مائج بمجهولية وبؤس؟ لا يعلم الروائي ولا نعلم نحن.
يؤكد الأنباري ذلك حين يصف ما يجري بـ«رداءة الحياة».. تكفي هذه العبارة لاستجلاء أفق الحاضر والغد، وها هو نامق وقد تحول إلى محض «مسوگچي» قبل أن يموت وتموت معه «حياة عرفتها عقودا من السنين».. «اقتطعت ثلاثين سنة من حياتي وأرسلتها إلى القبر». ويصيب نادر خرف جرّاء وحدته، يقضي يومه باحثا في القمامة وحياته منقضية وزائدة، وسنان الشاعر - في الداخل - يتحول إلى قمامة إنسان على فراش.. لا وجود لشخصية إيجابية سوى ذلك العراقي صاحب المطبعة (ص 112) الذي يحقق إنجازا وتوافقا مع غربته وتصالحا معها ومع نفسه بالعمل وباتزان وموضوعية، كان ينبغي التوقف عنده كنموذج للأمل والإيجابية.
ورغم ذلك، يستنتج السارد عبر طيات روايته بأنه «ليس هناك قناعات مطلقة ففي هذه الحياة يمكن لأي شيء أن يحصل»، و«علينا تنظيف رؤوسنا من أفكار ومعتقدات وأوهام ذلك التاريخ البدوي الذي تربينا عليه، التكرار، الاستفاضة، التهويل، الحشو للغة تكرر نفسها»، وأنه لا جدوى من الارتباط بنساء أجنبيات، نظرا لاختلاف الأبوين حضاريا مما ينشأ عنه جيل ثان وثالث محشو بالمشاكل وفاقد للهوية، مثل كارين المشوّشة، ونجمة التي ترفض أبوته عقابا له بعد أن رحل عنها.
ما برحت تساؤلات شتى مفتوحة، إذ ليس هناك ما يحسمها، تطوف في أجواء الرواية بروح وجودية تبحث عن سبب وجيه للحياة، أسئلة عبثية متمردة في الذات القلقة، سؤال الهوية والوجود والرحيل والآخر، تأملات في الحياة والموت، لماذا نعيش ولماذا نموت (الموت هو النسيان المطلق)، ملمّحة بإعجاب إلى فلسفة أبو نضال في اقتناص لذات حياة قصيرة، نهايتها معلومة ومحتومة.
ثمة شخصية تجسّد وضع بلد غارق في التخبّط والانفلات والفساد، ألا وهي الصحافية سُرى، التي قد تكون التغيير الذي حدث والسوء الذي تبلور في العراق، البلد الذي تحوّل إلى منفعة، استنفذه السارد وتاه منه، فغدا السبب المباشر في تركه لأرضه، ليفلسف الزمن الذي «يقشر أوهامنا بقسوة» ويفسّر الأحلام وتغيّرها «وقد تسقط وتولد غيرها»، فالعراق كان حلما يوما ما.. ومع ذلك هي الحب - الأنثى، الذي جعله يحتمل مصاعب الوطن لفترة سبعة شهور.
ينتهي السارد بالتالي إلى شخص «محشو بالذكريات»، يتخيل نفسه «قطارا ضالا يجوب أماكن تختلط مع بعضها وتلتصق به روائح تلك الأماكن».. مؤمنا بأن الشقاء صار ملازما لمعظم العراقيين كقدرهم، وبأن هناك عتمة وانقباضا في حياتنا وواقعا لا ينبت سوى الخذلان.
وأخيرا، ليس من الغرابة القول إن لكل عراقي حكاية وسيرة مفجعة، ولو نقرأ أي رواية عراقية اليوم، لا نجد فيها راحتنا ونصطدم بمواضيع مفرطة بأوجاع وعنف وموت تهيمن على طروحاتها ومفرداتها، سمات أضحت ملامح بارزة في الأعمال الأدبية والفنية.. فهل هناك من طريقة لمحو الذاكرة وإعادتها مجمّلة؟



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».