تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة

الثني يناقش تسليحا للجيش مع شركات أجنبية.. وليون مصر على حكومة وطنية

تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة
TT

تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة

تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة

فيما استمرت أمس المواجهات العسكرية على تخوم العاصمة الليبية طرابلس بين قوات الجيش النظامي بقيادة الفريق خليفة حفتر وميليشيات فجر ليبيا، اتسعت أمس هوة الخلافات بين عبد الله الثني الحكومة الانتقالية المعترف بها دوليا في ليبيا وبرناردينو ليون رئيس بعثة الأمم المتحدة، بعدما كشف الثني النقاب أمس عن تلقيه عروضا خلال لقاء جمعه مع رؤساء شركات أجنبية لمد وتمويل الجيش الليبي بالسلاح والمعدات.
قالت مصادر في الجيش الليبي إن «قوة كبيرة من الجيش دخلت أمس مجددا مدينة العزيزية تنفيذا لخطة غرفة عمليات المنطقة الغربية»، مشيرة إلى أن ميليشيات «فجر ليبيا» شرعت في تجهيز السواتر الترابية شمال المدينة على بعد نحو 3 كيلومترات من وسط المدينة.
وشن سلاح الطيران غارة جديدة على مقر غرفة عمليات هذه الميليشيات في معسكر النقلية بطريق المطار بطرابلس.
وبدا أمس أن المبعوث الأممي يواجه خطر انهيار محادثات السلام التي يقودها منذ عدة أسابيع، حيث اعتبر في تصريحات وزعها مكتبه من المغرب أن الأمم المتحدة مصرة على التسريع في المحادثات، مضيفا «سوف نقوم بكل ما هو ممكن لمواجهة هذا التصعيد العسكري».
وبعدما رأى ليون أن «المجتمع الدولي والأمم المتحدة قلقون جدا جراء التصعيد العسكري»، شدد على أنه «بعد هذه الهجمات (في إشارة إلى عمليات الجيش لتحرير طرابلس) كان هناك احتمال إلغاء الحوار أو مغادرة البعض من الوفود، الوفود ما زالت هنا، لا أحد سوف يغادر».
وأضاف «سوف نحاول أن نضيف إلى طاولة المحادثات لاحقا مناقشة أسماء الأشخاص الذين سوف يكونون جزءا من حكومة الوحدة الوطنية».
وشن مسؤول في حكومة الثني بالإضافة إلى وكالة الأنباء الموالية لها، هجوما عنيفا على المبعوث الأممي برناردينو ليون الذي يسعى لإقناع مجلس النواب بوقف القتال، بسبب تهديدات المبطنة إلى رئيس الحكومة المعترف بها دوليا، بأن تصريحاته المؤيدة لهجوم الجيش الليبي لتحرير العاصمة طرابلس من قبضة ميلشيات فجر ليبيا قد تضع الثني وحكومته خارج إطار الشرعية الدولية.
وقال عمر القويري مسؤول الإعلام والثقافة والآثار في الحكومة الليبية إن «ليون ليس وصيا على الليبيين»، معتبرا أن الشرعية التي يمتلكها مجلس النواب والحكومة مستمدة من الشعب الليبي وليست مستمدة من جهة أخرى خارج ليبيا.
وعد أن عمليات الجيش في بنغازي وطرابلس موجهة للجماعات الإرهابية وتنظيم داعش ولا علاقة لها بموضوع الحوار الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة بالمغرب، وتساءل لماذا يبارك ليون هجوم ميلشيات مصراتة على «داعش» في سرت ويعترض ويستنكر ضربات الجيش الوطني على جماعات «داعش» مثلا في صبراته.
من جهتها نقلت وكالة الأنباء الحكومية عن عدد من أعضاء مجلس النواب رفضهم لمسعى ليون لوقف إطلاق النار، وقالت إنهم طالبوا في المقابل بضرورة أن يقوم بتغيير مصطلحاته ولهجته الدبلوماسية التي لا تتماشى مع الواقع المعاش على الأرض الليبية.
لكن إبراهيم الدباشي مندوب ليبيا الدائم بالأمم المتحدة قال في المقابل لـ«الشرق الأوسط» «أنا أشك في أن السيد ليون قد صرح أو لمح بسحب الشرعية من الحكومة الليبية المؤقتة، لأنه لو فعل ذلك يكون جاهلا لحقيقة أن شرعية الحكومة الليبية منبثقة عن مجلس النواب المنتخب، وليس من خارج حدود ليبيا».
وأضاف ولا أعتقد أن ليون يمكن أن يتجاوز حدود مهمته بمحاولة الإساءة بأي شكل للسلطات الليبية الشرعية أو مساواتها بسلطة الميليشيات، لأن ذلك سيدفع الحكومة ومجلس النواب إلى عدم التعامل معه واعتباره شخصية غير مرغوب فيها ومخاطبة الأمين العام لتغييره.
ومع ذلك فقد اعتبر الدباشي أن «تحرير طرابلس من الميليشيات مسؤولية الحكومة والجيش الليبي أمام الشعب الليبي، ويجب أن تتم عاجلا أم أجلا، وعلى المجتمع الدولي أن يدعم ذلك بغض النظر عن مخرجات الحوار».
أصدرت الولايات المتحدة و5 من الحلفاء الأوروبيين بيانا مشتركا أدان العنف من كلا الجانبين وحث على وقف القتال. ورحب البيان باستئناف المحادثات السياسية التي ترأسها الأمم المتحدة في المغرب، ودعا إلى بذل جهود «مخلصة» للتوصل لوقف لإطلاق النار والاتفاق على حكومة وحدة.
إلى ذلك، قالت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني في بيان نشرته أمس عبر موقعها الإلكتروني إنه «اتفق مع رؤساء شركات أجنبية لتصدير السلاح لم يكشف هويتها، على تحديد مدة زمنية لدراسة العقود المقدمة منها»، مشيرة إلى أنه في حالة موافقة الحكومة على هذه العروض سيتم التعاقد معها بشكل رسمي.
ويسعى الثني كما أبلغ مجلس الأمن الدولي رسميا مؤخرا، لتعزيز قدرات الجيش الذي يقوده حفتر بعد انتهاء الخلافات العالقة بينهما، عبر استيراد 150 دبابة و24 طائرة مقاتلة و7 طائرات هليكوبتر هجومية وعشرات الآلاف من البنادق الرشاشة ومنصات لإطلاق القنابل وملايين من طلقات الذخيرة من أوكرانيا وصربيا وجمهورية التشيك.
واعترفت ميلشيات فجر ليبيا المتطرفة التي تسيطر منذ الصيف الماضي بقوة السلاح على العاصمة طرابلس بمقتل عدد من قياداتها السياسية والعسكرية في المعارك التي تخوضها ضد قوات الجيش الليبي، التي تسعى في المقابل لتحرير العاصمة.
وتغيب صلاح بادي القائد الفعلي لهذه الميلشيات عن تشييع جنازة صلاح البركي القيادي الآخر في نفس الميلشيات والعضو السابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة، مما طرح تساؤلات حول مدى صحة إصابته بشكل خطير في الاشتباكات العسكرية في مناطق غرب ليبيا.
واعتذر بادي هاتفيا عن الحضور إلى الجنازة طبقا لما أعلنه المكتب الإعلامي لميلشيات فجر ليبيا الذي قال في وقت سابق أن بادي سيشارك في الجنازة ردا على مروجي إشاعة مقتله.
وعمل بادي في جيش العقيد الراحل معمر القذافي قبل اندلاع الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلنطي (الناتو) ضده عام 2011، قبل أن يؤسس ميلشيات فجر ليبيا التي تحتل طرابلس وخاضت العام الماضي معركة تم خلالها تدمير مطارها الدولي.
وشيعت أمس بوسط طرابلس جنازة البركي، حيث أم المشيعين الصادق الغرياني مفتى ليبيا المقال من منصبه، حيث حض أتباعه على مواصلة القتال.
كما شارك في الجنازة عدد من أعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته وعمر الحاسي رئيس ما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني وعدد من أعضاء حكومته، بالإضافة إلى معظم قيادات فجر ليبيا.
ووصفته وكالة الأنباء الحكومية بالإرهابي، الذي لقي حتفه في غارة جوية نفذها سلاح الطيران بالجيش الليبي بمنطقة الساعدية أول من أمس.
وترأس أمس نوري أبو سهمين رئيس البرلمان السابق اجتماعا ضم عددا من المسؤولين العسكريين والأمنيين حيث تم بحث آخر المستجدات الأمنية والعسكرية.
إلى ذلك، أعلن عمر الحاسي رئيس وزراء الحكومة غير المعترف بها دوليا في طرابلس أنه أصدر التعليمات لكل الأجهزة الأمنية للتصدي بكل قوة لمن تسول له نفسه المساس بأمن واستقرار العاصمة وما جاورها من مدن ومناطق تنعم بالاستقرار والأمن.
وقال إن ما حدث في العزيزية هو عبارة عن خلايا نائمة تلقت الأوامر بالتحرك لخلق الإرهاب داخل هذه المنطقة المهمة، مشيرا إلى أن «جيش القبائل استغل الحدث لإرسال رسالة مفادها أنه على وشك السيطرة على عاصمتنا العزيزة طرابلس والمنطقة الغربية والصحيح هو أن كل ما نشر عار من الصحة».
وأضاف أننا «نطمئن كل المواطنين وكل الرعايا من الدول الشقيقة والصديقة بأن كل الأمور تحت السيطرة ونطالبهم بعدم الانجرار وراء الشائعات التي من شأنها أن تؤثر على أمن واستقرار ليبيا».
واضطرت الحكومة المعترف بها دوليا برئاسة الثني والبرلمان المنتخب للعمل من شرق ليبيا منذ ذلك الحين، وتتحالف كل من الحكومتين مع فصائل مسلحة تتقاتل من أجل السيطرة على السلطة بعد 4 سنوات من الإطاحة بالقذافي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.