تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة

الثني يناقش تسليحا للجيش مع شركات أجنبية.. وليون مصر على حكومة وطنية

تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة
TT

تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة

تصاعد الخلافات بين الحكومة الليبية ومبعوث الأمم المتحدة

فيما استمرت أمس المواجهات العسكرية على تخوم العاصمة الليبية طرابلس بين قوات الجيش النظامي بقيادة الفريق خليفة حفتر وميليشيات فجر ليبيا، اتسعت أمس هوة الخلافات بين عبد الله الثني الحكومة الانتقالية المعترف بها دوليا في ليبيا وبرناردينو ليون رئيس بعثة الأمم المتحدة، بعدما كشف الثني النقاب أمس عن تلقيه عروضا خلال لقاء جمعه مع رؤساء شركات أجنبية لمد وتمويل الجيش الليبي بالسلاح والمعدات.
قالت مصادر في الجيش الليبي إن «قوة كبيرة من الجيش دخلت أمس مجددا مدينة العزيزية تنفيذا لخطة غرفة عمليات المنطقة الغربية»، مشيرة إلى أن ميليشيات «فجر ليبيا» شرعت في تجهيز السواتر الترابية شمال المدينة على بعد نحو 3 كيلومترات من وسط المدينة.
وشن سلاح الطيران غارة جديدة على مقر غرفة عمليات هذه الميليشيات في معسكر النقلية بطريق المطار بطرابلس.
وبدا أمس أن المبعوث الأممي يواجه خطر انهيار محادثات السلام التي يقودها منذ عدة أسابيع، حيث اعتبر في تصريحات وزعها مكتبه من المغرب أن الأمم المتحدة مصرة على التسريع في المحادثات، مضيفا «سوف نقوم بكل ما هو ممكن لمواجهة هذا التصعيد العسكري».
وبعدما رأى ليون أن «المجتمع الدولي والأمم المتحدة قلقون جدا جراء التصعيد العسكري»، شدد على أنه «بعد هذه الهجمات (في إشارة إلى عمليات الجيش لتحرير طرابلس) كان هناك احتمال إلغاء الحوار أو مغادرة البعض من الوفود، الوفود ما زالت هنا، لا أحد سوف يغادر».
وأضاف «سوف نحاول أن نضيف إلى طاولة المحادثات لاحقا مناقشة أسماء الأشخاص الذين سوف يكونون جزءا من حكومة الوحدة الوطنية».
وشن مسؤول في حكومة الثني بالإضافة إلى وكالة الأنباء الموالية لها، هجوما عنيفا على المبعوث الأممي برناردينو ليون الذي يسعى لإقناع مجلس النواب بوقف القتال، بسبب تهديدات المبطنة إلى رئيس الحكومة المعترف بها دوليا، بأن تصريحاته المؤيدة لهجوم الجيش الليبي لتحرير العاصمة طرابلس من قبضة ميلشيات فجر ليبيا قد تضع الثني وحكومته خارج إطار الشرعية الدولية.
وقال عمر القويري مسؤول الإعلام والثقافة والآثار في الحكومة الليبية إن «ليون ليس وصيا على الليبيين»، معتبرا أن الشرعية التي يمتلكها مجلس النواب والحكومة مستمدة من الشعب الليبي وليست مستمدة من جهة أخرى خارج ليبيا.
وعد أن عمليات الجيش في بنغازي وطرابلس موجهة للجماعات الإرهابية وتنظيم داعش ولا علاقة لها بموضوع الحوار الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة بالمغرب، وتساءل لماذا يبارك ليون هجوم ميلشيات مصراتة على «داعش» في سرت ويعترض ويستنكر ضربات الجيش الوطني على جماعات «داعش» مثلا في صبراته.
من جهتها نقلت وكالة الأنباء الحكومية عن عدد من أعضاء مجلس النواب رفضهم لمسعى ليون لوقف إطلاق النار، وقالت إنهم طالبوا في المقابل بضرورة أن يقوم بتغيير مصطلحاته ولهجته الدبلوماسية التي لا تتماشى مع الواقع المعاش على الأرض الليبية.
لكن إبراهيم الدباشي مندوب ليبيا الدائم بالأمم المتحدة قال في المقابل لـ«الشرق الأوسط» «أنا أشك في أن السيد ليون قد صرح أو لمح بسحب الشرعية من الحكومة الليبية المؤقتة، لأنه لو فعل ذلك يكون جاهلا لحقيقة أن شرعية الحكومة الليبية منبثقة عن مجلس النواب المنتخب، وليس من خارج حدود ليبيا».
وأضاف ولا أعتقد أن ليون يمكن أن يتجاوز حدود مهمته بمحاولة الإساءة بأي شكل للسلطات الليبية الشرعية أو مساواتها بسلطة الميليشيات، لأن ذلك سيدفع الحكومة ومجلس النواب إلى عدم التعامل معه واعتباره شخصية غير مرغوب فيها ومخاطبة الأمين العام لتغييره.
ومع ذلك فقد اعتبر الدباشي أن «تحرير طرابلس من الميليشيات مسؤولية الحكومة والجيش الليبي أمام الشعب الليبي، ويجب أن تتم عاجلا أم أجلا، وعلى المجتمع الدولي أن يدعم ذلك بغض النظر عن مخرجات الحوار».
أصدرت الولايات المتحدة و5 من الحلفاء الأوروبيين بيانا مشتركا أدان العنف من كلا الجانبين وحث على وقف القتال. ورحب البيان باستئناف المحادثات السياسية التي ترأسها الأمم المتحدة في المغرب، ودعا إلى بذل جهود «مخلصة» للتوصل لوقف لإطلاق النار والاتفاق على حكومة وحدة.
إلى ذلك، قالت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني في بيان نشرته أمس عبر موقعها الإلكتروني إنه «اتفق مع رؤساء شركات أجنبية لتصدير السلاح لم يكشف هويتها، على تحديد مدة زمنية لدراسة العقود المقدمة منها»، مشيرة إلى أنه في حالة موافقة الحكومة على هذه العروض سيتم التعاقد معها بشكل رسمي.
ويسعى الثني كما أبلغ مجلس الأمن الدولي رسميا مؤخرا، لتعزيز قدرات الجيش الذي يقوده حفتر بعد انتهاء الخلافات العالقة بينهما، عبر استيراد 150 دبابة و24 طائرة مقاتلة و7 طائرات هليكوبتر هجومية وعشرات الآلاف من البنادق الرشاشة ومنصات لإطلاق القنابل وملايين من طلقات الذخيرة من أوكرانيا وصربيا وجمهورية التشيك.
واعترفت ميلشيات فجر ليبيا المتطرفة التي تسيطر منذ الصيف الماضي بقوة السلاح على العاصمة طرابلس بمقتل عدد من قياداتها السياسية والعسكرية في المعارك التي تخوضها ضد قوات الجيش الليبي، التي تسعى في المقابل لتحرير العاصمة.
وتغيب صلاح بادي القائد الفعلي لهذه الميلشيات عن تشييع جنازة صلاح البركي القيادي الآخر في نفس الميلشيات والعضو السابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة، مما طرح تساؤلات حول مدى صحة إصابته بشكل خطير في الاشتباكات العسكرية في مناطق غرب ليبيا.
واعتذر بادي هاتفيا عن الحضور إلى الجنازة طبقا لما أعلنه المكتب الإعلامي لميلشيات فجر ليبيا الذي قال في وقت سابق أن بادي سيشارك في الجنازة ردا على مروجي إشاعة مقتله.
وعمل بادي في جيش العقيد الراحل معمر القذافي قبل اندلاع الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلنطي (الناتو) ضده عام 2011، قبل أن يؤسس ميلشيات فجر ليبيا التي تحتل طرابلس وخاضت العام الماضي معركة تم خلالها تدمير مطارها الدولي.
وشيعت أمس بوسط طرابلس جنازة البركي، حيث أم المشيعين الصادق الغرياني مفتى ليبيا المقال من منصبه، حيث حض أتباعه على مواصلة القتال.
كما شارك في الجنازة عدد من أعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته وعمر الحاسي رئيس ما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني وعدد من أعضاء حكومته، بالإضافة إلى معظم قيادات فجر ليبيا.
ووصفته وكالة الأنباء الحكومية بالإرهابي، الذي لقي حتفه في غارة جوية نفذها سلاح الطيران بالجيش الليبي بمنطقة الساعدية أول من أمس.
وترأس أمس نوري أبو سهمين رئيس البرلمان السابق اجتماعا ضم عددا من المسؤولين العسكريين والأمنيين حيث تم بحث آخر المستجدات الأمنية والعسكرية.
إلى ذلك، أعلن عمر الحاسي رئيس وزراء الحكومة غير المعترف بها دوليا في طرابلس أنه أصدر التعليمات لكل الأجهزة الأمنية للتصدي بكل قوة لمن تسول له نفسه المساس بأمن واستقرار العاصمة وما جاورها من مدن ومناطق تنعم بالاستقرار والأمن.
وقال إن ما حدث في العزيزية هو عبارة عن خلايا نائمة تلقت الأوامر بالتحرك لخلق الإرهاب داخل هذه المنطقة المهمة، مشيرا إلى أن «جيش القبائل استغل الحدث لإرسال رسالة مفادها أنه على وشك السيطرة على عاصمتنا العزيزة طرابلس والمنطقة الغربية والصحيح هو أن كل ما نشر عار من الصحة».
وأضاف أننا «نطمئن كل المواطنين وكل الرعايا من الدول الشقيقة والصديقة بأن كل الأمور تحت السيطرة ونطالبهم بعدم الانجرار وراء الشائعات التي من شأنها أن تؤثر على أمن واستقرار ليبيا».
واضطرت الحكومة المعترف بها دوليا برئاسة الثني والبرلمان المنتخب للعمل من شرق ليبيا منذ ذلك الحين، وتتحالف كل من الحكومتين مع فصائل مسلحة تتقاتل من أجل السيطرة على السلطة بعد 4 سنوات من الإطاحة بالقذافي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.