المبدع والنص... الصراع المفتوح

كُتاب عرب يتحدثون عن تجاربهم الخاصة

TT

المبدع والنص... الصراع المفتوح

يحدث كثيراً أن يعاني الكُتاب من ظاهرة «متلازمة الورقة البيضاء»، أو الحبسة أو العجز عن الكتابة، ولو لفترة قصيرة. وقد يحدث الأمر معكوساً، أن يتمرد المبدع على ما يكتبه خشية تكرار نفسه، أو نتيجة إحباط فكري ونفسي لعوامل كثيرة، متعلقة به أو بالوسط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه. وفي الحالتين، تبقى العلاقة بين الحالتين، علاقة معقدة، غامضة، وهي تنتج، بسبب ذلك، إشكاليات كبيرة قد تتفاقم مع مرور الزمن، إذا لم يتداركها الكاتب نفسه.
في هذا التحقيق، آراء لعدد من الكُتاب حول العلاقة الشائكة بين الكاتب ونصه...

- رضوى الأسود (روائية مصرية): صراع الكاتب مع نفسه
أعتقد أن ثنائية الكتابة والتمرد لا تخضع لقاعدة ثابتة، حتى لا يمكن الوقوف على أسبابها بشكل واضح، وبالتأكيد تختلف من شخص لآخر. لكنني سأتحدث عن تجربتي الشخصية، فعندما كنت في الثلث الأخير من أحدث رواياتي «بالأمس كنت ميتاً»، وجدتني أتوقف عاجزة عن استكمالها، بعدها بدأت أحداث محنة شخصية مررت بها وكانت الأمرّ والأصعب على الإطلاق، فوجدت الكتابة تأتيني بغير ميعاد، وكم كانت معي جزيلة العطاء، ووجدتني أكتب بلا توقف، وكأن أحدهم يملي عليّ الأحداث، وانتهيت منها في وقت قياسيّ، لتسجل تلك الرواية نجاحاً غير مسبوق، وتصبح علامة فارقة ونقلة نوعية في مشواري الأدبيّ.
بعدها، استعصت عليّ الكتابة الروائية لمدة عام أو أكثر وظلّت تتمرد عليّ، ومررت بما يسمى بـ«متلازمة الورقة البيضاء»، حتى نصحني صديق، حين شكوت له، بأن أكتب عن تلك التجربة الشخصية التي مررت بها، وتداعياتها، شجعني كثيراً ولم يتركني، فوجدت فكرة تهبط على رأسي، ثم شرعت في كتابة رواية جديدة، صحيح أنها لا تمت بصِلة لحياتي، لكنني في نهاية الأمر أمسكت بتلابيب الكتابة، وتمكنت من إخضاعها.
الآن، ومنذ نحو 14 شهراً، وأنا في تلك الحالة من تمرد الكتابة عليّ، تأتيني أفكار عدة، لكن تتبخر سريعاً دون أن أتمكن من اللحاق بها وتدوينها، وحين أفكر في سبب ذلك لا أعلم، فأجدني أقول؛ لمن أكتب إذن؟
أما عن تمردي على الكتابة خوفاً من التكرار، فلم تشغلني تلك الفكرة من قبل، ومنتجي في العموم سواء من الكتب الفكرية أو الروائية ليس بها تشابه على مستوى الفكرة أو البناء أو الشخوص.

- أحمد ولد إسلم (روائي موريتاني): الكتابة فعل تمرد
العلاقة بين الكاتب والكتابة مُعقدة وتحكمها عوامل نفسية واجتماعية، ويصعب وضعها في إطار محدد، فمهما كتب الأدباء عن تلك العلاقة فإن طبيعتها الذاتية تبقى المسيطرة. فلدى الكاتب الواحد تختلف تلك العلاقة بين نص وآخر، هناك نص يكتب تزجية، ونص يكتب رغبة، وآخر يكتب مشاركة، بل هناك نصوص تكتب فقط من أجل الكتابة، لا يريد منها الكاتب إلا أن تخرج من عقله ليستريح.
هل يمكن وصف الكتابة بالمُتمردة؟ أعتقد أن ذلك الوصف فيه شيء من القسوة، ولو اكتسى بصبغة المديح، ربما يكون الوصف لائقاً بالكاتب أكثر، لأن فعل الكتابة على بساطته ليس سوى تمرد على اللحظة، رغبة إنسانية خالدة في تشويه أو تحسين الموجود، تلك الرغبة الدفينة في النفس البشرية منذ الرسوم الأولى على الكهوف، كأن شيئاً ما يدفع الإنسان إلى ترك أثره على الصخر، ثم على الطين، وعلى ورق البردي، وجلود الحيوانات، كان يصرّ كل مرة على تخليد نفسه بوصفه متمرداً غير راضٍ عن الهيئة التي وجد عليها الكون.
ومنذ صارت الكتابة مهنة، حاول من كرّسوا لها أنفسهم تطويعها بالاحتكار، ووضع قواعد لها، وإضفاء صفاتهم البشرية على فعل محايد، والحقيقة أن حالة امتناع الأفكار عن التدوين ليست تمرداً من الكتابة، بقدر ما هي عجر بشري طبيعي، كما لا يمكن وصف تدفق الأفكار واستجابتها للتدوين بانصياع الكتابة. وعلى المبدع التوقف عن التهرب من الاعتراف بعجزه، فليس للكتابة ذنب في ذلك.

- أريج جمال (روائية مصرية): جزء من الحالة الإبداعية
اختبرتُ التمرد حسب المفهومين، كانت الكتابة في أوقاتٍ عصيّةً عليّ، عندما خضعتُ مثلاً لضرورة إنجاز روايتي «أنا أروى يا مريم»، وفقاً لخط زمني معين يتوافق مع شروط منحة «آفاق» التي كنتُ حاصلة عليها آنذاك. وصل حدّ التمرد أن اختفت الكتابة تماماً، عانيت بشدة كي أنتج مشهداً واحداً، لم أستطع أن أتجاوز هذه الحالة، ولكسرها بدأتُ ارتجالاً طويلاً، كتبتُ على ورق أبيض، وبأقلام تلوين، سجلتُ بعض المقاطع على تليفوني، توقفتُ في الشارع فجأة لأكتب استناداً إلى مؤخرة سيارة مصفوفة، جلستُ على الرصيف وشخبطتُ وسط استغراب المارّة. تلك الفترة على صعوبتها علمتني الصبر الجميل، أحب كثيراً تعبير النبي يعقوب هذا، الصبر الجميل، يعني أنكِ تحاولين وتصبرين على النتيجة، تمارسين الحياة ثم تعودين للكتابة وتصبرين، وهكذا. الصبر هو كلمة السرّ برأيي، وهو صعب، لكنه تمرين، وأعتقد أنه تجربة روحية لا غنى عنها للكاتب، واختبار حقيقي لتمسكه بحِرفته. أنتِ تتمسكين بالكتابة، وقد تكون المكافأة سكينة داخلية، ولا يصحّ الاستخفاف بها. في النهاية أنجزتُ روايتي، لكن بعد أن خالفتُ خطتي الأولى.
أما حالة أن أتمرد على ما أكتب، فهي لا تقل إيلاماً عن الحالة الأولى. ورغم أنها قد تبدو للناظر حالة اختيارية، فإن حقيقة الأمر ليست كذلك. فبعد انتهائي من كتابة «أنا أروى يا مريم» كانت شهيتي مفتوحة للكتابة إلى ما لا نهاية، فكرت أن أعمل جزءاً ثانياً وثالثاً من الرواية، لكني انتبهتُ إلى أني أكتب بنفس الروح والأسلوب. في البداية فرحتُ بالطلاقة، ثم بدأت أكتشف الفخ، واضطررتُ في النهاية إلى التسليم. استثمرتُ هذه الحالة في الكتابة الصحافية، وفي دراسة الترجمة، ثم بدأت أكتب قصصاً قصيرة «بضمير الغائب»، وكذا كنتُ أفعل مع يومياتي، لأن الرواية تمت بضمير المُتكلم، وكانت تلك طريقتي في التمرد.
التمرد في رأيي جزء من الحالة الإبداعية، إذا كان الكاتبة - الكاتب يتحليان بدرجة من الوعي، سواء بالذات أو بحيوية الكتابة نفسها. هي شُعلة كي تحافظين عليها مُتجددة، عليكِ أن توافقي على المرور باختبارات. على طريقة الأساطير، هناك دائماً شيء مطلوب لن تعرفيه سوى بالتقدم. لا أقول هذا كي أُعقّد الناس، بالعكس. لديّ أصدقاء يتخذون قراراً بالكتابة، فيجلسون وينتجون عدد الكلمات التي حدّدوها سلفاً. لكن الكتابة بالنسبة لي رحلة متواصلة، أكتشف فيها العالم من جديد، أزور عوالم صغرى، أستمتع وأفهم نفسي على نحو أفضل. أحتاج إلى هذه الاكتشافات، في الرحلة، وهذا هو الإبداع بالنسبة لي، هو تمرد على تاريخ مضى، على لحظة سابقة، والتجريب الحُر من كل قيد إلى ما لا نهاية.

- عادل آيت أزكاغ (ناقد مغربي): تمرد وتساؤل معاً
بدءاً، لا مناص من القول إن علاقة التمرّد بالإبداع محكومة بطابع جدلي، مركب، معقد، متعدد الوجوه. لكن لا بأس من الإفصاح أن المبدع ربما يتمرد على الكتابة إذا كان يخشى تكرار نفسه، ويبحث عن أسلوب جديد أو موضوع لم يُطرق قبْلاً، في ظل سعيه للإتيان بالمُبتَكَر الممتع الغني، للإضافة إلى هذا المجال أو ذاك وإخصابهما في الإبداع أو الحياة. وهذا شيء صحي تماماً.
بينما أعتقد بالمقابل أن الكتابة تتمرّد إلى حد العصيان على المبدع - الكاتب، ويتوقف عنها، حين لا يكون مبدعاً حقيقياً، أي مزيفاً، لأن الإبداع عملية تساؤلٍ وخيال وانفعال وتجريبٍ مرنة، ومحاولة إنشاء وتوليد، وحالة بحثٍ واكتشافٍ مستمرة. ما يجعل المبدع الحقيقي دائم الإبداع، دائم البحث عن الجديد، دائم الإنجاز والإضافات اللافتة التي تملأ نقصاً هنا وثغرات هناك. تتمرد عليه أيضاً حينما تتداخل عوامل خارجية وداخلية عدة في ذلك أو أحدها (نفسية - اجتماعية - سياسية...). هكذا قد تصبح ذاتية عندما يكفهر مزاجه، أو تضطرب عاطفته، أو لا يكون عقله مهيأ لاستقبال الأفكار المُبدِعة التي لا تزور عادة «إلا العقول المستعدة لاستقبالها» كما قال المفكر الفرنسي «باستور»، أو عندما يكون خياله عاجزاً عن التقاط الإشارات أو العلامات أو الومضات الإبداعية. وإذا ما طرحنا سؤال؛ متى يحدث ذلك؟ فأظن أن الإجابة تتحدد من خلال تموقعه في حالة نفسية سلبية، كأن يعاني من الحبسة أو الاكتئاب أو الإحباط، أو يعيش في حالة من الهوس (السلبي - اللاواعي بطبعه) الذي هو ضد الشغف (الوعي بالعمل ورغبة إنجازه منظماً بمحبة - الإيجابي بطبعه)، أو يعاني من الإحساس بالمصادرة والمنع وتسليط الرقابة عليه أو على إبداعه أينما افتقد حريته التعبيرية الكاملة التي هي أحد شروط الإبداع وأساساته، أو أن يشعر بالتجاهل واللامبالاة وعدم التقدير له ولإبداعه.
لكن الثابت، عطفاً على هذا، هو أن المبدع «الهش» لا يمكن أن يبدع إذا كان محاطاً بظروف غير سليمة أو عائشاً في حالة غير صحية كيفما كان نوعها، ما يتطلب تمرداً معيناً منه، يساعده على إثبات وجوده بجرأة مقبولة وبجدارة، فضلاً عن أنّ إنجازه ناتجٌ عن نزعته الإنسانية المُتجذّرة التي تقوده لنفع الغير، وعمله صادقاً، في حالة توازن نفسي بين عقله وعواطفه وتصالحه معهما. إضافة إلى الفن والحياة، وإثراء لجوانبهما، ثم تنويراً لذاته وللآخرين.
المبدع الحقيقي الغني لا يمكنه أن يعاني من الفقر في حسه الإبداعي أو من الجفاف الذهني، كما أنه متمرّد بطبعه على كل الأشياء المعيقة، التي لن تشكل أي تأثير عليه، سواء كانت ضده أو في صالحه، لأنه واثق من نفسه بلا غرور، واعٍ بإمكاناته، وبوجوده وحدوده، وبنوعية تفكيره الذي يسميه د. شاكر عبد الحميد «الإبداعي، لا الاتباعي، الافتراقي لا الاتفاقي». بل متمرد كذلك ومترفع عن كل مظاهر التخلّف، والعقليات السطحية الجافة، ثم إنه متمرد أيضاً على جميع الأشكال المفتقرة للجمال.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!