المبدع والنص... الصراع المفتوح

كُتاب عرب يتحدثون عن تجاربهم الخاصة

TT

المبدع والنص... الصراع المفتوح

يحدث كثيراً أن يعاني الكُتاب من ظاهرة «متلازمة الورقة البيضاء»، أو الحبسة أو العجز عن الكتابة، ولو لفترة قصيرة. وقد يحدث الأمر معكوساً، أن يتمرد المبدع على ما يكتبه خشية تكرار نفسه، أو نتيجة إحباط فكري ونفسي لعوامل كثيرة، متعلقة به أو بالوسط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه. وفي الحالتين، تبقى العلاقة بين الحالتين، علاقة معقدة، غامضة، وهي تنتج، بسبب ذلك، إشكاليات كبيرة قد تتفاقم مع مرور الزمن، إذا لم يتداركها الكاتب نفسه.
في هذا التحقيق، آراء لعدد من الكُتاب حول العلاقة الشائكة بين الكاتب ونصه...

- رضوى الأسود (روائية مصرية): صراع الكاتب مع نفسه
أعتقد أن ثنائية الكتابة والتمرد لا تخضع لقاعدة ثابتة، حتى لا يمكن الوقوف على أسبابها بشكل واضح، وبالتأكيد تختلف من شخص لآخر. لكنني سأتحدث عن تجربتي الشخصية، فعندما كنت في الثلث الأخير من أحدث رواياتي «بالأمس كنت ميتاً»، وجدتني أتوقف عاجزة عن استكمالها، بعدها بدأت أحداث محنة شخصية مررت بها وكانت الأمرّ والأصعب على الإطلاق، فوجدت الكتابة تأتيني بغير ميعاد، وكم كانت معي جزيلة العطاء، ووجدتني أكتب بلا توقف، وكأن أحدهم يملي عليّ الأحداث، وانتهيت منها في وقت قياسيّ، لتسجل تلك الرواية نجاحاً غير مسبوق، وتصبح علامة فارقة ونقلة نوعية في مشواري الأدبيّ.
بعدها، استعصت عليّ الكتابة الروائية لمدة عام أو أكثر وظلّت تتمرد عليّ، ومررت بما يسمى بـ«متلازمة الورقة البيضاء»، حتى نصحني صديق، حين شكوت له، بأن أكتب عن تلك التجربة الشخصية التي مررت بها، وتداعياتها، شجعني كثيراً ولم يتركني، فوجدت فكرة تهبط على رأسي، ثم شرعت في كتابة رواية جديدة، صحيح أنها لا تمت بصِلة لحياتي، لكنني في نهاية الأمر أمسكت بتلابيب الكتابة، وتمكنت من إخضاعها.
الآن، ومنذ نحو 14 شهراً، وأنا في تلك الحالة من تمرد الكتابة عليّ، تأتيني أفكار عدة، لكن تتبخر سريعاً دون أن أتمكن من اللحاق بها وتدوينها، وحين أفكر في سبب ذلك لا أعلم، فأجدني أقول؛ لمن أكتب إذن؟
أما عن تمردي على الكتابة خوفاً من التكرار، فلم تشغلني تلك الفكرة من قبل، ومنتجي في العموم سواء من الكتب الفكرية أو الروائية ليس بها تشابه على مستوى الفكرة أو البناء أو الشخوص.

- أحمد ولد إسلم (روائي موريتاني): الكتابة فعل تمرد
العلاقة بين الكاتب والكتابة مُعقدة وتحكمها عوامل نفسية واجتماعية، ويصعب وضعها في إطار محدد، فمهما كتب الأدباء عن تلك العلاقة فإن طبيعتها الذاتية تبقى المسيطرة. فلدى الكاتب الواحد تختلف تلك العلاقة بين نص وآخر، هناك نص يكتب تزجية، ونص يكتب رغبة، وآخر يكتب مشاركة، بل هناك نصوص تكتب فقط من أجل الكتابة، لا يريد منها الكاتب إلا أن تخرج من عقله ليستريح.
هل يمكن وصف الكتابة بالمُتمردة؟ أعتقد أن ذلك الوصف فيه شيء من القسوة، ولو اكتسى بصبغة المديح، ربما يكون الوصف لائقاً بالكاتب أكثر، لأن فعل الكتابة على بساطته ليس سوى تمرد على اللحظة، رغبة إنسانية خالدة في تشويه أو تحسين الموجود، تلك الرغبة الدفينة في النفس البشرية منذ الرسوم الأولى على الكهوف، كأن شيئاً ما يدفع الإنسان إلى ترك أثره على الصخر، ثم على الطين، وعلى ورق البردي، وجلود الحيوانات، كان يصرّ كل مرة على تخليد نفسه بوصفه متمرداً غير راضٍ عن الهيئة التي وجد عليها الكون.
ومنذ صارت الكتابة مهنة، حاول من كرّسوا لها أنفسهم تطويعها بالاحتكار، ووضع قواعد لها، وإضفاء صفاتهم البشرية على فعل محايد، والحقيقة أن حالة امتناع الأفكار عن التدوين ليست تمرداً من الكتابة، بقدر ما هي عجر بشري طبيعي، كما لا يمكن وصف تدفق الأفكار واستجابتها للتدوين بانصياع الكتابة. وعلى المبدع التوقف عن التهرب من الاعتراف بعجزه، فليس للكتابة ذنب في ذلك.

- أريج جمال (روائية مصرية): جزء من الحالة الإبداعية
اختبرتُ التمرد حسب المفهومين، كانت الكتابة في أوقاتٍ عصيّةً عليّ، عندما خضعتُ مثلاً لضرورة إنجاز روايتي «أنا أروى يا مريم»، وفقاً لخط زمني معين يتوافق مع شروط منحة «آفاق» التي كنتُ حاصلة عليها آنذاك. وصل حدّ التمرد أن اختفت الكتابة تماماً، عانيت بشدة كي أنتج مشهداً واحداً، لم أستطع أن أتجاوز هذه الحالة، ولكسرها بدأتُ ارتجالاً طويلاً، كتبتُ على ورق أبيض، وبأقلام تلوين، سجلتُ بعض المقاطع على تليفوني، توقفتُ في الشارع فجأة لأكتب استناداً إلى مؤخرة سيارة مصفوفة، جلستُ على الرصيف وشخبطتُ وسط استغراب المارّة. تلك الفترة على صعوبتها علمتني الصبر الجميل، أحب كثيراً تعبير النبي يعقوب هذا، الصبر الجميل، يعني أنكِ تحاولين وتصبرين على النتيجة، تمارسين الحياة ثم تعودين للكتابة وتصبرين، وهكذا. الصبر هو كلمة السرّ برأيي، وهو صعب، لكنه تمرين، وأعتقد أنه تجربة روحية لا غنى عنها للكاتب، واختبار حقيقي لتمسكه بحِرفته. أنتِ تتمسكين بالكتابة، وقد تكون المكافأة سكينة داخلية، ولا يصحّ الاستخفاف بها. في النهاية أنجزتُ روايتي، لكن بعد أن خالفتُ خطتي الأولى.
أما حالة أن أتمرد على ما أكتب، فهي لا تقل إيلاماً عن الحالة الأولى. ورغم أنها قد تبدو للناظر حالة اختيارية، فإن حقيقة الأمر ليست كذلك. فبعد انتهائي من كتابة «أنا أروى يا مريم» كانت شهيتي مفتوحة للكتابة إلى ما لا نهاية، فكرت أن أعمل جزءاً ثانياً وثالثاً من الرواية، لكني انتبهتُ إلى أني أكتب بنفس الروح والأسلوب. في البداية فرحتُ بالطلاقة، ثم بدأت أكتشف الفخ، واضطررتُ في النهاية إلى التسليم. استثمرتُ هذه الحالة في الكتابة الصحافية، وفي دراسة الترجمة، ثم بدأت أكتب قصصاً قصيرة «بضمير الغائب»، وكذا كنتُ أفعل مع يومياتي، لأن الرواية تمت بضمير المُتكلم، وكانت تلك طريقتي في التمرد.
التمرد في رأيي جزء من الحالة الإبداعية، إذا كان الكاتبة - الكاتب يتحليان بدرجة من الوعي، سواء بالذات أو بحيوية الكتابة نفسها. هي شُعلة كي تحافظين عليها مُتجددة، عليكِ أن توافقي على المرور باختبارات. على طريقة الأساطير، هناك دائماً شيء مطلوب لن تعرفيه سوى بالتقدم. لا أقول هذا كي أُعقّد الناس، بالعكس. لديّ أصدقاء يتخذون قراراً بالكتابة، فيجلسون وينتجون عدد الكلمات التي حدّدوها سلفاً. لكن الكتابة بالنسبة لي رحلة متواصلة، أكتشف فيها العالم من جديد، أزور عوالم صغرى، أستمتع وأفهم نفسي على نحو أفضل. أحتاج إلى هذه الاكتشافات، في الرحلة، وهذا هو الإبداع بالنسبة لي، هو تمرد على تاريخ مضى، على لحظة سابقة، والتجريب الحُر من كل قيد إلى ما لا نهاية.

- عادل آيت أزكاغ (ناقد مغربي): تمرد وتساؤل معاً
بدءاً، لا مناص من القول إن علاقة التمرّد بالإبداع محكومة بطابع جدلي، مركب، معقد، متعدد الوجوه. لكن لا بأس من الإفصاح أن المبدع ربما يتمرد على الكتابة إذا كان يخشى تكرار نفسه، ويبحث عن أسلوب جديد أو موضوع لم يُطرق قبْلاً، في ظل سعيه للإتيان بالمُبتَكَر الممتع الغني، للإضافة إلى هذا المجال أو ذاك وإخصابهما في الإبداع أو الحياة. وهذا شيء صحي تماماً.
بينما أعتقد بالمقابل أن الكتابة تتمرّد إلى حد العصيان على المبدع - الكاتب، ويتوقف عنها، حين لا يكون مبدعاً حقيقياً، أي مزيفاً، لأن الإبداع عملية تساؤلٍ وخيال وانفعال وتجريبٍ مرنة، ومحاولة إنشاء وتوليد، وحالة بحثٍ واكتشافٍ مستمرة. ما يجعل المبدع الحقيقي دائم الإبداع، دائم البحث عن الجديد، دائم الإنجاز والإضافات اللافتة التي تملأ نقصاً هنا وثغرات هناك. تتمرد عليه أيضاً حينما تتداخل عوامل خارجية وداخلية عدة في ذلك أو أحدها (نفسية - اجتماعية - سياسية...). هكذا قد تصبح ذاتية عندما يكفهر مزاجه، أو تضطرب عاطفته، أو لا يكون عقله مهيأ لاستقبال الأفكار المُبدِعة التي لا تزور عادة «إلا العقول المستعدة لاستقبالها» كما قال المفكر الفرنسي «باستور»، أو عندما يكون خياله عاجزاً عن التقاط الإشارات أو العلامات أو الومضات الإبداعية. وإذا ما طرحنا سؤال؛ متى يحدث ذلك؟ فأظن أن الإجابة تتحدد من خلال تموقعه في حالة نفسية سلبية، كأن يعاني من الحبسة أو الاكتئاب أو الإحباط، أو يعيش في حالة من الهوس (السلبي - اللاواعي بطبعه) الذي هو ضد الشغف (الوعي بالعمل ورغبة إنجازه منظماً بمحبة - الإيجابي بطبعه)، أو يعاني من الإحساس بالمصادرة والمنع وتسليط الرقابة عليه أو على إبداعه أينما افتقد حريته التعبيرية الكاملة التي هي أحد شروط الإبداع وأساساته، أو أن يشعر بالتجاهل واللامبالاة وعدم التقدير له ولإبداعه.
لكن الثابت، عطفاً على هذا، هو أن المبدع «الهش» لا يمكن أن يبدع إذا كان محاطاً بظروف غير سليمة أو عائشاً في حالة غير صحية كيفما كان نوعها، ما يتطلب تمرداً معيناً منه، يساعده على إثبات وجوده بجرأة مقبولة وبجدارة، فضلاً عن أنّ إنجازه ناتجٌ عن نزعته الإنسانية المُتجذّرة التي تقوده لنفع الغير، وعمله صادقاً، في حالة توازن نفسي بين عقله وعواطفه وتصالحه معهما. إضافة إلى الفن والحياة، وإثراء لجوانبهما، ثم تنويراً لذاته وللآخرين.
المبدع الحقيقي الغني لا يمكنه أن يعاني من الفقر في حسه الإبداعي أو من الجفاف الذهني، كما أنه متمرّد بطبعه على كل الأشياء المعيقة، التي لن تشكل أي تأثير عليه، سواء كانت ضده أو في صالحه، لأنه واثق من نفسه بلا غرور، واعٍ بإمكاناته، وبوجوده وحدوده، وبنوعية تفكيره الذي يسميه د. شاكر عبد الحميد «الإبداعي، لا الاتباعي، الافتراقي لا الاتفاقي». بل متمرد كذلك ومترفع عن كل مظاهر التخلّف، والعقليات السطحية الجافة، ثم إنه متمرد أيضاً على جميع الأشكال المفتقرة للجمال.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.