الانتخابات النيابية أمام تحالفات جديدة واختبار لـ«المجتمع المدني»

إنجازها يتطلب تحسين الظروف المعيشية للبنانيين بدعم دولي

TT

الانتخابات النيابية أمام تحالفات جديدة واختبار لـ«المجتمع المدني»

قال مصدر سياسي لبناني بارز إن الإصرار الدولي على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها في ربيع 2022، باعتبار أنها من وجهة نظره تشكل المعبر الإلزامي لإعادة تكوين السلطة، يجب أن يتلازم مع تحسين الشروط المعيشية للسواد الأعظم من اللبنانيين بتوفير الحد الأدنى من احتياجاتهم لضمان بقائهم على قيد الحياة بالمعنى السياسي للكلمة وتأمين مشاركتهم في العملية الانتخابية، وإلا فإن إصراره لن يصرف في مكان في ظل ارتفاع منسوب الأزمات، وهذا ما يضع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أمام التحدي لاختبار مدى قدرتها على التزامها بإنجازها في موعدها طالما أن أوضاع اللبنانيين إلى مزيد من التأزم.
ويؤكد المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» أن رهان المجتمع الدولي على أن تشكل الانتخابات النيابية أول محطة تتيح للمجتمع المدني إحداث تغيير في التمثيل النيابي يتطلب منه ضخ جرعات من الأوكسجين على المستويين المعيشي والاقتصادي لخفض ارتفاع منسوب الفقر الذي بلغ ذروته وأدى إلى ازدياد أعداد العائلات الأشد فقراً وجوعاً، وإلا سيواجه صعوبة في تهيئة الأجواء التي تسمح بتحريض العامة من اللبنانيين للمشاركة في العملية الانتخابية، خصوصاً أن العائق لن يكون أمنياً وإنما معيشياً بامتياز.
ويلفت إلى وجود صعوبة في إدخال تعديلات على قانون الانتخاب النافذ حالياً رغم أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري تقدم، بواسطة عدد من النواب المنتمين إلى كتلته، باقتراح قانون يقضي باعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة وبإعطاء الحق للناخب للإدلاء بصوتين تفضيليين بدلاً من الصوت الواحد.
ويعزو السبب إلى معارضة حزب «القوات اللبنانية» لاقتراحه بالتضامن والتكافل مع «التيار الوطني الحر» من دون أن يعني بأن الأبواب مفتوحة أمام تحالفهما الانتخابي نظراً لأنهما يخوضان الانتخابات من موقع الاختلاف على خلفية رغبة كل منهما في الحصول على أكبر عدد من النواب ليكون الأقوى في الشارع المسيحي.
ويرى المصدر نفسه أن معارضتهما لهذا الاقتراح تأتي على خلفية أنه سيؤدي في حال إقراره إلى ذوبان الصوت المسيحي لمصلحة الأكثرية الساحقة من الناخبين المسلمين بخلاف القانون الحالي الذي أتاح لهما انتخاب أكثر من 50 نائباً بأصوات مسيحية صافية ما ضمن لهما تأمين صحة التمثيل المسيحي، ويؤكد أن مجرد تصويت البرلمان على هذا الاقتراح قد يدفعهما إلى العزوف عن الترشح وسيلاقيهما في منتصف الطريق حزب «الكتائب»، إضافة إلى رهانهما على رفض المرجعيات المسيحية الروحية له لأنه لا يحقق التمثيل الصحيح نظراً لطغيان الصوت المسلم على العملية الانتخابية.
ويكشف أن تيار «المستقبل»، وإن كان يتطلع إلى تعديل القانون الحالي، يلتقي مع الحزب «التقدمي الاشتراكي» وسيواجهان رفضاً من الأحزاب المسيحية بقياداتها السياسية والروحية، فيما يدعو الرئيس ميقاتي قبل تشكيله الحكومة إلى اعتماد الدوائر الانتخابية بعد إعادة النظر في تقسيمها كأساس في قانون الانتخاب مع إعطاء الناخب الحق في الإدلاء بصوتين تفضيليين.
لكن يبدو أن «المستقبل» و«التقدمي» ليسا في وارد الموافقة على الصوتين التفضيليين لأنهما يتحسبان منذ الآن لفائض القوة التي يتمتع بها «حزب الله» وتسمح له في الدوائر الانتخابية المختلطة بأن يتحكم بتوزيع أصواته بشكل يؤمن له الحصول على مقاعد تعود للطوائف الأخرى في ضوء استبعاده لأي تغيير في المعادلة الانتخابية في الدوائر ذات الغالبية الشيعية طالما أنه باق على تحالفه مع حركة «أمل».
ويعتقد المصدر السياسي نفسه أن المبارزة في الدوائر ذات الغالبية المسيحية ستكون على أشدها بين «القوات» و«التيار الوطني»، فيما يسعى حزب «الكتائب» من خلال رئيسه سامي الجميل للانفتاح على المجتمع المدني أو بعضه على الأقل في محاولة لعقد تحالف معه، ويقول بأن المنافسة بين سمير جعجع وجبران باسيل تتجاوز العملية الانتخابية إلى إصرار كل منهما على إضعاف الآخر لما سيكون لهذه العملية من ارتباط مباشر بمعركة رئاسة الجمهورية.
ويؤكد أن قراءة المسار الذي سيتحكم بانتخاب رئيس جمهورية جديد خلفاً للحالي ميشال عون لا يمكن عزله عن نتائج الانتخابات النيابية التي لا يمكن التكهن بنتائجها طالما أن الغموض يكتنف التحالفات الانتخابية التي تؤشر إلى إعادة خلط الأوراق أكثر مما كانت عليه في الانتخابات النيابية السابقة التي شهدت تحالفاً لا مجال لتكراره بين «المستقبل» و«التيار الوطني» تتويجاً للتسوية الرئاسية التي أبرمها الرئيس الحريري مع العماد ميشال عون وكانت وراء انتخابه رئيساً للجمهورية خصوصاً بعد سقوطها.
كما أن تحالف «المستقبل» مع «القوات» يبدو في المدى المنظور بعيد المنال بعد أن أحجم جعجع عن تسميته للحريري رئيساً للحكومة واضطراره للاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة بسبب تعطيل عون وباسيل لجميع المحاولات التي قام بها لإخراج التأليف من حصارهما المفروض عليها، إضافة إلى أن علاقة الحريري برئيس «التقدمي» وليد جنبلاط تمر في حالة من الفتور والقطيعة لكنها لن تكون أبدية وقابلة للانفراج في أي لحظة.
وبالنسبة إلى «التقدمي» فإن جنبلاط وإن كان يحرص على التهدئة في الجبل، وخصوصاً في المناطق المتداخلة بين الدروز والمسيحيين لحماية السلم الأهلي والحفاظ على العيش المشترك فيها، فإن تواصله مع «القوات» و«التيار الوطني» لهذا الغرض لا يعني حتى إشعار آخر بأن الفرصة متاحة للتحالف مع أحدهما لأنه من السابق لأوانه حرق المراحل والذهاب بعيداً في نسج التحالفات قبل أوانها.
وعلى صعيد الحريري فإن تحالفه مع ميقاتي في طرابلس ودوائر شمالية أخرى يبقى قائماً ولا مجال للرهان على احتمال افتراقهما انتخابياً في ضوء تأييد «المستقبل» لميقاتي واستعداد كتلته النيابية لمنح حكومته الثقة.
أما على صعيد تحالف «حزب الله» مع «التيار الوطني» فإن الحزب ليس في وارد الانقلاب على تحالفه لأن المستفيد من فرطه سيكون حكماً «القوات» وبدرجة أقل «الكتائب» من دون التقليل من المجتمع المدني وقدرته على حصد مقاعد شرط أن يتوحد لخوضه الانتخابات على لوائح موحدة، مع أن النتائج تبقى في خواتيمها أي من خلال صناديق الاقتراع التي يمكن أن تحمل مفاجآت ليست بالحسبان.
إلا أن تحالف «حزب الله» و«التيار الوطني» في المناطق المختلطة أو في الدوائر الانتخابية التي يتواجد فيها «الثنائي الشيعي» ولا تلحظ أي تمثيل له يتوقف على قرار «أمل» ومدى استعداد الرئيس بري للانضمام إلى هذا التحالف فيما «الكيمياء السياسية» بينه وبين باسيل لا تزال مفقودة وهذا يمكن أن يشكل عائقاً أمام قيام تحالف مكتمل الأوصاف.
وعليه فإن الحراك الانتخابي لم يبدأ حتى الساعة ولا يعود لانكباب اللجان النيابية المشتركة على دراسة اقتراحات القوانين لتعديل القانون الناجز حالياً لأن هموم اللبنانيين في مكان آخر بحثاً عن لقمة العيش المفقودة، وهذا ما يضع الحكومة ومعها المجتمع الدولي أمام مهمة الإسراع في رفع المعاناة عنهم وإلا فإن تمديد الأزمات لن يسمح بتوفير الأجواء المواتية لإنجاز العملية الانتخابية.
لذلك فإن الاستحقاق الانتخابي يتلازم حتماً مع استحقاق آخر يتطلب إدراجه كأولوية على جدول أعمال الحكومة بدعم من المجتمع الدولي ويراد منه تمكين اللبنانيين من الصمود لتمرير الانتخابات باعتماد القانون الحالي، أي بتعليق تخصيص 6 مقاعد نيابية للبنانيين في الاغتراب وبترحيل العمل بالبطاقة الممغنطة على أن يحق للبنانيين المقيمين في الخارج الانتخاب في أماكن إقامتهم في بلاد الاغتراب.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.