«أرض محروقة» في درعا البلد

«الشرق الأوسط» ترصد عودة النازحين بموجب اتفاق رعته روسيا جنوب سوريا

سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)
سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)
TT

«أرض محروقة» في درعا البلد

سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)
سوريون يزيلون آثار القصف من شوارع درعا البلد (تجمع أحرار حوران)

بعض النازحين وجدوا بيوتهم مدمَّرة أو «أرضاً محروقة»، وآخرون وجدوها فارغة لدى عودتهم إلى درعا البلد، بموجب اتفاق رَعَتْه ونفّذته روسيا في جنوب سوريا. لكن الجميع فرحون بإنجازٍ رئيسي، وهو «البقاء» في مدينتهم بعيداً عن التهجير، فعادوا ينفضون الغبار والركام، ويصنعون الخبز حيث تعمّ رائحته في الشوارع ممزوجة مع رائحة البارود جراء القصف.
و«القصف الشديد لم يُبقِ شيئاً على حاله»، حسب قول «أبو جهاد» لـ«الشرق الأوسط». وأضاف: «انظر حولك. بيوت استوت على الأرض، ومناطق تغيرت ملامحها. بالأمس كنا نازحين ومقاتلين ومفاوضين واليوم نحن بناة للأرض. كلنا بدأنا بتنظيف المدينة والبيوت التي دمّروها». لكن «أبو جهاد» يقول: «سنعيد للمدينة جمالها وسنعيد للجامع العمريّ رمزيته، نحن نأسف لما حصل، فنحن شعب مسالم نريد العيش بكرامة من دون قبضة أمنية أو حكم عسكري ودفعنا ثمن ذلك في درعا البلد كثيراً. فُرض علينا الواقع الحالي ولا نعلم الأيام القادمة ماذا تحمل للمدينة بعد هذا الوجود العسكري الكثير الممثّل بتسعة نقاط محيطة بالمدينة».
- إنجاز البقاء
ويقول أحد أعضاء اللجنة المركزية في درعا لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي درعا «استطاعوا المحافظة على بقائهم في أرضهم وأفشلوا مشروع التغير الديموغرافي الذي كان يحاك لها، بصمود أبنائها بوجه قوات الفرقتين الرابعة والسادسة والميليشيات الإيرانية واللواء 16 وسط والقصف المستمر ومحاولات الاقتحام اليومية للأحياء المحاصرة لمدة 73 يوماً على التوالي». ويضيف أن «انسحاب الميليشيات الإيرانية صباح الخميس من محيط مدينة درعا البلد وحي طريق السد والمخيمات بعد حصار استمر 78 يوماً، وبقاء الأهالي في أرضهم هو أكبر انتصار للأهالي، وأن ما جرى في درعا البلد من مفاوضات وقرارات كانت محلية الصنع ولا تتبع لأي أجندة أو دولة أو حتى للمعارضة، أهالي درعا ليسوا دعاة حرب وسلاح ولكن فُرضت عليهم الآلة العسكرية والحصار وجلب الميليشيات الإيرانية إلى تخوم مناطقهم فدافعوا عن بقائهم وراح نتيجة ذلك 35 ضحية، وأبعدوا كل المخططات التي كانت تهدف إلى جرهم إلى استمرار التصعيد والحرب حتى إرغامهم على ترك الأرض والتهجير الجماعي».
في المقابل، أوضح الناشط رأفت أبازيد لـ«الشرق الأوسط»: «رافقت عودة الأهالي الكبيرة إلى مدينتهم درعا البلد مخاوف من وجود بعض قوات الفرقة الرابعة في طوق المدينة، والتي يجب أن تنسحب خلال أيام قليلة حسب الاتفاق الأخير بضمانة الجانب الروسي. أما بالنسبة للمخاوف من النقاط العسكرية التي نشرها النظام السوري في محيط درعا البلد فهي خالية من وجود الفرقة الرابعة، وعملها تفتيش السيارات والمارة بحثاً عن السلاح، وتعهد الضامن الروسي ووجهاء المنطقة واللجنة المركزية بألا تتعدى مهمة هذه النقاط التفتيش، وعدم القيام بأي حملات مداهمة أو اعتقال تحت طائلة المسؤولية، كما أنها بعيدة نسبياً عن المناطق الحيوية وتركز أغلبها في المناطق الجنوبية للمدينة المحاذية للأردن والخط الجمركي القديم مباشرة».
- رائحة الموت
ويشير إلى أن المدينة «أشبه بمدينة الأشباح، عندما تدخلها ترى ركام المنازل والتراب والأثاث كلها متناثرة في الشوارع والدمار ورائحة الموت في كل مكان، ولكن عزيمة الأهالي بدأت منذ أول ساعة عادت فيها للمدينة ففرحتهم ببقائهم في أرضهم وعدوتهم إلى مدينتهم لا تقارَن بأي ثمن، وبدأ أهالي المدينة للساعة الأولى من العودة بتنظيف المسجد العمري واجتمعوا دون نداء أو طلب، وتقاسموا كل شيء، وبدأت عمليات تنظيف البيوت وتجهيزها ضمن الإمكانيات التي بقيت للسكن، ومنهم من لم يجد بيته فسكن عند جاره، وآخر نصب خيمة فوق ركام منزله المدمَّر وسكنها، هذا يوضح مدى تمسك أهل المدينة بأرضهم رغم دمارها وخرابها».
وأشار «أبو محمد» أحد أعيان درعا البلد، إلى أن كل مقومات الحياة «معدومة في درعا البلد. لا مياه ولا كهرباء ولا حتى خبز منذ 75 يوماً حين بدأت الفرقة الرابعة والميليشيات الإيرانية حصار المدينة وحتى اليوم رغم الاتفاق وتطبيق شروطه التي تتضمن دخول المساعدات الإنسانية والخدمات، لكن النظام السوري فضّل إدخال الجيش وقواته ونشرها قبل دخول الخدمات للأهالي».
ويعتمد السكان في درعا البلد على توفير مياه الشرب من الآبار الزراعية الموجودة في محيطها ونقلها للمنازل بواسطة خزانات كبيرة ثم يتم توزيعها على البيوت، وذلك بجهود فردية وعلى نفقة الأهالي.
وبالنسبة إلى الكهرباء، فـ«هي أساساً معدمة في سوريا فكيف الحال بالنسبة لدرعا البلد منذ سنوات كانت المنطقة معاقَبة ولا تحصل على الكهرباء أكثر من ساعة أو ساعتين في اليوم، واليوم أصبحت معدمة بشكل كامل ويعتمد الأهالي على المولدات الكهربائية الخاصة وشراء وقودها من السوق السوداء بمبالغ باهظة، أو الاعتماد على الطاقة الشمسية ومخزنات الطاقة الصغيرة (البطاريات)».
وأضاف «أبو محمد» أن الأهالي كانوا يعتمدون «على توفير مادة الخبز من الفرن الوحيد في المدينة وكان سابقاً لا يغطي احتياجات 50 ألف نسمة. وكان الأهالي مضطرين للخروج من المدينة إلى مركز مدينة درعا المحطة للحصول على الخبز أو إلى إحدى القرى المجاورة، وتعرض الفرن خلال عمليات الفرقة الرابعة والميليشيات إلى القصف ما أحدث به أضراراً جسيمة ولا مدى محدداً لعودة العمل به أو إصلاحه، فرائحة الخبز الحوراني اليوم تنبعث من كل مكان والعائلات معظمها اعتمدت على شراء الطحين وعمل الخبز في المنزل على الحطب لأن مادة الغاز غير متوفرة ومن لديه قارورة يحافظ عليها للأيام باعتبار أن كل عائلة لا تحصل إلا على قارورة واحدة كل 40 يوماً، وحرمت الحكومة أهالي المدينة من هذه الخدمة فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر لم تحصل العائلات على مخصصاتها».
- مخلفات الحرب
ومن المشكلات الحالية في درعا البلد، يقول الناشط محمود المسالمة، هي مخلفات الحرب، كل المناطق والأحياء السكنية قُصفت بأنواع مختلفة من السلاح ومنها ما لم ينفجر بعد، وقُتل يوم الاثنين أحد المواطنين بعد عودته إلى المدينة نتيجة انفجار قذيفة من مخلفات الحرب بالقرب من منزله، ورغم أن وحدات الهندسة التابعة للنظام أجرت عملية تمشيط واحدة منذ عودة الأهالي إلى درعا البلد، فإن المدينة تحتاج إلى فريق مستمر لأيام للكشف عنها وإنهاء ضررها.
وقال أحد المدرسين في درعا البلد إن الطلاب «سيعودون إلى مقاعدهم من جديد، ولكن المدارس تعرضت لأضرار كبيرة لا تُحتمل في فصل الشتاء وقد لا تكون بنية المدرسة صالحة أساساً لاستمرار العملية التعليمية ووضع التلاميذ بها بعد ما تعرضت لرجّات قصف بصواريخ أرض - أرض أو ضربات عليها، ولن يشبه هذا العام الجديد الأعوام التي سبقته، لا سيما أن معظم سكان هذه المناطق نزحت مؤخراً بفعل التصعيد العسكري على المنطقة، ما ينذر بمشكلة التسرب التعليمي لأعداد كبيرة من طلاب هذه المناطق، أو أن التكاليف الدراسية ولوازم المدرسة سوف تبعد الفقراء عن التعليم، فالكثير سوف يفضّل بناء بيته الذي هُدم على عملية تعليم الأولاد».
وتتطلع آية، وهي في الصف الأول الإعدادي، لتجربة دراسية ناجحة وحماسية، يرافقها حلم أن تصبح معلمة. اشتكى والدها من صعوبة توفير مستلزمات الدراسة جراء الوضع الاقتصادي المتدهور، والغلاء الفاحش الذي ضرب كل مجالات الحياة، لا سيما مع مضاعفة الأسعار عن العام الماضي، فأصبح كل طالب يحتاج إلى ما يزيد على خمسين ألف ليرة سورية لتلبية احتياجات المدرسة من زي مدرسي وكتب ودفاتر وقرطاسية، وسيكون الاقتصاد بهده المستلزمات رفيق كل العائلات.
- جمعيات ومغتربون
وأوضح «أبو قاسم» وهو في الستينات من عمره من سكان درعا البلد أن أجور الأعمال الخاصة أو مرتب الوظيفة في القطاع العام لا تغطي كل حاجيات المعيشة وترميم البيوت وغيرها من الخدمات، «الحل بكل بساطة؛ سنعتمد على الجمعيات الخيرية الموجودة في درعا وما تقدمه من إعانات، أو على المبادرات المجتمعية من مغتربين وميسورين التي ترسل إلى العائلات الفقيرة»، وهذه الحلول وفق تعبيره ناتجة عن تجارب سابقة خلال السنوات الماضية.
وتعد درعا البلد مهد الاحتجاجات ضد النظام، ومنها انطلقت المظاهرات التي طالبت بإسقاط النظام في 2011، وتمت مواجهتها بالقمع، قبل اندلاع نزاع دامٍ في البلاد لا يزال مستمراً. وهي المنطقة الوحيدة التي لم يخرج منها كل مقاتلي المعارضة بعد استعادة النظام السيطرة عليها في يوليو (تموز) 2018 باتفاق تسوية رعته موسكو بعد العمليات العسكرية بين قوات النظام والفصائل المعارضة، ونصّ الاتفاق على أن تسلم الفصائل سلاحها الثقيل، لكن بقي عدد كبير من عناصرها في مناطقهم على عكس ما حصل في مناطق أخرى استعادها النظام. واحتفظوا بأسلحة خفيفة، ومنعت قوات النظام من الدخول إلى المدينة، ولكن عادت روسيا بخريطة حل جديدة لمناطق التسويات جنوب سوريا لتغير الحالة القديمة، وتعيد السيطرة الفعلية للمناطق بإدارتها ووفقاً لمصالحها وتطلعاتها الدولية والإقليمية.



معارض مصري يتظاهر في هولندا ويعيد أزمة «حصار السفارات»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

معارض مصري يتظاهر في هولندا ويعيد أزمة «حصار السفارات»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

أعاد تظاهر معارض مصري أمام مقر السفارة المصرية في هولندا الجدل مجدداً حول ما عرف بـ«حصار السفارات» المصرية في الخارج من عناصر مرتبطة بجماعة «الإخوان»، ما دعا متابعين وإعلاميين مصريين إلى المطالبة بتحرك دبلوماسي وقانوني لمواجهة تلك «الحملات التحريضية المنظمة» ضد مؤسسات الدولة.

وأظهر مقطع فيديو متداول الشاب أنس حبيب وهو يحتج أمام مقر البعثة الدبلوماسية في هولندا ويوجِّه سباباً إلى أمن السفارة، منتقداً السلطات المصرية، ومتطرقاً إلى حبس ستة صحافيين في مصر يعملون بمنصة «متصدقش» الإلكترونية التي اتهمتها السلطات المصرية مؤخراً بالتبعية لجماعة «الإخوان» المحظورة.

وشهد العام الماضي حملة تظاهر أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج والدعوة لإغلاقها، قام فيها الشاب نفسه بإغلاق مقر السفارة المصرية في هولندا على العاملين من الخارج بأقفال، بزعم أن القاهرة تعرقل دخول المساعدات إلى غزة، وهو ما نفته مصر مراراً، مُوجهّة أصابع الاتهام إلى جماعة «الإخوان» بالوقوف أمام الحملة التي تطورت إلى احتجاجات أمام السفارات المصرية في عدة دول.

وعَدّ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وقتها، أن استهداف البعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج يعتبر «اعتداءً على السيادة، وضرباً للذات الوطنية، وتشجيعاً على الانقسام الداخلي». كما اتهم دولاً بـ«التقاعس عن توفير الحماية للبعثات الدبلوماسية المصرية»، معلناً تطبيق مبدأ «المعاملة بالمثل» مع سفاراتها في القاهرة.

وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي (وزارة الخارجية)

وأثارت واقعة أنس حبيب الأخيرة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، واعتبر متابعون وإعلاميون مثل هذه التحركات لا تندرج في إطار التعبير السياسي المعتاد، بل تأتي ضمن حملات تحريضية تدبرها جماعة «الإخوان»، تستهدف إثارة التوتر أمام مقار السفارات المصرية، بوصفها محاولات مستمرة لإثارة الأزمات وتدويل خلافاتها مع الدولة المصرية.

وأدرجت مصر «الإخوان» على قائمة «الكيانات الإرهابية» أكثر من مرة، كما حظرتها عام 2013. ويخضع مئات من قادة وأنصار الجماعة حالياً، وعلى رأسهم مرشدها العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا يتعلّق معظمها بـ«التحريض على العنف»، وقد صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن المشدّد، والمؤبّد.

وعَدّ متابعون الواقعة بأنها «جريمة بكل المقاييس، وإهانة لموظفين عموميين أثناء أداء عملهم، ويجب أن يحاسب عليها منفذها على الفور». فيما أشاد آخرون بالتزام أمن السفارة بضبط النفس خلال الواقعة، رغم ما وُجه لهم من استفزازات وكلمات غير لائقة.

وفيما لم تعلق وزارة الخارجية المصرية على الواقعة، تصاعدت مطالبات على نطاق واسع بتحرك رسمي واللجوء إلى القضاء الهولندي، ونقل المواجهة من السجال السياسي والإعلامي إلى ساحة المساءلة القانونية، خاصة أن الواقعة حدثت في وجود أفراد من الشرطة الهولندية، مع تبني موقف أكثر تشدداً تجاه أي حوادث تستهدف السفارات المصرية في الخارج.

ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب، منير أديب، أن الاعتداء على السفارات أو مقار إقامة السفراء والعاملين بالسلك الدبلوماسي لا يندرج تحت مظلة حرية التعبير، مضيفاً أن توجيه الإهانات أو التهديدات للعاملين في البعثات الدبلوماسية، أو تنظيم تحركات تستهدف مضايقتهم ومنعهم من أداء مهامهم، لا يمكن تصنيفه باعتباره عملاً معارضاً مشروعاً، «بل يمثل محاولة لترهيب مؤسسات الدولة وموظفيها والعاملين بها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مفهوم الإرهاب لا يقتصر على الأعمال المسلحة أو الاعتداءات الجنائية المباشرة، وإنما يشمل أيضاً صوراً أخرى من الإرهاب السياسي واللفظي والسلوكي».

واعتبر أن المسؤولية لا تقع فقط على من يأتي بهذه الأفعال، وإنما تمتد أيضاً إلى من يشجعها أو يبررها أو يتعامل معها باعتبارها شكلاً من أشكال النشاط السياسي المشروع.

ودعا الخارجية المصرية إلى دراسة اتخاذ إجراءات قانونية تجاه أي وقائع تستهدف البعثات الدبلوماسية، مؤكداً أن القانون الدولي يلزم الدول المضيفة بتوفير الحماية للسفارات والعاملين بها، وكذلك لمقار إقامة السفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية.

من جانبه، طالب ‏الباحث في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، عبر حسابه على «إكس»، الخارجية المصرية أن تتحرك إلى المحكمة العليا في هولندا، «لأن التظاهر لا يعني منع البعثات الدبلوماسية من مباشرة عملها أو إهانتها طبقاً للوائح التجمعات العامة في هولندا»، مبيناً أن الحكم في مثل هذه القضايا هو الحبس من 6 سنوات إلى 12 سنة، بحسب قوله.


الإرياني: «فجر اليمن» معركة استعادة الدولة... وجبهات جديدة ستفتح

تعزيزات عسكرية يمنية تسير على الطريق الساحلي بين عدن والمخا في اليمن الاثنين (أب)
تعزيزات عسكرية يمنية تسير على الطريق الساحلي بين عدن والمخا في اليمن الاثنين (أب)
TT

الإرياني: «فجر اليمن» معركة استعادة الدولة... وجبهات جديدة ستفتح

تعزيزات عسكرية يمنية تسير على الطريق الساحلي بين عدن والمخا في اليمن الاثنين (أب)
تعزيزات عسكرية يمنية تسير على الطريق الساحلي بين عدن والمخا في اليمن الاثنين (أب)

دخل اليمن مرحلة جديدة بعدما وضعت القيادة اليمنية المعركة في إطار «استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب»، بالتزامن مع إطلاق عملية «فجر اليمن» التي اتسعت جبهاتها من الساحل الغربي وباب المندب إلى تعز ومأرب والجوف وميدي، فيما باتت صنعاء ضمن الأهداف المعلنة للعملية، إذ نفذ سلاح الجو خلال الأيام الماضية عمليات استهدفت أهدافاً عسكرية حوثية في العاصمة.

ومع اتساع نطاق العمليات وتعدد محاورها، تبرز أسئلة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وقدرة القوات الحكومية على تحويل التقدم الميداني إلى تغيير أوسع في خطوط التماس، ومدى انعكاس السيطرة على باب المندب وتأمين الشريط الساحلي على مسار المعركة، إضافة إلى دور الإسناد الجوي للتحالف في دعم العمليات البرية.

معمر الإرياني وزير الإعلام اليمني (سبأ نت)

وحول دلالات توصيف المعركة بالمصيرية واستعادة الدولة، وأهداف عملية «فجر اليمن»، وتطورات الوضع في مختلف الجبهات، قال معمر الإرياني وزير الإعلام اليمني في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» إن كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، تعكس وضوحاً كاملاً في الهدف السياسي والعسكري لهذه المرحلة.

وأضاف: «نحن لا نتحدث عن معركة محدودة لتحقيق مكاسب ميدانية مؤقتة، وإنما عن مسار يستهدف استعادة مؤسسات الدولة وسلطتها وسيادتها على كامل التراب الوطني، وإنهاء الوضع الذي فرضه الانقلاب الحوثي». مشيراً إلى أن الرسالة الأساسية التي أراد رئيس مجلس القيادة إيصالها، هي أن الدولة دخلت مرحلة جديدة انتقلت فيها من إدارة الأزمة إلى تنفيذ قرار استعادة الدولة، وأن جميع إمكانيات الدولة والقوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية، ومعها الشعب اليمني، يجب أن تتكامل خلف هذا الهدف الوطني.

وتابع: «كما أن عملية (فجر اليمن) تأتي ترجمة لهذا القرار، بما يضع المعركة في إطارها الصحيح: معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وسيادتها، وليس استعادة مناطق أو تحقيق مكاسب محدودة».

التقدم والسيطرة

في هذا الجانب، أكد الإرياني أن القوات المسلحة، ممثلة بقوات العمالقة ودرع الوطن، تمكنت من استعادة السيطرة على مدينة المخا، ومنطقة باب المندب، وذوباب، والمواقع الاستراتيجية المحيطة بها، في تطور ميداني مهم ضمن عملية «فجر اليمن».

وأشار إلى أن ما يجري حالياً هو استكمال عمليات التأمين والتمشيط وتطهير الجزر القريبة من مضيق باب المندب، بما يضمن تثبيت السيطرة ومنع إعادة تشكيل التهديد على هذا الممر الحيوي.

وشدد على أن باب المندب بالنسبة للحكومة ليس مجرد موقع جغرافي أو مكسب عسكري، فهو جزء من أمن اليمن وسيادته، وفي الوقت نفسه ممر دولي بالغ الأهمية للتجارة والملاحة، ولذلك فإن تأمينه يمثل مصلحة يمنية وإقليمية ودولية في آن واحد.

قوات يمنية في تعز تخوض مواجهات ضد الحوثيين في أكثر من جبهة (أ.ف.ب)

الإسناد الجوي

وصف الإرياني الإسناد الجوي من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية بـ«العامل المهم» في دعم تقدم القوات على الأرض، وظهر أثره في قدرة القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية على تنفيذ عمليات متزامنة في أكثر من محور، موضحاً أن التحالف أعلن مشاركة نحو 100 طائرة مقاتلة في انطلاق عملية «فجر اليمن»، إلى جانب استمرار الإسناد الجوي للقوات على الأرض.

وتابع: «أما الأهداف الرئيسية للعملية فتتمثل في استعادة المناطق التي توسعت فيها ميليشيا الحوثي خلال الفترة الأخيرة، واستكمال استعادة أراضي الدولة ومؤسساتها، وتأمين الممرات والمواقع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب والشريط الساحلي. نحن أمام تكامل بين القوات على الأرض والإسناد الجوي، بما يخدم هدفاً واحداً هو استعادة سلطة الدولة وإنهاء الانقلاب، وليس مجرد تحقيق مكاسب عسكرية منفصلة».

تعدد المحاور

وأشار الإرياني إلى أن العمليات العسكرية تجري على أكثر من محور، وتشمل جبهات الساحل الغربي وتعز ومأرب والجوف وميدي، ضمن عملية واسعة لا تقتصر على جبهة واحدة، لافتاً إلى أن طبيعة العملية نفسها تفرض تفاوتاً في مستوى النشاط بين محور وآخر؛ وفقاً للخطط الميدانية.

واستطرد بالقول: «ما يمكن تأكيده هو أن القوات المسلحة تعمل وفق منظومة عمليات متزامنة، وأن ما تحقق في الساحل الغربي وباب المندب يترافق مع نشاط عسكري في محاور أخرى. والأهم أن تعدد المحاور لم يعد يعني تعدد الأهداف، فالهدف واحد، وهو استعادة وتطهير ما تبقى من أراضي الدولة ومؤسساتها، وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني».

قوات من ألوية العمالقة ودرع الوطن اليمنية تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (إعلام محلي)

الساحل الغربي

وأكد وزير الإعلام اليمني أن القوات المسلحة حققت تقدماً في عدد من الجبهات، وأبرز ما ظهر حتى الآن هو التطور المتسارع في جبهة الساحل الغربي، بما في ذلك استعادة «المخا وذوباب وباب المندب» ومواقع استراتيجية في محيطهما، إلا أنه يرى أنه من المبكر اختزال العملية في خريطة السيطرة الحالية؛ لأننا أمام عملية مستمرة، مشيراً إلى إعلان القوات المسلحة بالفعل بدء تنفيذ هجوم استراتيجي على صنعاء ضمن «فجر اليمن».

وتابع: «من الطبيعي أن تتغير ملامح مسرح العمليات مع استمرار التنفيذ، خصوصاً أن الساحل الغربي يحظى بأهمية خاصة؛ نظراً لارتباطه بأمن باب المندب والممرات البحرية والشريط الساحلي».

استعادة صنعاء

صنعاء هي العاصمة المختطفة ومركز مؤسسات الدولة، وفقاً للإرياني الذي أكد أن استعادتها تمثل الهدف النهائي لهذه العملية، وكما يقال: «فإن كل الطرق تؤدي إلى صنعاء»، وكل اليمنيين يتطلعون إلى اليوم الذي تعود فيه العاصمة إلى حضن الدولة ومؤسساتها.

وأضاف أنه خلال الأيام الماضية نفذ سلاح الجو عمليات استهدفت أهدافاً عسكرية حوثية، بالتزامن مع بدء القوات المسلحة تنفيذ ما وصفته القيادة العسكرية بـ«هجوم استراتيجي» على العاصمة باستخدام قدرات حديثة.

وتابع: «ما أستطيع قوله هو أن صنعاء أصبحت ضمن نطاق الأهداف المعلنة للعملية، وأن القوات المسلحة تتحرك وفق خطط عسكرية معتمدة، أما التفاصيل الميدانية وطبيعة التحركات والاختراقات فهي شأن عسكري، وسيتم الإعلان عن نتائجها في الوقت المناسب عبر الجهات المختصة، المهم أن (فجر اليمن) لا تستهدف مدينة أو مذهباً أو سكاناً، وإنما تستهدف استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب».

أهداف الساحل

وفي الوقت الذي يشهد الساحل الغربي أحد أبرز التطورات الميدانية في العملية، إذ تواصل القوات المسلحة عمليات التأمين والتمشيط في المناطق المحررة، أوضح وزير الإعلام اليمني لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف في هذا المحور لا يتوقف عند استعادة موقع بعينه، وإنما يتصل بتأمين الشريط الساحلي والممرات البحرية، واستكمال استعادة المناطق التي توسعت فيها ميليشيا الحوثي مؤخراً.

وتحدث الوزير الإرياني عن تعز قائلاً: «تعز هي جبهة صامدة منذ سنوات، وتشهد حالياً عمليات عسكرية متواصلة واستنزافاً لقدرات الحوثيين في عدد من المحاور، سواء في مدينة تعز أو ريف تعز، وباقي مديريات المحافظة. وما يهمنا في هذه المرحلة هو أن تتكامل عمليات تعز مع بقية الجبهات ضمن الهدف الوطني الشامل للعملية، بحيث لا تبقى المحافظة رهينة للحصار والانقلاب»، مشدداً على أن الحديث الآن ليس عن عملية منفصلة في الساحل أو تعز، وإنما عن مسار عسكري متكامل لاستعادة الدولة.

القوات الحكومية والتشكيلات

ولفت إلى أن ما نراه اليوم من تنسيق وتكامل بين القوات المسلحة ومختلف التشكيلات العسكرية يعكس تطوراً مهماً في منظومة القيادة والسيطرة والعمل العملياتي المشترك، وهذه الوحدة في القرار والتنسيق الميداني هي أحد العناصر الأساسية في قدرة القوات على التحرك في أكثر من محور ضمن عملية واحدة.

وأكد أن عملية «فجر اليمن» أظهرت أن تعدد التشكيلات لم يعد يعني تعدد القرارات أو تشتت الجهود، وإنما يمكن أن يتحول إلى قوة عندما يعمل الجميع تحت قيادة موحدة، ووفق هدف وطني واحد وخطط عملياتية منسقة.

وهذا التكامل، بحسب الإرياني، هو الذي يسمح بربط الجبهات ببعضها، وتوظيف الإمكانات البشرية والعسكرية بصورة أكثر كفاءة، وتحقيق التزامن بين العمليات البرية والإسناد الجوي، بما يخدم الهدف النهائي: استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

السيناريو الأقرب

وحول السيناريوهات الأقرب مع انطلاق عملية «فجر اليمن»، شدد الوزير الإرياني على أنها عملية شاملة، وليست عملية مرتبطة بمحور واحد أو هدف ميداني محدود، والجبهات التي لم تدخل حتى الآن في أعلى مستويات النشاط العملياتي ستتحرك وفق الخطط والجاهزية والظروف الميدانية، ولذلك لا أعتقد أن من الصحيح التعامل مع العملية بمنطق الاختيار بين جبهة وأخرى.

وأضاف: «الهدف ليس مجرد تحقيق اختراق عسكري أو تغيير خطوط تماس، وإنما استعادة الدولة وتطهير الأراضي اليمنية من مظاهر الانقلاب، وإعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها وسيادتها، ونحن أمام معركة وطنية واسعة، يخوضها اليمنيون بإمكاناتهم وقواتهم المسلحة وتشكيلاتهم العسكرية، وبدعم وإسناد من تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية».

وتابع: «ما تحقق حتى الآن يؤكد أن العملية دخلت مرحلة جديدة، وأن اليمنيين يتطلعون إلى استكمال أهدافها والوصول إلى استعادة دولتهم وعاصمتهم ومؤسساتهم، وفي نهاية المطاف، فإن النجاح لا يقاس فقط بما يتحقق في الميدان، وإنما بما يترتب عليه من عودة الدولة والأمن والاستقرار والحياة الطبيعية إلى اليمنيين».


رئيس الوزراء اليمني يُشدِّد على تطبيع الأوضاع بالمناطق المستعادة

رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني (سبأ)
TT

رئيس الوزراء اليمني يُشدِّد على تطبيع الأوضاع بالمناطق المستعادة

رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني (سبأ)

شدَّد رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني، على اتخاذ الإجراءات التنفيذية العاجلة لتطبيع الأوضاع بمدينة المخا والمناطق التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها في الساحل الغربي، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، واستعادة انتظام الخدمات، بما يواكب التطورات والانتصارات الميدانية الأخيرة ضمن عملية «فجر اليمن».

جاء ذلك خلال اتصالٍ هاتفي أجراه رئيس الوزراء اليمني مع محافظ تعز، نبيل شمسان، الاثنين، للاطلاع على الأوضاع ومستوى جاهزية السلطة المحلية لإدارة المرحلة، مؤكداً أن استعادة الأرض يجب أن تتبعها فوراً استعادة الحياة الطبيعية وحضور مؤسسات الدولة.

ووجَّه الزنداني السلطة المحلية بالتنسيق العاجل مع الوزارات والجهات الحكومية والأجهزة الأمنية والعسكرية، لإعادة تفعيل المؤسسات والمرافق العامة، وتأمين الخدمات الأساسية، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي والتجاري.

وأكد رئيس الوزراء اليمني توفير الحكومة الدعم اللازم للسلطة المحلية، مبيناً أن المخا والساحل الغربي يجب أن يكونا نموذجاً لعودة الدولة، بما يعزز ثقة المواطنين ويترجم التضحيات التي يقدمها الأبطال الميامين إلى واقع أفضل في حياة الناس.

وأشاد الزنداني ببسالة القوات المرابطة في جبهات الساحل الغربي والدعم والإسناد الأخوي الكبير من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن الحكومة ستواصل إسنادها عبر تمكين مؤسسات الدولة من أداء واجبها، ومواكبة الإنجازات الميدانية بعمل تنفيذي فاعل.