الملا محمد حسن أخوند... رئيس {قليل المرونة} لـ {حكومة طالبان}

عارض تسليم بن لادن... وأشرف على تدمير تمثال بوذا

الملا محمد حسن أخوند... رئيس {قليل المرونة} لـ {حكومة طالبان}
TT

الملا محمد حسن أخوند... رئيس {قليل المرونة} لـ {حكومة طالبان}

الملا محمد حسن أخوند... رئيس {قليل المرونة} لـ {حكومة طالبان}

لم تفلح 20 سنة في براري جبال أفغانستان وريفها في تغيير قواعد اللعبة داخل الهيكل التنظيمي لجماعة «طالبان»، ألا وهو الولاء للملا محمد عمر، القائد الأعلى الراحل للميليشيا، الأمر الذي يؤدي إلى التطرق إلى الصف الأول في الحكومة التي أعلنت جماعة «طالبان» تشكيلها في العاصمة الأفغانية كابُل، الثلاثاء الماضي. كذلك، لا يثير دهشة أي شخص عمل مع «طالبان»، أو عرفها عن كثب، أن يقع الاختيار لمنصب رئيس الوزراء على الملا محمد حسن أخوند، الذي كان مقرّباً جداً من القائد الراحل. ومن جانبه، قال دبلوماسي باكستاني سابق - طلب إغفال ذكر هويته - عمل عن قرب مع «طالبان» إبان فترة عمله السابقة: «عندما ذهبنا للتفاوض مع الملا عمر بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) لننصحهم بضرورة تسليم أسامة بن لادن إلى واشنطن، كان حسن أخوند حاضراً ذلك الاجتماع». وللعلم، كان هذا الدبلوماسي قد عمل في عواصم مهمة سفيراً لباكستان، ويعيش حالياً حياة التقاعد في إسلام آباد.

حسب الدبلوماسي الباكستاني المتقاعد، فإن الملا محمد حسن أخوند كان الشخص الرئيس في دوائر صنع القرار داخل «طالبان»، الذي نصح الملا عمر بشدة بألا يسلّم أسامة بن لادن للأميركيين. ولقد جرى إرسال الوفد الباكستاني - الذي كان بقيادة مدير الاستخبارات العامة الباكستانية آنذاك، الجنرال محمود أحمد - إلى قندهار من قبل الرئيس السابق الجنرال برويز مشرّف في محاولة لتجنّب الغزو الأميركي لأفغانستان، غير أن الوفد عاد خالي الوفاض. ومن جهة ثانية، حسب كلام الدبلوماسي الباكستاني، كان محمد حسن أخوند جزءاً من فريق «طالبان» الذي تفاوض مع الوفد الباكستاني يومذاك.
إزاء خلفية كهذه، ما كان مستغرباً وضع اسم رئيس الوزراء الأفغاني الجديد على قائمة عقوبات الأمم المتحدة التي تستهدف الأشخاص والكيانات الراعية للإرهاب. ثم إنه قبل أشهر من تعيين أخوند، أشار فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة في أفغانستان في أحد تقاريره إلى أن «جماعة (طالبان) الأفغانية لا تزال على صلة بتنظيم (القاعدة)». وتابع التقرير زاعماً أن «هناك 500 من عناصر التنظيم ما زالوا يختبئون في مناطق متفرقة من أفغانستان».

- خلفية شخصية
جدير بالذكر أن الملا محمد حسن أخوند ينتمي إلى زاراي في قندهار، المدينة والولاية الجنوبية التي نشأت ونمت فيها «طالبان». ويحظى أخوند بالاحترام داخل صفوف «طالبان» باعتباره من بين مجموعة علماء الدين الذين طرحوا فكرة تأسيس حركة مسلحة يمكن أن تضع حداً للفوضى في منطقتهم. ومن ناحيته، قال طاهر خان، الخبير الأفغاني المقيم في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، متحدثاً عن الملا أخوند: «إنه بالتأكيد أحد مؤسسي (حركة طالبان)».
ووفق المصادر، تعود صداقة الملا حسن أخوند مع الملا عمر إلى سن المراهقة، وإن كان أخوند، البالغ حالياً نحو 71 سنة، أكبر سناً من الملا عمر. هذا وتلقى أخوند تعليمه في مدارس دينية مختلفة في أفغانستان، لكن لم يتلقَ أي تعليم داخل باكستان. ثم إنه لم يستطع إكمال تعليمه بسبب انخراطه في القتال ضد القوات السوفياتية. لكن ثمة إجماعاً على أنه واحد من الأشخاص الثلاثة الذين تصوّروا فكرة «تنظيم طالبان». ومن جانب آخر، شغل الملا أخوند منصب وزير خارجية حكومة «طالبان» السابقة لفترة من الوقت، وقيل إنه لعب دوراً فاعلاً في تطوير العلاقات الدبلوماسية مع باكستان وبعض الدول العربية والإسلامية.
عندما سيطرت «طالبان» على كابل في منتصف عام 1996، شكلت الميليشيا أول حكومة لها بقيادة الملا ربّاني الذي توفي بعد سنوات قليلة من إصابته بالسرطان. وبالتالي، حلّ الملا حسن أخوند محل الملا رباني وظل رئيساً للوزراء لمدة 5 سنوات. وبناءً على اقتراح أخوند، اعتادت «طالبان» الإشارة إلى حكومتها على أنها «حكومة انتقالية»، لأن التنظيم حينها لم يكن ناجحاً في بسط السيطرة على أفغانستان بأكملها.

- سيطرة ومكانة وتشدّد
وحقاً، ظل الملا أخوند محكماً سيطرته على «طالبان» على امتداد السنوات الـ20 التي شهدت وجود القوات الأميركية في أفغانستان، وكان زعيماً لـ«مجلس شورى رهباري» (أي «القيادة الشورية العليا»)، التي هيأت صنع القرارات الرئيسة التي كانت تُصدر التوجيهات لحركة التمرد المناهضة للوجود الأميركي في أفغانستان. ويقال إنه في أحلك الفترات، كان يمضي كثيراً من الوقت داخل أفغانستان، عندما كان يقيم معظم قادة «طالبان» داخل أراضي باكستان، إما في مدينة كويتا (الجنوب الغربي) أو بيشاور (الشمال الغربي).
وبعد مقتل الملا منصور في غارة بطائرة مسيّرة من دون طيار، أصبح الملا هيبة الله زعيماً لـ«طالبان»، حتى هذا التاريخ، ظل أخوند مساعداً مقرباً ومستشاراً لهيبة الله. وما يستحق الإشارة هنا أن «مجلس شورى رهباري» كان قد طلب من أخوند أن يغدو أميراً لـ«طالبان» بعد وفاة الملا عمر، ومرة أخرى بعد وفاة الملا منصور، لكنه رفض في المرتين. ومع ذلك، أحكم أخوند بحزم قبضته على الهيكل التنظيمي لـ«طالبان».
في هذا الصدد، قال مسؤول باكستاني رفيع متحدثاً عنه: «له القول الفصل في مجلس شورى رهباري، وكان له دور فاعل في توجيه (طالبان) نحو الصداقة مع الجيش الباكستاني». ورغم ذلك، اعتاد أخوند تمضية معظم وقته داخل أفغانستان، ونادراً ما كان يزور باكستان. ولقد كانت آخر مرة زار فيها باكستان في عهد رئيس الوزراء السابق نواز شريف، عندما كان سرتاج عزيز وزيراً للخارجية.
بجانب ما تقدم، كان أخوند القيادي الوحيد الذي أراد أن تبتعد «حركة طالبان» الأفغانية عن حركة «طالبان الباكستانية» التي كانت تقاتل ضد الجيش الباكستاني في المناطق القبلية الباكستانية المتاخمة لأفغانستان. في البداية، نقل كثير من علماء الدين الباكستانيين رسالة الملا عمر (عندما كان على قيد الحياة) إلى «طالبان الباكستانية» طالبين الامتناع عن محاربة الجيش الباكستاني، لكن «طالبان الباكستانية» تجاهلت الرسالة. وبعد مقتل الملا عمر، واصلت مجموعة من قادة «طالبان» الأفغانية الضغط على «طالبان الباكستانية» من أجل الامتناع عن محاربة الجيش الباكستاني، وقال مسؤول باكستاني رفيع إن «الملا حسن أخوند كان من بين هؤلاء القادة».
مع هذا، وعلى الرغم من أن الملا أخوند شغل منصب وزير خارجية أفغانستان في الماضي، فقد عُرفت عنه قلة المرونة في كثير من القضايا الرئيسة التي تعتبرها «طالبان» حاسمة. وحسب كلام دبلوماسي باكستاني متقاعد: «أتذكر أن تمثال بوذا باميان جرى تدميره تحت إشراف الملا حسن أخوند». والجدير بالذكر في هذا الصدد أنه عام 2001 دمّرت «طالبان» التمثال التاريخي الضخم المنحوت في الصخر بجبال إقليم باميان، وسط أفغانستان. وكان هذا التمثال قائماً هناك منذ العصور القديمة، وأشار إليه عدد من المؤرخين والجغرافيين الإسلاميين. وفي حينه، ناشد العالم بأسره، بما في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة، قادة «طالبان» بألا يدمّروا التمثال، لكنهم رفضوا كل النداءات ونسفوه.

- أمام التحديات المرتقبة
على صعيد آخر، من المتوقع أن تواجه حكومة الملا محمد حسن أخوند تحدياً يتمثل في الحفاظ على الإجماع الإقليمي الداعم لسيطرة «طالبان» العسكرية على كابُل، وهذا مع ملاحظة أن ردود الأفعال الإقليمية على استيلاء «طالبان» العسكري على الحكم في أفغانستان كان داعماً في الغالب.
على سبيل المثال، وصفت إيران انسحاب القوات الأميركية والأحداث اللاحقة بأنه «بشرى خير» للمصالحة الوطنية في أفغانستان. ومن جانبها، لا ترى روسيا - حتى الآن، على الأقل - أي تهديد لنفسها، أو للدول الدائرة في فلكها بمنطقة آسيا الوسطى، من استعادة «طالبان» السلطة أو تداعيات انتصاراتها العسكرية. وفي حين تسعى الصين إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع حكومة «طالبان»، يسود شعور بالبهجة أجهزة الدولة الباكستانية لتولي «أصولهم الاستراتيجية» زمام السلطة في أفغانستان.
ومن ثم، من المؤكد أن هذه الاستجابة الإقليمية مواتية للغاية لـ«طالبان» في المقام الأول، ولا سيما أن الحروب الأهلية الماضية في أفغانستان كانت دائماً ما تؤججها واحدة أو أكثر من «جارات» أفغانستان. ولكن، ما نراه اليوم أن جميع «الجارات» مرتاحة، أو هذا ما تقوله، إزاء صعود «طالبان» كقوة عسكرية مهيمنة في البلاد.
وبناءً عليه، فإن السبيل الوحيد أمام الملا أخوند وحكومته الجديدة من أجل الحفاظ على هذا الإجماع الإقليمي، يتمثل في إبقاء أعمال العنف بدايةً داخل حدود أفغانستان. وفي هذا السياق، يعلق الدبلوماسي الباكستاني المشار إليه سابقاً، قائلاً: «ترغب كلٌ من إيران والصين وروسيا في أن تسيطر حكومة (طالبان) بقوة على مصادر العنف التي يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة وتمتد إلى الدول المجاورة». وما يستحق الإشارة هنا أن باكستان تواجه مشكلات خاصة بها، أبرزها حركة «طالبان الباكستانية» التي ربما تستفيد من سيطرة «طالبان» على أفغانستان.
والتساؤل هنا؛ هل تستطيع باكستان تحمل هذه الاستجابة الإقليمية الإيجابية إزاء استيلاء «طالبان» العسكري على أفغانستان؟

- حسابات باكستانية
المعروف أن «مؤسسة» السياسة الخارجية الباكستانية تواجه مجموعة أكثر تعقيداً من تحديات السياسة الخارجية، في حين تشكل أفغانستان مجرد قطعة واحدة من أحجية التحديات القائمة. ومن ثم، بينما لا يمكن لانتصار «طالبان» أن يقلل أهمية الجوانب الأخرى لسياسة باكستان الخارجية، فإنه من غير المرجح أن تنجرف مؤسسة السياسة الخارجية الباكستانية بعيداً وتتصرف تحت تأثير هذا الانتصار لحلفائها الاستراتيجيين في أفغانستان.
أولاً وقبل كل شيء، يجب على باكستان الاهتمام بضمان استدامة الوضع المالي لأفغانستان، الذي يعتمد دوماً على التصويت بـ«نعم» لواشنطن في عمليات توزيع القروض لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وسيظل هذا عاملاً مهيمناً في تحديد توجهات السياسة الخارجية لأي دولة وموقعها في «رقعة الشطرنج» الجيوسياسية في إطار صراعات القوى الإقليمية في المستقبل المنظور.
من ناحيتها، لا تستطيع باكستان تحمل تكاليف الانضمام إلى الجهود الإقليمية التي تقودها دول مثل روسيا والصين وإيران التي تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه استبعاد واشنطن تماماً من التأثير على الأحداث في أفغانستان وآسيا الوسطى. والمعروف أن الصين وروسيا تعارضان بشدة أي تحرك لتقديم قواعد للقوات الأميركية في آسيا الوسطى. وفي الوقت ذاته، من المقرر أن تنسحب القوات الأميركية بالكامل من أفغانستان خلال الأشهر المقبلة.
وعلى الصعيد السياسي، مُني أتباع واشنطن، بلا شك، بهزيمة مريرة ومباشرة في الصراع على السلطة في أفغانستان، كما تعاني القوات الموالية لواشنطن من حالة فوضى كاملة. أما «طالبان»، التي تتصدّر المشهد السياسي الأفغاني، فتتمتع بعلاقات قوية للغاية مع «المؤسستين الأمنيتين» الإيرانية والروسية. ولقد أعرب خبراء عن اعتقادهم بأن قادة «طالبان» يتشاورون بانتظام مع المسؤولين الروس والإيرانيين قبل اتخاذ أي خطوة كبرى أو اتخاذ مسار جديد.
وهنا، من بين المؤشرات التي تُظهر أن إسلام آباد ليست مستعدة بعد للانفصال التام عن واشنطن فيما يخص أفغانستان، آخر تعليق من وزارة الخارجية الباكستانية حول الوضع الأفغاني الذي أورد أنه «من المناسب ذكر حقوق الإنسان وحقوق المرأة باعتبارهما عاملين حاسمين في صياغة التوجه إزاء الحكومة الأفغانية الجديدة».
في المقابل، حقوق الإنسان وحقوق المرأة لا يشكلان عاملاً بارزاً في السياسات المعلنة لأي من دول المنطقة، بما في ذلك روسيا والصين وإيران تجاه «طالبان»، وهو ما يعني بوضوح أن هذا الأمر يتعلق حصراً بواشنطن و«أبناء عمومتها» الغربيين. وبالتالي، من الصعب توقع أي مدى ستمضي إسلام آباد فيه على طريق تنفيذ بيانها بشأن حقوق الإنسان والمرأة، وإن بدا في الوقت الراهن أن إسلام آباد غير مستعدة أو جاهزة لتجاهل قلق واشنطن على نحو كامل. وأما الأمر المؤكد فهو أنه حال التزام قيادة «طالبان» نهجاً متشدداً... سيصعب عليها وعلى حكومتها الجديدة التعامل بنجاح مع مثل هذه التعقيدات الدبلوماسية.



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.