إسرائيل تستنفر حدودها لمنع الأسرى الفارين من دخول غزة أو الانتقال إلى دولة مجاورة

رجحت تلقيهم مساعدة من خارج السجن وبعض السجانين

شرطيون وحراس يتفحصون سجن جلبوع من الخارج (أ.ب)
شرطيون وحراس يتفحصون سجن جلبوع من الخارج (أ.ب)
TT

إسرائيل تستنفر حدودها لمنع الأسرى الفارين من دخول غزة أو الانتقال إلى دولة مجاورة

شرطيون وحراس يتفحصون سجن جلبوع من الخارج (أ.ب)
شرطيون وحراس يتفحصون سجن جلبوع من الخارج (أ.ب)

في أعقاب فرار ستة من أبرز الأسرى الفلسطينيين من سجن شطة (الجلبوع) قرب بيسان شمال إسرائيل، قرر الجيش الإسرائيلي رفع حالة التأهب، التي بدأها بسبب الأعياد اليهودية، إلى حالة استنفار شامل، ونشر قواته على طول الحدود مع الأردن وقطاع غزة وسوريا ولبنان، حتى لا يتمكنوا من المغادرة إلى الخارج.
وجنباً إلى جنب، ألغى الشاباك (جهاز المخابرات العامة) إجازات العيد، وقام بتفعيل كوادره وعملائه للعثور على الأسرى الفارين قبل أن يقدموا على عمليات خطف مستوطنين أو جنود لمقايضتهم بأسرى فلسطينيين آخرين. وانتشرت قوات الاحتلال معززة بضعف عدد الجنود، في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وأقامت 82 حاجزاً عسكرياً جديداً أضيفت إلى أكثر من 400 حاجز قائم. وحذرت إسرائيل، السلطة الفلسطينية، من الدعوات التي انتشرت في مدن المنطقة وتدعو الجمهور إلى التشويش على عمليات التفتيش بالمظاهرات في مناطق الاحتكاك، والمبادرة إلى صدامات مع قوات الاحتلال وتحطيم كاميرات التصوير التي نصبتها إسرائيل في جميع الطرقات بين المستوطنات اليهودية والبلدات الفلسطينية. وقالت إن الجنود الإسرائيليين تلقوا أوامر صارمة بالتعامل بالقبضة الحديدية مع أي محاولة تشويش.
هذا، ودخلت إسرائيل، بقياداتها السياسية والأمنية، إلى حالة توتر شديد بسبب نجاح الأسرى الستة في الفرار من هذا السجن، الذي يعتبر أحدث السجون الإسرائيلية وعرف باسم «صندوق الخزنة»، كونه مبنياً بطريقة ومواد تجعل الهروب منه مهمة مستحيلة. واجتمع رئيس الوزراء، نفتالي بنيت، مع قادة الأجهزة الأمنية، وأعطى تعليمات صارمة للعثور على الأسرى بأي ثمن. واجتمع وزير الأمن، بيني غانتس، أيضاً مع قادة الأجهزة. وباشرت الأجهزة الأمنية التحقيق في كيفية نجاحهم في الهرب، مرجحة احتمال تلقيهم مساعدة قوية من خارج السجن، وربما أيضاً من بعض السجانين. ورافقت عملية التحقيق روايات عديدة متناقضة. ومع أن السجن بني في عام 2004. وشهد عملية تحصين في 2014 لدى إجهاض عملية هرب منه، وتمت إدارته عملياً في زمن حكومات بنيامين نتنياهو، خرج عدد من نواب الليكود المعارض يطالبون حكومة نفتالي بنيت بالاستقالة.
وكانت مصلحة السجون الإسرائيلية قد أكدت أن عملية الهروب وقعت في حوالي الساعة 1:30 من فجر الاثنين، ولكنها اكتشفتها في الساعة الثالثة والنصف، بعد أن اتصل مواطنون بالشرطة وأبلغوها عن «أشخاص مشبوهين يتجولون في منطقة السجن». وتبين أن الأسرى تمكنوا من تبديل ملابس السجن بملابس مدنية، وتوزعوا إلى عدة فرق، وكانت تنتظرهم سيارات نقلتهم بسرعة بعيداً عن المكان.
سيناريوهات متضاربة
واختلفت الروايات حول طريقة الفرار. فقد نشر بداية أن الأسرى الستة، حفروا نفقاً من زنزانتهم حتى 12 متراً خارج السجن. وذكر خبراء أن حفر نفق كهذا، بالوسائل البدائية التقليدية للسجناء، مثل ملعقة تحولت إلى شفرة أو آلات حادة أخرى، يستغرق عدة سنوات. ولكي ينجح، لا بد من تعاون بعض السجانين الذين يطلب منهم السكوت على أصوات الحفر في ساعات الليل. ولأن هذه الرواية تظهر مصلحة السجون موبوءة ومهملة، خرجت رواية أخرى ادعت بأن الأسرى استغلوا الفراغات في البناء ومواسير المجاري وانطلقوا منها إلى الخارج. ومع ذلك فقد أكد خبراء أن هناك حفراً واضحة تماماً تحت الأرض. والنفق الذي حفروه لم يكن طويلاً، وأنهم (الأسرى)، أزالوا بلاطة كبيرة تحت المغسلة القائمة في المرحاض، واكتشفوا وجود ممر فارغ تحت الأرض بين غرف السجن وأسواره. وعندها، راحوا يحفرون تحت الأسوار لمسافة 12 متراً، ثم صنعوا حفرة خارج السجن ومنها انطلقوا للخارج.
وجاء في بيان مصلحة السجون، أنه «عند البحث في الزنزانة، وجد المحققون الحفرة التي كانت كبيرة بما يكفي لرجل بالغ كي يعبر من خلالها. وقد بدت محفورة في أرضية الحمام. ولم يُعرف على الفور كيف قام الأسرى بالحفر في الأرضية الخرسانية والمعدنية، بينما لا يُسمح حتى بإدخال ملاعق معدنية إلى الزنزانات، علماً بأن إدارة السجون تتعامل منذ فترة طويلة مع محاولات تهريب واسعة النطاق تكون متقنة أحياناً، لكنها أجهضتها».
وقد طرحت عدة أسئلة في الشارع الإسرائيلي حول هذا الفرار، إذ يُعتبر هذا السجن أحدث السجون وأكثرها صرامة في الإجراءات بمعايير عالمية، وجرى تصميمه على أساس أقسام منفردة لا تتصل فيما بينها، وكأن كل قسم سجن منفرد. وكل خروج من القسم يمر في مسارات داخلية محاطة بجدران وبالأسلاك وأجهزة الرقابة. وأرضيته مبنية بالباطون المسلح وبطبقة فولاذية تحتها من صفائح الفولاذ الذي تصنع منه الدبابات. وقد بني بهذه الطريقة، لأنه مخصص لذوي الأحكام العالية والمؤبدات الذين لن يخسروا شيئاً إذا حاولوا الهرب.
وهو سجن محاط بكلاب الحراسة والأجهزة، ويقوم السجانون يومياً بالفحص الأمني لأرضية الزنازين ومتانة الأبراش «الأسرة الحديدية»، وللمرحاض والشباك الحديدية التي تكسو النافذة. ويقومون بالعد ثلاث مرات في اليوم، في الصباح والظهر والمساء، وكثيراً ما يتم إجراء عد مفاجئ في أوقات أخرى.
وفي عام 2014 جرت محاولة شبيهة للفرار من هذا السجن، وتم كشفها وإحباطها بعد العثور على نفق امتد عدة أمتار، استغرق العمل فيه أشهراً عديدة، من أرضية مرحاض أحد الزنازين. وفي أعقاب ذلك قررت مصلحة السجون تغيير كل المراحيض في السجون، واستبدال المرحاض «الأرضي» بالمرحاض الإفرنجي (الكرسي) وبناء أرضية من الباطون والشباك الفولاذية. كما قاموا بتغيير قنوات الصرف في أرضية ساحات السجن، وفتحها يومياً للتأكد من عدم وجود تراب أو حجارة كدلالة على حفر نفق. وأقيل في تلك السنة، مدير السجن والضباط المسؤولون.
وضمن التساؤلات التي طرحت، كيف تغلب الأسرى الفلسطينيون على كل تلك القيود وتمكنوا من الفرار؟ كيف عملوا كل هذه الشهور وربما السنوات، في حفر الأنفاق ولم يتم اكتشافهم؟ كيف اختفوا في الواحدة فجراً ولم يتم اكتشافهم إلا عن طريق المارة خارج السجن؟ وأي مساعدة تلقوا من الخارج؟ وكيف رتبوا لوجود سيارات تنتظرهم خارج السجن؟ ولماذا سكتت إدارة السجن على وجود هواتف معهم ولم تراقبها؟
يذكر أن الأسرى الستة الفارين من هذا السجن، جميعهم من سكان مدينة جنين وضواحيها، وهم: محمود عبد الله عارضة (46 عاماً) من عرابة- جنين، معتقل منذ عام 1996 ومحكوم بالمؤبد، وابن عمه، محمد قاسم عارضه (39 عاماً)، معتقل منذ عام 2002، ومحكوم مؤبد. ويعقوب محمود قادري (49 عاماً) من بير الباشا، معتقل منذ عام 2003، ومحكوم مؤبد. وأيهم نايف كممجي (35 عاماً) من كفر دان، معتقل منذ عام 2006 ومحكوم مؤبد. ومناضل يعقوب انفيعات (26 عاماً) من يعبد، معتقل منذ عام 2019، وزكريا زبيدي (46 عاماً) من مخيم جنين، معتقل منذ عام 2019. ومع أن زبيدي معتقل حديثا نسبيا، فإن السلطات الإسرائيلية تعتبره الأخطر بينهم، وتنسب إليه قيادة العملية، تخطيطاً وتنفيذاً. فهو معروف لها كقائد خطير. والزبيدي من قادة حركة «فتح» الميدانيين. تيتم وهو طفل، عندما توفي والده بالسرطان، وقتل شقيق له برصاص الاحتلال وجرحت والدته أيضاً. وقد طورد سنين طويلة إلى أن اعتقل وحكم بالسجن عشرين سنة، لكن إسرائيل أفرجت عنه ضمن صفقة مع السلطة الفلسطينية. فترك العمل السياسي والعسكري، وأقام مسرحاً في جنين سوية مع الفنان الإسرائيلي، جوليانو مير - خميس. ولكنه عاد إلى العمل السياسي في أعقاب مقتل جوليانو بأيدٍ فلسطينية. ومن ذلك الحين والاحتلال الإسرائيلي يلاحقه.



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.