خبيرة أميركية: السياسات المالية تمكن الاقتصاد السعودي من الاحتفاظ بقوته وتحدي أسعار النفط لأعوام مديدة

لوكاس لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تمتلك أسباب تحقيق أهدافها التي تنشدها مستقبلا

اتجاه السعودية نحو الاستثمار في مواردها البشرية مكّنها من أن تقطع شوطا في تطوير الصناعة المالية والسياسات المالية («الشرق الأوسط»)، (في الإطار) الخبيرة المالية الأميركية البروفسورة ديبورا لوكا.
اتجاه السعودية نحو الاستثمار في مواردها البشرية مكّنها من أن تقطع شوطا في تطوير الصناعة المالية والسياسات المالية («الشرق الأوسط»)، (في الإطار) الخبيرة المالية الأميركية البروفسورة ديبورا لوكا.
TT

خبيرة أميركية: السياسات المالية تمكن الاقتصاد السعودي من الاحتفاظ بقوته وتحدي أسعار النفط لأعوام مديدة

اتجاه السعودية نحو الاستثمار في مواردها البشرية مكّنها من أن تقطع شوطا في تطوير الصناعة المالية والسياسات المالية («الشرق الأوسط»)، (في الإطار) الخبيرة المالية الأميركية البروفسورة ديبورا لوكا.
اتجاه السعودية نحو الاستثمار في مواردها البشرية مكّنها من أن تقطع شوطا في تطوير الصناعة المالية والسياسات المالية («الشرق الأوسط»)، (في الإطار) الخبيرة المالية الأميركية البروفسورة ديبورا لوكا.

كشفت لـ«الشرق الأوسط»، البروفسورة ديبورا لوكاس مديرة مركز المالية والسياسات بجامعة ماساتشوستس للتكنولوجيا بأميركا، أن اتجاه السعودية نحو الاستثمار بشكل كبير في مواردها البشرية وتحديد وبناء قدرات الجيل المقبل من قادتها الماليين، مكّنها من أن تقطع شوطا كبيرا في تطوير الصناعة المالية والسياسات المالية.
وقالت لوكاس وهي المديرة المساعدة بمكتب ميزانية الكونغرس سابقا: «إن السعودية تشكل أكبر اقتصاد في منطقة الخليج، وهذا لن يتغير في المستقبل القريب طالما أن الحكومة تركز على رؤيتها، لا سيما تلك التي تتعلق بتطوير وتعليم المواهب القيادية الجديدة وأنا هنا للتعلم».
وتوقعت لوكاس، أن تمضي السعودية قدما في تطوير نظامها المالي على مستوى عالمي، مؤكدة أن هذا التوجه بات أمرا ضروريا لإيجاد قطاع خاص نشط وحيوي من شأنه أن يجلب التوسع في الاستثمار والازدهار للبلاد، مشيرة إلى أن الشركات على اختلاف أحجامها تحتاج إلى رؤوس أموال لتحقيق نموها.
وأرجعت لوكاس، وهي عضوة في فريق المائدة المستديرة الاستشاري لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، هذا التوجه السعودي، للحنكة الكبيرة التي تميز بها قادة هذه البلاد، في وضع هذا التوجه ضمن المسار الصحيح، مبينة أن قرار تأسيس مركز مالي عالمي في الرياض، وتعني به مركز الملك عبد الله المالي، يدلل على ذلك.
ومع ذلك أكدت لوكاس، أن أمام الحكومة السعودية، فرصة إقامة نظام تشريعي يوفر رقابة كافية على المركز، لكنها في الوقت ذاته بحاجة للسماح بتحقيق الابتكار المالي، وتحمل المخاطر المتوقعة، التي تحتاج إلى قادة ومتخصصين محترفين لإدارتها في حال وقوعها.
وقالت لوكاس: «لا أرى سببا لعدم نجاح السعودية في تحقيق أهدافها التي تنشدها مستقبلا»، مشيرة إلى أن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى مزيد من التدريب المتواصل وتنمية المهارات للعاملين في قطاع المال، لخوض غمار العمل والمنافسة في عالم المال والأعمال»، مؤكدة أن السياسات المالية تمكن اقتصادها من الاحتفاظ بقوته وتحدي أسعار النفط لأعوام مديدة.
ونوهت بأن الحكومة السعودية، أدركت أهمية تحقيق هذا الهدف، من خلال إطلاقها برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، حيث رشحت وزارة التعليم العالي 10491 مبتعثا للقبول في المرحلة العاشرة من البرنامج، في رقم هو الأعلى في أعداد المرشحين منذ انطلاقه، وسيلتحق 17 في المائة، من هؤلاء الطلاب المبتعثين في التخصصات المالية والاقتصادية.
وعن مستقبل السعودية والخطوات التي أقرّها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، لتعزيز مناخها الاستثماري وبنيتها التحتية في ظل انخفاض أسعار البترول، أكدت لوكاس أن ذلك من أهم ثمرات سلاسة انتقال القيادة في البلاد، ويبيّن مدى الالتزام المتواصل من الحكومة بتطوير قطاعي الاقتصاد غير النفطي والتعليم.
وأكدت لوكاس أن النظام المالي بشكل عام، يلعب دورا أساسيا في عملية التنمية لأية دولة تسعى نحو تحقيق مستويات أفضل من التطور والنمو، وتحقيق ريادة إقليمية في المجال الاقتصادي، ، لكن، بعد تحقيق أحدث أدوات النظام المالي الذي يساهم في عملية التنمية.
وحول الأدوار التي يمكن أن تلعبها المؤسسات الأكاديمية في عملية تطوير وإصلاح النظام المالي العالمي، قالت لوكاس: «إن من الواضح أن التعليم والتدريب يأتيان في طليعة ما يجب إنجازه لتطوير النظام المالي العالمي، بالتزامن مع إجراء البحوث، التي تهدف إلى تحديد أفضل الممارسات والمجالات التي تحتاج إلى تغييرات».
ووفقا للوكاس، يكمن الهدف الرئيسي من التعليم المالي في توفير قادة ماليين محترفين من مختلف أنحاء العالم لدعم الحكومة والقطاع الخاص، مع وجود لغة مشتركة للتمويل، «وهذا هو ما تسعى (MIT) لتحقيقه، حيث إننا نحرص على استقطاب الطلاب المتفوقين من مختلف أنحاء العالم».
ومع ذلك، تعتقد لوكاس وهي كبير الاقتصاديين بمجلس المستشارين الاقتصاديين، وعضو الهيئة الاستشارية الفنية للضمان الاجتماعي في أميركا، أن الطريقة التي تطبق خلالها السياسات المالية العامة تعتمد بدرجة كبيرة على سمات فريدة تمتاز بها كل سوق على حدة.
وترى لوكاس أنه من الأفضل إجراء حوار عالمي حول النظام المالي الحالي مع ضرورة توفير تفاهم مشترك للمبادئ والممارسات الأساسية، التي تساهم في تحقيق التنمية المستدامة، و«هذا ما نسعى إلى ترسيخه في معهد ماساتشوستس للتقنية».
وأوضحت أن الشركات التي تمتلك بيئة عمل مثالية وعصرية ضمن إطار تنظيمي منهجي، تمتلك المفتاح الذي يستقطب أفضل الخبرات والكفاءات المبدعة، التي ستشكل بدورها القطب الجاذب لمتخصصين احترافيين آخرين، في عملية تدعم وتشجع تدفق الأفكار المبتكرة وتبادل أفضل الممارسات فيما بينها.
ولفتت لوكاس إلى تطور وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، كمثال على ما سبق، مؤكدة أنه رد طبيعي على وجود مراكز عالمية للتعلم والتدريب في المنطقة.
وقالت: «جاءت شركات تكنولوجيا المعلومات إلى وادي السيليكون في البدء لأنه وفر سهولة الوصول إلى أفضل المواهب الصاعدة في هذه الصناعة، وأصبح وادي السيليكون مرادفا لتكنولوجيا عصرية متقدمة، وجذبت هذه الصورة الإيجابية بدورها المزيد من الشركات، التي أرادت دمغ أعمالها في وادي السيليكون والتقرب من مفكرين كبار في هذا المجال».
وحول مدى فعالية الإنفاق على مشاريع البنية التحتية التعليمية، كأداة لتوليد فرص العمل على نطاق واسع، أكدت لوكاس، أن التعليم في حد ذاته لن يوفر فرص عمل على نطاق واسع، لكنه يزود الطلاب بالمعرفة والأدوات التي يحتاجونها للمشاركة في تشكيل بيئة مثالية لمناخ اقتصادي يولد فرص عمل.
وأضافت: «من وجهة نظر النظام المالي، يعني هذا تدريب العاملين في القطاع الخاص والعام على حدٍ سواء على التطبيق السليم للأدوات والتقنيات الحديثة لتعزيز عمل المؤسسات المالية»، مشيرة إلى أن التعليم نقطة انطلاق مهمة لتطوير بيئة أعمال منظمة تدعم النمو وتشجع النشاط التجاري.
كما يعني هذا من وجهة نظر القطاع العام في البنوك المركزية والهيئات التظيمية على سبيل المثال وفق لوكاس، تطوير فهم لما قد ينشأ من تعقيدات النظام المالي، وبناء أفضل الممارسات التي تدعم أداء فاعلا لهذا النظام.
ومع ذلك، تعتقد لوكاس أن الطريقة التي تطبق خلالها السياسات المالية العامة تعتمد بدرجة كبيرة على سمات فريدة تمتاز بها كل سوق على حدة، مشيرة إلى أن النظام المالي يمكن أن يُسخر لدعم نمو أوسع في الاقتصاد من خلال التوزيع الفاعل لرأس المال بالتوازي مع إدارة المخاطر التي قد تنشأ.
يشار إلى أن البروفسورة ديبورا.ج. لوكاس، أصدرت أبحاثا علمية كبيرة فيما يتعلق بالنظام المالي، منها ما يتعلق بالتحديات المحاسبية وقياس تكلفة المخاطر المرتبطة بالالتزامات المالية الحكومية، فيما ركزت آخر أبحاثها على مشكلة قياس ومحاسبة تكاليف ومخاطر الالتزامات المالية الحكومية.
وتغطي أبحاث لوكاس المنشورة، مجموعة واسعة من المواضيع والتي منها تأثير الخطر الفقهي على أسعار الأصول واختيار المحافظ والنماذج الديناميكية لتمويل الشركات والمؤسسات المالية واقتصاديات النقد.
وشغلت لوكاس العديد من المناصب الرفيعة والمناشط المالية بأميركا، منها: منظمة مشاركة لأسواق رأس المال والاقتصاد. وباحثة في المكتب القومي للأبحاث الاقتصادية بأميركا. وهي أيضا عضوة منتخبة في الأكاديمية الوطنية للتأمينات الاجتماعية. وعضوة في فريق المائدة المستديرة الاستشاري لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وسبق أن شغلت لوكاس عضوية مجلس الإدارة لدى العديد من الشركات والمؤسسات غير الربحية، بما فيها جمعية التمويل الأميركية، وكانت قد حصلت على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة شيكاغو.



محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

قال محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، إن التركيز على التضخم أسهم في خفض نسبة معدلاته من نحو 40 في المائة إلى قرابة 12 في المائة، ما عزز الثقة بالاقتصاد الكلي.

وأشار عبد الله، في الوقت نفسه إلى العمل المكثف على بناء هوامش أمان؛ حيث ارتفعت الاحتياطيات مع صعود صافي الأصول الأجنبية، مؤكداً أهمية «بناء الاحتياطيات في هذا العالم المضطرب».

وخلال جلسة حوارية ضمن «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، المنعقد في العلا، الأحد، أوضح عبد الله أنه منذ 24 مارس (آذار) جرى التحول إلى استهداف التضخم، مع تطبيق نظام سعر صرف مرن للمرة الأولى في تاريخ مصر يستجيب لقوى العرض والطلب، مؤكداً أن دور محافظ البنك المركزي ليس السعي إلى عملة أقوى أو أضعف بل توفير إطار تتحرك فيه العملة، بما يعكس التسعير الصحيح.

وأضاف أن مصر تمضي في مسار إصلاح السياسة النقدية منذ نحو 18 شهراً، مشيراً إلى الفترة التي مرت بها البلاد قبل تطبيق نظام سعر صرف مرن، التي وصفها بـ«الصعبة»، والتي ظهرت فيها «اختناقات مالية حادة وسوق موازية».

وشدد عبد الله على أن بناء الهوامش الوقائية يجب أن يتم في أوقات الرخاء لا انتظار الأزمات، داعياً إلى تعزيز خطوط التواصل بين البنوك المركزية، خصوصاً بين الاقتصادات الناشئة والمتقدمة، وإلى إجراء تحليلات السيناريوهات، ووضع خطط طوارئ للقطاع المصرفي. كما دعا المؤسسات المالية متعددة الأطراف إلى توفير تسهيلات طارئة تفعل فور وقوع الأزمات.

وأوضح أن البنك المركزي المصري يعمل على تطوير أدواته التحليلية من خلال إنشاء إدارة لعلوم البيانات وبناء مؤشرات استباقية بدلاً من الاعتماد على المؤشرات المتأخرة إلى جانب إدارة التوقعات.

وعن الوضع الاقتصادي الحالي في مصر، قال عبد الله إن احتمالات التحسن باتت أكبر مع بدء تعافي الموارد مثل قناة السويس، وبلوغ السياحة مستويات قياسية من حيث الأعداد والإنفاق، إضافة إلى تحسن نشاط القطاع الخاص.

وختم بالقول إن الاقتصاد المصري يتمتع بفرص صعود تفوق المخاطر الهبوطية، باستثناء الصدمات الخارجية التي تخضع لها جميع الدول.


محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».