شيرين أبو النجا: حلمي الدائم أن يتحول النص النقدي لنص إبداعي

الناقدة المصرية قالت إن تمسكها بنزاهة التحكيم في الجوائز يغضب الكثيرين

شيرين أبو النجا
شيرين أبو النجا
TT

شيرين أبو النجا: حلمي الدائم أن يتحول النص النقدي لنص إبداعي

شيرين أبو النجا
شيرين أبو النجا

ترى الكاتبة والناقدة الأدبية شيرين أبو النجا، أن القراءة فعل إبداعي لا يقل أهمية عن الكتابة؛ ومن خلال عملها أستاذة للأدب الإنجليزي والنقد النسوي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ومتابعتها مجريات الحياة الثقافية على الساحتين العربية والدولية؛ استطاعت أن تُبلور صيغة أدبية تجمع فيها بين النقد والإبداع، في رؤية مهمومة بالواقع الإنساني وقضايا المرأة، لافتة إلى تراجع السؤال النسوي، وأنه أصبح دخيلاً يُطلب منه المغادرة، كما أن المشهد الثقافي لا يبالي كثيراً بأهميته واعتداده باستقلاليته.
في هذا السياق، أصدرت أبو النجا عدداً من الأعمال المهمة، منها «عاطفة الاختلاف»، «نسائي أم نسوى»، «مفهوم الوطن في فكر الكاتبة العربية»، «من أوراق شاهندة مقلد»، «المثقف الانتقالي من الاستبداد إلى التمرد»، ولها رواية وحيدة بعنوان «خيانة القاهرة». بهذه الحمولة المعرفية استطاعت أيضاً أن تحتل موقعاً بين محكّمي الجوائز الأدبية في العالم العربي، عرّضها أحياناً لغضب الكثيرين، مثلما حدث عقب انسحابها من لجنة تحكيم جائزة البوكر العربية 2009.
هنا حوار معها حول هذه المحطات والقضايا، وإلى مدى تشكل اتساقاً في منظومة رؤيتها للواقع والحياة.

> عادة ما يتجاوز صوتك النقدي النظريات التطبيقية إلى سياقات أكثر رحابة حول النص ومشروع الكاتب والجماليات الأدبية، هل تضعين في اعتبارك فكرة الخروج بالنص النقدي من سياجه الجاف والتقليدي؟
- لنقل إنني دائماً ما أطمح إلى تحويل النص النقدي إلى نص إبداعي، فالقراءة فعل إبداعي لا يقل أهمية عن الكتابة - بل ربما أنه فعل يمنح المكتوب وجوداً فكرياً وحيزاً أدبياً. وفي حين أن الكاتب والكاتبة يكتسبان رأسمالهما الرمزي من القدرة على فتح ثغرات جديدة في إمكانية الوجود من خلال مستويات التخييل التي تحول النص إلى عالم مستقل، فإن الناقد والناقدة يكتسبان التميز عبر إعادة ربط النص التخييلي بالواقع «تلك الكلمة المبتذلة». بهذا الربط بين تفاصيل اليومي المعيش والفني المكتوب يمكن أن نتحدث عن إنتاج المعرفة.
بالعودة إلى سؤالك، أعتقد أنه ينبغي علينا أن نؤكد أن النقد التطبيقي لا يكون له أي صدى أو تأثير في الحقل المعرفي إذا لم يكن مستنداً إلى رؤية فكرية متسقة تساعده على إيجاد طريقه في متاهات النظرية. التعامل مع النظريات وكأنها معروضة لنختار منها ما يعجبنا لا يؤدي إلى أي فكرة، بل يتحول إلى رطانة نقدية لا يقرأها أحد ولا تمنح النص حياة جديدة. رؤية العالم ورؤيتنا موقعنا في العالم وهدفنا من توظيف النظرية والمبررات الفكرية والآيديولوجية لاختيار مسار نظري بعينه هو ما يساعد الناقد والناقدة على أن يكون واعياً بموقعه في المجال الأدبي من ناحية وأن يستعيد الهالة المفقودة للنقد الأدبي. تقريباً مع مطلع الألفية تم تحديد وتحجيم واختزال النقد الأدبي في شكل واحد، وهو الاحتفاء بصدور عمل جديد؛ وهو ما دفعني إلى الابتعاد قدر المستطاع عن المشاركة في الندوات وتوقيع الكتب.
> لكِ تجارب طويلة مع التحكيم في الجوائز الأدبية، ما هي برأيكِ العوامل المهيئة لنزاهة النقد والتحكيم؟
- الإجابة أبسط مما تتخيلين: أن تكوني نزيهة فعلياً - من دون أن تحاولي إثبات ذلك - ولديك خبرة حقيقية في القراءة بما يجعلك تختارين هذا الكتاب وليس الآخر. النزاهة أمر يستدعي ألا تكوني واقعة تحت أي ضغوط مؤسسية أو شخصية، وأن يكون لديك الشجاعة الكافية التي تجعلك تدافعين عن اختيارك؛ وأن تكون روحك في النهاية بمنأى عن كل ما لا بد أن تسمعيه وعن كل ثرثرة مواقع التواصل الاجتماعي.
> ما الذي غيّرته الجوائز في خريطة سوق النشر واختيارات القراءة، وهل استطاعت تلك الجوائز أن تحرّك النقد لساحة أكثر جماهيرية؟
- الجوائز فكرة مشروعة للغاية ومن حق الإبداع أن يتم الاحتفاء به ومن حق المبدعين أن يصلهم شعور بالإنجاز والتميز والتقدير. لا يمكن أن أجزم أن الجوائز غيرت سوق النشر؛ فأي دار نشر لا بد أن لها ضوابط ومعايير خاصة ولجنة قراءة، لكن كلمة «لا بد» توحي بحتمية لا أقول إنها متوافرة دائماً، فما أكثر الأشجار التي فقدت حياتها لتتحول إلى ورق به كتابة بائسة لا تعي من نفسها شيئاً. لكن بالتأكيد أصبح القارئ متلهفاً لقراءة كتب اللوائح الطويلة والقصيرة والنصوص التي يُثار حولها زوابع وخلافات. الغريب أن التطور الحادث في أشكال الكتابة التي تحصل على جوائز لم يكن دافعاً لتطور الخطاب النقدي، فقد بقي السؤال عن ماهية الرواية كما هو.
> احتل الأدب النسوي جانباً كبيراً من اهتمامك النقدي، ما هي أبرز أسئلته التي ما زالت برأيك مطروحة إلى اليوم في المشهد الثقافي العربي؟
لم يكن السؤال النسوي مطروحاً إطلاقاً في المشهد الثقافي العربي سوى من أجل التزين ببعض مصطلحات حداثية! وهو ما يفسر طرح البدايات في كل نقاش، وغياب التراكم المعرفي. هناك أصوات نسوية - بأشكال وإيقاعات متعددة - تثير قضايا جادة بعيدة عن الثرثرة والتسطيح وتسعى إلى إعادة قراءة الأرشيف والكشف عن المهمل والمغمور من أجل إعادة التوازن لعلاقات القوى. تنبع إشكالية وجود السؤال النسوي من كونه وُلد من عباءة القومية والتيارات الوطنية بما يجعله مؤقتاً وتابعاً، وظل السؤال محاصراً على مدار التاريخ الحديث بخطابات آيديولوجية وسياسية وفكرية تسعى إلى توظيفه لصالحها، وفي نهاية الطريق دائماً ما يعتبر السؤال النسوي دخيلاً يُطلب منه المغادرة لأنه قام بدوره. يتم إقصاؤه بعنف مجتمعي لصالح استخدام النساء كمؤشر على هوية ثقافية، أي هوية. فكما تظهر الدمية «باربي» في السوق العالمية تظهر أمامها الدمى «سارة» و«فلة» و«وردة». وسط كل هذا لا يبالي كثيراً المشهد الثقافي بأهمية السؤال النسوي الذي يكافح حتى الآن ليحافظ على استقلاليته عن السياسي والديني والمؤسسي، وكأن حضور النساء - المتعلمات، المثقفات، الملبيات للصورة الذهنية المؤسسية - في المجال العام أفقد السؤال أهميته. وهو ما يجعلنا نعيده إلى الصدارة في تقاطعه مع الطبقة، بما يسمح بقراءة خريطة علاقات القوى بوضوح في المجتمع.
> «خيانة القاهرة» هي روايتك الوحيدة. لماذا لم تُكرري تجربة الكتابة الروائية؟ هل النقد والاشتباك مع مئات النصوص الأخرى أحد تلك الأسباب؟
- في «خيانة القاهرة» كنت أخون المحروسة وأفشي أجمل أسرارها، أردت أن أكتبها كما أراها من بعيد. منذ أن كتبت تلك الرواية وأنا أتقدم خطوة وأتأخر عشر خطوات في اتجاه الكتابة، ربما لأن هناك كتابات بديعة كثيرة، ربما أنانية تجعلنا نختفي خلف قناع ما، ربما أنني أكتب ثم أقرأ بعين ناقدة قاسية (الصفات تعود على العين أرجوك). لكن الأكيد أن كتابة رواية ليست بالعمل السهل وقرار وضع اسمك على عمل ما يستحق التفكير سنوات.
> عادة ما تُواكب الاستقالات والانسحابات من الجوائز ثرثرة وشائعات، كالتي صاحبت قرار استقالتك من البوكر، لماذا تُثير لدينا هذه الزوابع برأيك رغم أن الاستقالات حاضرة في تاريخ جوائز الأدبية العالمية؟
- طبعاً، الاستقالات موجودة في كل مكان، لكن ليس في العالم العربي. لن يقبل الآخر - الأعضاء والإعلام والكتاب والمنافسون ومجلس الإدارة - أن استقالة عضو من لجنة التحكيم حدثت بسبب وجود «رائحة عفنة في الدانمرك»، على حد قول هاملت. لا بد أن يكون هناك سيناريو محكم لا يجعلك قادرة على المغادرة ببساطة. فتسمعين أنك استقلت بسبب كتاب لصديقة أو بسبب أحدهم الذي دفعك إلى ذلك، أو مثلاً أنك حصلت على نصف المبلغ....إلى آخره من أسباب تجعل البشر قادرين على مواصلة العيش وعلى النظر إلى وجوههم في المرآة كل صباح. على الجانب الآخر، أرى أن لديهم كل الحق في عدم التصديق، فلم نسمع كثيراً عن استقالات منزّهة عن الأغراض الشخصية. إنه العالم العربي يا عزيزتي: التجييش، القبلية، الشللية، والصراع الدموي على الفتات والانغماس في صغائر الأمور. اللهم أخرجنا منها سالمين وآدميين.
> هناك إرث طويل في العالم العربي من الخلط بين النقد والأهواء الشخصية والمُجاملات. كيف نأيتِ بنفسك من التورط في كل هذا، واستطعت عبر تلك السنوات الحفاظ على نزاهة اسمك النقدي؟
- بنفس بساطة معادلة النزاهة، أرفض التورط وأعرض عن ذلك. وأقبل غضب الكثيرين مني، أسوأ ما في الأمر أنه غضب مسكوت عنه. «يصطفلوا» كما يقول أهل الشام ولبنان.
> من اللافت أن التجريب السردي وألاعيبه وتقنياته بات سمة غالبة في أغلب الأعمال الأدبية خلال السنوات الأخيرة، في مقابل الابتعاد عن كلاسيكية وبساطة البناء السردي، كيف ترين هذه الصورة؟
- العملية الأدبية تواكب - في اللاوعي الجمعي وبعفوية شديدة - العملية الاجتماعية ورؤية العالم - الذي يتغير على مدار الساعة - الذي لم يعد العالم القديم الذي نعرفه. وبالتالي، لا بد من النظر إلى التجريب وعوالم الفانتازيا بوصفها مؤشرات على رفض القائم والكائن، تجريب رؤى جديدة في عالم مغاير. فالتجريب في حد ذاته هو أحد أشكال الثورة على القديم المتكلس عبر اختيار التعبير بشكل غير مألوف ولغة مكثفة ترفض أي فائض إنشائي عتيق. العملية الأدبية ليست ثابتة بل متغيرة وهي أحد أهم المنافذ التي يُمكن من خلالها فهم التغيرات السوسيولوجية المعقدة المختفية تحت السطح. ورغم ذلك، هناك كُتاب لا يزالون ملتزمين بالبناء الكلاسيكي وأعمالهم ممتعة. سمة العصر - عصر الجماهير الغفيرة كما أسماه جلال أمين - أنه يقبل كل أشكال الكتابة الجديدة. كما أن السمة الغالبة الآن هي خوض المغامرة والاستمتاع بالتجريب الفني كالاستمتاع باللعب، فيتورط القارئ مع النص ويجد نفسه مستمتعاً باللعب هو الآخر...تدريجياً تلوح معالم حياة مختلفة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.