شيرين أبو النجا: حلمي الدائم أن يتحول النص النقدي لنص إبداعي

الناقدة المصرية قالت إن تمسكها بنزاهة التحكيم في الجوائز يغضب الكثيرين

شيرين أبو النجا
شيرين أبو النجا
TT

شيرين أبو النجا: حلمي الدائم أن يتحول النص النقدي لنص إبداعي

شيرين أبو النجا
شيرين أبو النجا

ترى الكاتبة والناقدة الأدبية شيرين أبو النجا، أن القراءة فعل إبداعي لا يقل أهمية عن الكتابة؛ ومن خلال عملها أستاذة للأدب الإنجليزي والنقد النسوي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ومتابعتها مجريات الحياة الثقافية على الساحتين العربية والدولية؛ استطاعت أن تُبلور صيغة أدبية تجمع فيها بين النقد والإبداع، في رؤية مهمومة بالواقع الإنساني وقضايا المرأة، لافتة إلى تراجع السؤال النسوي، وأنه أصبح دخيلاً يُطلب منه المغادرة، كما أن المشهد الثقافي لا يبالي كثيراً بأهميته واعتداده باستقلاليته.
في هذا السياق، أصدرت أبو النجا عدداً من الأعمال المهمة، منها «عاطفة الاختلاف»، «نسائي أم نسوى»، «مفهوم الوطن في فكر الكاتبة العربية»، «من أوراق شاهندة مقلد»، «المثقف الانتقالي من الاستبداد إلى التمرد»، ولها رواية وحيدة بعنوان «خيانة القاهرة». بهذه الحمولة المعرفية استطاعت أيضاً أن تحتل موقعاً بين محكّمي الجوائز الأدبية في العالم العربي، عرّضها أحياناً لغضب الكثيرين، مثلما حدث عقب انسحابها من لجنة تحكيم جائزة البوكر العربية 2009.
هنا حوار معها حول هذه المحطات والقضايا، وإلى مدى تشكل اتساقاً في منظومة رؤيتها للواقع والحياة.

> عادة ما يتجاوز صوتك النقدي النظريات التطبيقية إلى سياقات أكثر رحابة حول النص ومشروع الكاتب والجماليات الأدبية، هل تضعين في اعتبارك فكرة الخروج بالنص النقدي من سياجه الجاف والتقليدي؟
- لنقل إنني دائماً ما أطمح إلى تحويل النص النقدي إلى نص إبداعي، فالقراءة فعل إبداعي لا يقل أهمية عن الكتابة - بل ربما أنه فعل يمنح المكتوب وجوداً فكرياً وحيزاً أدبياً. وفي حين أن الكاتب والكاتبة يكتسبان رأسمالهما الرمزي من القدرة على فتح ثغرات جديدة في إمكانية الوجود من خلال مستويات التخييل التي تحول النص إلى عالم مستقل، فإن الناقد والناقدة يكتسبان التميز عبر إعادة ربط النص التخييلي بالواقع «تلك الكلمة المبتذلة». بهذا الربط بين تفاصيل اليومي المعيش والفني المكتوب يمكن أن نتحدث عن إنتاج المعرفة.
بالعودة إلى سؤالك، أعتقد أنه ينبغي علينا أن نؤكد أن النقد التطبيقي لا يكون له أي صدى أو تأثير في الحقل المعرفي إذا لم يكن مستنداً إلى رؤية فكرية متسقة تساعده على إيجاد طريقه في متاهات النظرية. التعامل مع النظريات وكأنها معروضة لنختار منها ما يعجبنا لا يؤدي إلى أي فكرة، بل يتحول إلى رطانة نقدية لا يقرأها أحد ولا تمنح النص حياة جديدة. رؤية العالم ورؤيتنا موقعنا في العالم وهدفنا من توظيف النظرية والمبررات الفكرية والآيديولوجية لاختيار مسار نظري بعينه هو ما يساعد الناقد والناقدة على أن يكون واعياً بموقعه في المجال الأدبي من ناحية وأن يستعيد الهالة المفقودة للنقد الأدبي. تقريباً مع مطلع الألفية تم تحديد وتحجيم واختزال النقد الأدبي في شكل واحد، وهو الاحتفاء بصدور عمل جديد؛ وهو ما دفعني إلى الابتعاد قدر المستطاع عن المشاركة في الندوات وتوقيع الكتب.
> لكِ تجارب طويلة مع التحكيم في الجوائز الأدبية، ما هي برأيكِ العوامل المهيئة لنزاهة النقد والتحكيم؟
- الإجابة أبسط مما تتخيلين: أن تكوني نزيهة فعلياً - من دون أن تحاولي إثبات ذلك - ولديك خبرة حقيقية في القراءة بما يجعلك تختارين هذا الكتاب وليس الآخر. النزاهة أمر يستدعي ألا تكوني واقعة تحت أي ضغوط مؤسسية أو شخصية، وأن يكون لديك الشجاعة الكافية التي تجعلك تدافعين عن اختيارك؛ وأن تكون روحك في النهاية بمنأى عن كل ما لا بد أن تسمعيه وعن كل ثرثرة مواقع التواصل الاجتماعي.
> ما الذي غيّرته الجوائز في خريطة سوق النشر واختيارات القراءة، وهل استطاعت تلك الجوائز أن تحرّك النقد لساحة أكثر جماهيرية؟
- الجوائز فكرة مشروعة للغاية ومن حق الإبداع أن يتم الاحتفاء به ومن حق المبدعين أن يصلهم شعور بالإنجاز والتميز والتقدير. لا يمكن أن أجزم أن الجوائز غيرت سوق النشر؛ فأي دار نشر لا بد أن لها ضوابط ومعايير خاصة ولجنة قراءة، لكن كلمة «لا بد» توحي بحتمية لا أقول إنها متوافرة دائماً، فما أكثر الأشجار التي فقدت حياتها لتتحول إلى ورق به كتابة بائسة لا تعي من نفسها شيئاً. لكن بالتأكيد أصبح القارئ متلهفاً لقراءة كتب اللوائح الطويلة والقصيرة والنصوص التي يُثار حولها زوابع وخلافات. الغريب أن التطور الحادث في أشكال الكتابة التي تحصل على جوائز لم يكن دافعاً لتطور الخطاب النقدي، فقد بقي السؤال عن ماهية الرواية كما هو.
> احتل الأدب النسوي جانباً كبيراً من اهتمامك النقدي، ما هي أبرز أسئلته التي ما زالت برأيك مطروحة إلى اليوم في المشهد الثقافي العربي؟
لم يكن السؤال النسوي مطروحاً إطلاقاً في المشهد الثقافي العربي سوى من أجل التزين ببعض مصطلحات حداثية! وهو ما يفسر طرح البدايات في كل نقاش، وغياب التراكم المعرفي. هناك أصوات نسوية - بأشكال وإيقاعات متعددة - تثير قضايا جادة بعيدة عن الثرثرة والتسطيح وتسعى إلى إعادة قراءة الأرشيف والكشف عن المهمل والمغمور من أجل إعادة التوازن لعلاقات القوى. تنبع إشكالية وجود السؤال النسوي من كونه وُلد من عباءة القومية والتيارات الوطنية بما يجعله مؤقتاً وتابعاً، وظل السؤال محاصراً على مدار التاريخ الحديث بخطابات آيديولوجية وسياسية وفكرية تسعى إلى توظيفه لصالحها، وفي نهاية الطريق دائماً ما يعتبر السؤال النسوي دخيلاً يُطلب منه المغادرة لأنه قام بدوره. يتم إقصاؤه بعنف مجتمعي لصالح استخدام النساء كمؤشر على هوية ثقافية، أي هوية. فكما تظهر الدمية «باربي» في السوق العالمية تظهر أمامها الدمى «سارة» و«فلة» و«وردة». وسط كل هذا لا يبالي كثيراً المشهد الثقافي بأهمية السؤال النسوي الذي يكافح حتى الآن ليحافظ على استقلاليته عن السياسي والديني والمؤسسي، وكأن حضور النساء - المتعلمات، المثقفات، الملبيات للصورة الذهنية المؤسسية - في المجال العام أفقد السؤال أهميته. وهو ما يجعلنا نعيده إلى الصدارة في تقاطعه مع الطبقة، بما يسمح بقراءة خريطة علاقات القوى بوضوح في المجتمع.
> «خيانة القاهرة» هي روايتك الوحيدة. لماذا لم تُكرري تجربة الكتابة الروائية؟ هل النقد والاشتباك مع مئات النصوص الأخرى أحد تلك الأسباب؟
- في «خيانة القاهرة» كنت أخون المحروسة وأفشي أجمل أسرارها، أردت أن أكتبها كما أراها من بعيد. منذ أن كتبت تلك الرواية وأنا أتقدم خطوة وأتأخر عشر خطوات في اتجاه الكتابة، ربما لأن هناك كتابات بديعة كثيرة، ربما أنانية تجعلنا نختفي خلف قناع ما، ربما أنني أكتب ثم أقرأ بعين ناقدة قاسية (الصفات تعود على العين أرجوك). لكن الأكيد أن كتابة رواية ليست بالعمل السهل وقرار وضع اسمك على عمل ما يستحق التفكير سنوات.
> عادة ما تُواكب الاستقالات والانسحابات من الجوائز ثرثرة وشائعات، كالتي صاحبت قرار استقالتك من البوكر، لماذا تُثير لدينا هذه الزوابع برأيك رغم أن الاستقالات حاضرة في تاريخ جوائز الأدبية العالمية؟
- طبعاً، الاستقالات موجودة في كل مكان، لكن ليس في العالم العربي. لن يقبل الآخر - الأعضاء والإعلام والكتاب والمنافسون ومجلس الإدارة - أن استقالة عضو من لجنة التحكيم حدثت بسبب وجود «رائحة عفنة في الدانمرك»، على حد قول هاملت. لا بد أن يكون هناك سيناريو محكم لا يجعلك قادرة على المغادرة ببساطة. فتسمعين أنك استقلت بسبب كتاب لصديقة أو بسبب أحدهم الذي دفعك إلى ذلك، أو مثلاً أنك حصلت على نصف المبلغ....إلى آخره من أسباب تجعل البشر قادرين على مواصلة العيش وعلى النظر إلى وجوههم في المرآة كل صباح. على الجانب الآخر، أرى أن لديهم كل الحق في عدم التصديق، فلم نسمع كثيراً عن استقالات منزّهة عن الأغراض الشخصية. إنه العالم العربي يا عزيزتي: التجييش، القبلية، الشللية، والصراع الدموي على الفتات والانغماس في صغائر الأمور. اللهم أخرجنا منها سالمين وآدميين.
> هناك إرث طويل في العالم العربي من الخلط بين النقد والأهواء الشخصية والمُجاملات. كيف نأيتِ بنفسك من التورط في كل هذا، واستطعت عبر تلك السنوات الحفاظ على نزاهة اسمك النقدي؟
- بنفس بساطة معادلة النزاهة، أرفض التورط وأعرض عن ذلك. وأقبل غضب الكثيرين مني، أسوأ ما في الأمر أنه غضب مسكوت عنه. «يصطفلوا» كما يقول أهل الشام ولبنان.
> من اللافت أن التجريب السردي وألاعيبه وتقنياته بات سمة غالبة في أغلب الأعمال الأدبية خلال السنوات الأخيرة، في مقابل الابتعاد عن كلاسيكية وبساطة البناء السردي، كيف ترين هذه الصورة؟
- العملية الأدبية تواكب - في اللاوعي الجمعي وبعفوية شديدة - العملية الاجتماعية ورؤية العالم - الذي يتغير على مدار الساعة - الذي لم يعد العالم القديم الذي نعرفه. وبالتالي، لا بد من النظر إلى التجريب وعوالم الفانتازيا بوصفها مؤشرات على رفض القائم والكائن، تجريب رؤى جديدة في عالم مغاير. فالتجريب في حد ذاته هو أحد أشكال الثورة على القديم المتكلس عبر اختيار التعبير بشكل غير مألوف ولغة مكثفة ترفض أي فائض إنشائي عتيق. العملية الأدبية ليست ثابتة بل متغيرة وهي أحد أهم المنافذ التي يُمكن من خلالها فهم التغيرات السوسيولوجية المعقدة المختفية تحت السطح. ورغم ذلك، هناك كُتاب لا يزالون ملتزمين بالبناء الكلاسيكي وأعمالهم ممتعة. سمة العصر - عصر الجماهير الغفيرة كما أسماه جلال أمين - أنه يقبل كل أشكال الكتابة الجديدة. كما أن السمة الغالبة الآن هي خوض المغامرة والاستمتاع بالتجريب الفني كالاستمتاع باللعب، فيتورط القارئ مع النص ويجد نفسه مستمتعاً باللعب هو الآخر...تدريجياً تلوح معالم حياة مختلفة.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.