التحالفات السنية: 3 مسارات لاستعادة «الوزن السياسي»

توقعات بفوزها بأكثر من 80 مقعداً برلمانياً في الانتخابات

TT

التحالفات السنية: 3 مسارات لاستعادة «الوزن السياسي»

خلافاً للبيئة السياسية الشيعية، تمضي القوى السنية في العراق نحو انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بأهداف أكثر وضوحاً، وأقل تقاطعاً، أهمها «استعادة» مقاعد برلمانية خسرها المكون في آخر جولتي اقتراع.
وتخوض الأحزاب السنية الجولة المقبلة بثلاثة تحالفات رئيسة كانت حصيلة جولات طويلة من المفاوضات المتقلبة، لتستقر أخيراً على تحالف «تقدم» بزعامة رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي، و«عزم» بزعامة خميس الخنجر، و«المشروع الوطني للإنقاذ» بزعامة رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي.
وحتى مع حالات قفز مرشحين بين المراكب الثلاثة التي تكررت خلال الشهور الماضية، فإنها في العموم ما تزال تحتفظ بالقدرة على التماسك والاستقرار الانتخابي، فكيف وصل سنة العراق إلى هذه الحالة بعد نحو 6 سنوات من تحرير مدنهم من تنظيم داعش؟
بالعودة إلى خريطة التحالفات السنية عام 2018، فقد كانت انعكاساً لواقع منهك مفكك سياسياً واجتماعياً لجمهور ونخبة خرجوا للتو من تجربة مريرة مع تنظيم داعش، وحرب تحرير بتكاليف باهظة. ومن منظور سني غالب، فإن جزءاً من أجواء الانتخابات الماضية كان ينحصر بمراقبة الفصائل الشيعية وهي تحتكر «النصر» على «داعش»، وتنافس انتخابياً بشعار «فضيلة» تحرير السنة من التنظيمات الإرهابية.
وفي غضون عام واحد بعد التحرير، وجد السنة المنهكون شركاءهم يقضمون تمثيلهم السياسي داخل البرلمان، وسرعان ما التأم النصاب بشغل جزء من فراغات المدن المحررة، فيما ينكفئ الجمهور هناك في إحباط غير مسبوق من زعامات محلية تقاعد كثير منها بحكم ظروف موضوعية.
يقول مسؤول حملة انتخابية لأحد التحالفات الثلاثة إن «الخريطة السنية الحالية مؤهلة الآن لاستعادة عدد المقاعد الطبيعي الذي يعكس ناخبي المكون (...) تجاوز 80 مقعداً في البرلمان المقبل سيكون عادلاً».
وحصل السنة في الانتخابات الماضية على نحو 53 مقعداً في حصيلة الكيانات السنية الصريحة، لكن العدد يصل إلى نحو 70 مقعداً بحساب النواب السنة المنخرطين في تحالفات علمانية أو شيعية. وأبرز تلك القوى العلمانية، كان تحالف «العراقية الوطنية» بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي الذي يقاطع الآن الانتخابات، لكن مشاركته وحصوله على المقاعد ذاتها التي حصل عليها سابقاً باتت محل شك كبير، وفي جميع الأحوال فإن الخريطة السنية لم تعد تسمح كثيراً بقوائم بديلة تسد فراغها وتستقطب جمهورها.
أما القوى الشيعية التي اعتادت على تقديم مرشحين سنة يمثلونها في مناطقهم، نظراً للضمانات التي يقدمونها، وفرص النجاح المتأتية من النفوذ السياسي والعسكري، فإنها الآن تنافس قوى سنية صاعدة، بنفوذ وضمانات غير معهودة.
رئيس البرلمان محمد الحلبوسي واحد من أبرز تلك الضمانات التي يقول عنها صناع قرار في التحالفات السنية إنها «أعادت السياسيين السنة إلى مناطقهم بصفتهم نقطة ارتكاز للتنافس». وينظر إلى زعيم تحالف «تقدم» على أنه يمثل ظاهرة سنية جديدة أنتجت حالة حزبية كانت مفقودة في المشهد السني خلال السنوات الماضية، اعتمد فيها «المركزية» التنظيمية والبراغماتية مع الشركاء العراقيين والإقليميين.
أحد المآخذ التي يسجلها معنيون بالانتخابات يتمثل في السرعة القياسية في صعود نجمه، وأنها قد تترك فراغات في التفاهم مع مفاتيح سنية، كرجال الدين وجمهور المدن من خارج الأنبار، معقله الرئيس ونموذجه الذي يعتمد عليه في حملته الانتخابية.
ويقف تحالف «عزم» بصفته أبرز طرف ينافس الحلبوسي على أصوات الناخبين السنة. وعلى الرغم من أنه يمثل واحداً من القيادات الكلاسيكية في الساحة السنية، فإنه يراهن -بحسب حملته الانتخابية- على جمهور النازحين، وقدرته على التفاوض مع اللاعبين الأساسيين، الشيعة في الداخل وإيران في الخارج. وقد حاول الخنجر إظهار تلك القدرة، الشهر الماضي، من خلال محاولته استعادة بلدة «جرف الصخر» من سيطرة الفصائل الشيعية التي تمنع عودة عشرات الآلاف من سكانها، غير أن تلك المحاولات لم تكتمل بعد. ويقول مستشار سياسي، من تحالف بارز في الموصل، إن «الخنجر يمثل المدرسة القديمة في المفاوضات؛ بمعنى أنه لا يزال يكرر تكتيكات ما قبل عام 2018».
ويبدو ذلك منسجماً مع طبيعة المتحالفين معه، وجلهم من الحرس السني القديم الذين عانوا كثيراً للحصول على ثقة الجمهور في السنوات الأخيرة، وبعضهم بالكاد نجح في ضمان أصوات تؤمن مقعده البرلماني.
ويضم تحالف «عزم» محمود المشهداني رئيس البرلمان الأسبق، وسليم الجبوري رئيس البرلمان السابق، وجمال الكربولي السياسي المعتقل بتهم فساد.
أما «المشروع الوطني للإنقاذ»، ثالث التحالفات، فتبدو مهمته أصعب من غيره، وقد يكون الأسرع في الالتحاق بأحد التحالفين بعد إعلان نتائج الانتخابات، وبيان أوزان المقاعد. ويعتمد أسامة النجيفي، وهو زعيم هذا التحالف، على جمهوره التقليدي في الموصل، دون أن يتملك فرصاً واعدة في الأنبار وتكريت وديالى، خلافاً للتحالفين الآخرين.
وفي الموصل نفسها، يواجه النجيفي تحديات جدية، أبرزها التحول في مزاج الجمهور الواقع تحت وطأة الشك في أن الأحزاب التقليدية لا تزال صالحة للتمثيل، وقد يبدو قرار النجيفي تقديم نجل سلطان هاشم، وزير دفاع صدام حسين، مرشحاً بارزاً في الانتخابات محاولة «دعائية» لتجاوز حنق الجمهور واعتكافه السياسة.
والحال أن التحالفات السنية الثلاثة لا تشبه، بأي حال من الأحوال، الخريطة الشيعية، حيث التقاطع على المنهج، والتنافس على السلطة، يصل مديات خطيرة، حتى مع عودة زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، إلى المشهد.
ففي الخريطة السنية، لا يبدو أن هناك مرجعيات سياسية أو دينية تقف على خطوط متقاطعة بالنسبة لمصالح المكون، إذ يقول مستشار سياسي رفيع: «المهمة الأساسية الآن هي استثمار الاستقرار النسبي في البيئة السنية، والعودة إلى السلطات التشريعية والتنفيذية بأفضلية كانت مفقودة لسنوات».
وتعكس هذه التصورات استراتيجية سنية جديدة للانتخابات المقبلة، تعتمد على تحقيق الوزن السياسي المطلوب الذي قد يتطلب دمج التحالفات الثلاثة بعد الانتخابات، والدخول في المفاوضات مع المكونات الأخرى.



الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)

أفادت وزارة الخارجية السودانية في بيان، اليوم الأحد، بأن حكومة السودان حريصة على ضرورة إنهاء الحرب «وإيقاف تدمير الدولة وتجويع الشعب»، مؤكدة أن إيقاف الحرب يتم «بتفكيك مصادرها ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ومخالفي القانون الدولي الإنساني».

وذكرت الخارجية السودانية أن حكومة السودان «لن تقبل أن يكون شركاء مرتكبي الجرائم والصامتون على ارتكابها شركاء في أي مشروع لإنهاء الحرب»، مشيرة إلى أن «مخالفة قرار مجلس الأمن الداعي لحظر دخول السلاح إلى دارفور تجعل مصداقية مجلس الأمن على المحك».

وقالت الوزارة إن «التغافل عن مصادر توريد هذه الأسلحة والجهات الممولة والدول التي ترسلها وتسهل إيصالها إلى أيدي المجرمين، يضع المجتمع الدولي وآلياته المختصة في موضع الشك وعدم المصداقية».

واندلع الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وأدى إلى نزوح الملايين وأشعل أزمة إنسانية واسعة النطاق.


الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)

بدأت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، سلسلةً واسعةً من الفعاليات واللقاءات والاجتماعات في مناطق سيطرتها؛ للتهيئة لتحويل شهر رمضان المقبل إلى محطة تعبوية ومرحلة انتقالية بين التعليم النظامي والمراكز الصيفية، إلى جانب فعاليات عقائدية تشمل جميع السكان ومن مختلف الفئات.

وكثَّفت الجماعة اجتماعاتها الرسمية، بمشارَكة السلطات المحلية، وقطاعات التربية، والأوقاف، والتعبئة العامة، والشباب، والأمن، والمرور، التابعة لها في مشهد تصفه مصادر محلية بـ«تعبئة شاملة» لمؤسسات الدولة والأنشطة والفعاليات المجتمعة، تحت عناوين خدمية ودينية واقتصادية، تجمعها التهيئة المبكرة لمسميات «البرامج الرمضانية» و«الدورات الصيفية»، بوصفهما مشروعاً تربوياً متكاملاً.

وتشير المصادر إلى أن المضامين المعلَنة لهذه اللقاءات تؤدي إلى تحويل شهر رمضان من مناسبة دينية للمجتمعات العربية والإسلامية، إلى محطة تعبوية كبرى لإعادة توجيه الوعي المجتمعي، وضبط الخطاب الديني، وتكريس مفهوم ما تُسمى «الهوية الإيمانية» الذي تتبناه الجماعة.

ونوَّهت مصادر تربوية إلى أن الجماعة باتت تعمل خلال السنوات الأخيرة على فرض تداخل متعمد بين التقويم الدراسي والبرامج التعبوية، إذ تتزامن التهيئة للفعاليات الرمضانية مع اجتماعات رسمية لمناقشة اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني، مستعجلة إنهاء العام الدراسي خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، والذي يفترض أن يتزامن مع بدء هذا الفصل الدراسي.

فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

وذكرت المصادر أن الجماعة غيَّرت مواعيد الدراسة وقلَّصت فترتها إلى أقصى حدٍّ استطاعته؛ لإفساح المجال لتنظيم المعسكرات الصيفية التعبوية، التي تبدأها فور انتهاء إجازة عيد الفطر.

تهيئة حثيثة

ونظَّمت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، اجتماعات في قطاع التربية الذي تسيطر عليه، في محافظات إب والمحويت وريمة والحديدة؛ للشروع المبكر في الإعداد للمعسكرات الصيفية، تمهيداً للدفع بالطلاب بعد إجازة العيد للالتحاق بها.

ووفقاً للمصادر ووسائل إعلام الجماعة، كلَّف المشرفون الحوثيون على هذا القطاع إدارات المدارس والمعلمين بتهيئة الطلاب وأولياء الأمور نفسياً وفكرياً لهذه المرحلة، ووجَّهوا، بالتنسيق مع جهات تابعة لقطاعات الأوقاف والزكاة والأمن والمرور والمرأة، لتضمين الفعاليات التعبوية خلال شهر رمضان خطابات حول المراكز الصيفية، وتحفيز العائلات على إلحاق أطفالها بهذه المراكز.

وتحذِّر المصادر من أن الجماعة، ورغم ما تواجهه من غضب شعبي داخلي مرتبط بما أوصلت مناطق سيطرتها إليه من تدهور معيشي وخدمي، وما تعرَّضت له من استهداف خارجي، سواء بالضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، أو بالعقوبات المُشدَّدة المفروضة عليها، فإنها ما زالت تمتلك أدوات التعبئة، وتستطيع إجبار السكان على المشارَكة في فعالياتها التعبوية.

تدهور المنظومة التعليمية يعزز من قدرة الحوثيين على استقطاب الأطفال وتجنيدهم (رويترز)

ونبَّهت إلى أن هذا الربط المباشر بين المدرسة والدورات الصيفية يحوّل التعليم النظامي إلى مجرد جسر عبور نحو برامج بديلة ذات طابع آيديولوجي.

ويأتي وصف الدورات الصيفية في خطابات القادة الحوثيين على أنها «مشروع تربوي وتعليمي متكامل»، يهدف إلى «صناعة جيل واعٍ»، و«تحصين المجتمع من الحرب الناعمة»، و«بناء الإنسان المرتبط بالقرآن».

ومن المنتظر، خلال الأيام المقبلة، عقد لقاءات أخرى مكثفة في مختلف المحافظات الخاضعة للجماعات، وفي القطاعات كافة التي يمكن استغلالها في الحشد والتعبئة وإقناع السكان بالمشاركة.

تقليص دور المدرسة

وإلى جانب القادة التعبويين، يشارك في الفعاليات التحضيرية للبرامج الرمضانية الحوثية عدد كبير من القادة العسكريين والأمنيين، ويجري إنشاء غرف عمليات مركزية وفرعية لمتابعة التنفيذ، ما يعكس اهتمام المستويات القيادية كافة في الجماعة بهذه الأنشطة.

محافظة الحديدة شهدت لقاءات حوثية مكثفة للإعداد للمراكز الصيفية (إعلام حوثي)

ويقول باحث في السياسة والإعلام يقيم في مناطق سيطرة الجماعة، إن الورش التعريفية الخاصة بالمعسكرات الصيفية، والتي شارك فيها عشرات القادة الحوثيين ومسؤولو غرف العمليات، تكشف عن بنية تنظيمية دقيقة، تُعامل هذه الأنشطة بوصفها استثماراً استراتيجياً، ويتضح ذلك أكثر عندما يرد وصفها في خطابات قادة الجماعة بوصفها «سلاحاً»، مع حرصهم على التشديد على تنظيمها في كل عزلة وقرية.

والعزلة في النظام الإداري اليمني هي وحدة تقسيم إداري فرعية تقع ضمن نطاق المديرية، وتستخدم بشكل رئيسي في المناطق الريفية، وتتكوَّن من مجموعة قرى ومحلات تابعة.

ويضيف الباحث الذي طلب عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط» إن كثافة هذه الأنشطة وتزامنها الجغرافي والقطاعي، يؤكدان أنها ليست مجرد برامج موسمية منفصلة، بل سياسة ممنهجة لإعادة ضبط العام الدراسي من خلال تقليص دور المدرسة، وإفساح الوقت والمساحة للمراكز الصيفية التي يجري فيها التحكم بالمحتوى والخطاب والهوية، رغم أن المناهج التعليمية في المدارس قد تعرَّضت بدورها لتحريف كبير.

المنظومة التعليمية شهدت تغيرات جذرية خلال أكثر من عقد على انقلاب الحوثيين (أ.ف.ب - أرشيفية)

ويُفسَّر إصرار الجماعة على تقليص دور المدرسة مقابل إعلاء شأن المراكز الصيفية، بسعيها للوصول بالمدارس إلى ما يشبه «المعلامة»، وهي التسمية اليمنية لـ«الكُتّاب»، وما يمثله ذلك من عزل للأطفال عن التعليم الحديث الذي ستحاول أن يكون مقتصراً على فئة محدودة من الموالين والتابعين لها.

وتتضمن الفعاليات الاستعدادية الحوثية لشهر رمضان استغلال الأنشطة الخدمية والاقتصادية والترفيهية، سواء التي تخضع لإدارة الجماعة مثل حملات النظافة ومهرجانات الأسر المنتجة وبرامج الإحسان، أو التي تأتي بمبادرات مجتمعية مثل الأنشطة الرياضية، بوصفها غطاءً اجتماعيً موازياً.

وتتوقع الجماعة أن تعزز هذه الفعاليات القبول الشعبي بالأنشطة التعبوية، وتخلق ارتباطاً ذهنياً بينها وما تزعم تقديمه من خدمات ومساعدات، خصوصاً خلال شهر رمضان، بما يخفف من حساسية المشروع التعبوي الأساسي.


مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».