هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟

قراءة في المشهد الإقليمي بعد الانسحاب الأميركي

هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟
TT

هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟

هل يمكن اعتبار باكستان المنتصر الأكبر في أفغانستان؟

مع انتهاء الحرب في أفغانستان رسمياً وانسحاب الولايات المتحدة من الأراضي الأفغانية تاركة وراءها كميات ضخمة وثمينة من المعدات والآلات العسكرية بمليارات الدولارات وتولي جماعة «طالبان» المسؤولية، فإن السؤال الحقيقي الذي يمكن طرحه الآن هو مَن كان المنتصر الحقيقي في هذه «اللعبة» الدامية؟
مما لا شك فيه أن المحللين ومراكز الفكر تحدثوا بكثير من صراحة عن «الهزيمة المهينة» للولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها. بيد أن هؤلاء طرحوا كذلك تقييمات للمكاسب والخسائر التي يلحقها – أو قد يلحقها - استيلاء «طالبان» على السلطة بالعديد من الأطراف المعنية في المنطقة، وبالأخص باكستان والصين، وهما الدولتان «الجارتان» اللتان تزعمان أن الصداقة بينهما أقوى من كل الظروف.
يرى مراقبون أن انتصار حركة «طالبان» يحمل أخباراً سعيدة للمؤسسة الأمنية والسياسية الباكستانية، ويرتبط هذا الانتصار الأخير بصلات تاريخية مع إسلام آباد وصراعها ضد السوفيات. واللافت، أنه حتى رئيس وزراء الباكستاني، عمران خان، بدا عاجزاً عن إخفاء فرحته باستيلاء «طالبان» على كابُل، وخرج على الملأ ليعلن أن أفغانستان بذلك «كسرت أغلال العبودية».
راهناً، يعكف صانعو السياسة في إسلام آباد بجد لتطوير الشرعية الدولية للحكومة الأفغانية الجديدة. وفي هذا الإطار، أجرى وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي جولة عبر الدول المجاورة لأفغانستان، وبالتحديد، تاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان وإيران؛ سعياً لحشد الدعم للاعتراف بحكومة «طالبان». كذلك، حذر مؤيد يوسف، مستشار الأمن الوطني الباكستاني، خلال مقابلة أجرتها معه الصحافية كريستينا لامب من صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية في وقت قريب، من أن الغرب يجازف بوقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول) جديدة ما لم «يعترف على الفور» بـ«طالبان». ومع ذلك، تراجع عن هذا التصريح لاحقاً، في الوقت الذي نفت لامب مزاعم يوسف بشأن «سوء توصيف تصريحاته»، مؤكدة أن المقابلة مسجلّة.
- دور باكستان المزعوم
من جهة أخرى، هناك اعتقاد يسود أوساط المؤسسات الدبلوماسية والاستخباراتية في مختلف أنحاء العالم بأن انتصار «طالبان» ما كان ليتحقق من دون مساعدة فاعلة من باكستان. وفي هذا السياق، غرّد محمود سيكال، نائب وزير خارجية أفغانستان السابق والسفير لدى الأمم المتحدة وأستراليا، عبر «تويتر» هذا الأسبوع، قائلاً، إن باكستان خلقت «طالبان» في محاولة للتصدي للهند، مستشهداً في ذلك بتصريح للرئيس الباكستاني السابق الجنرال برويز مشرف.
وأشار سايكال أيضاً إلى ورقة بحثية بعنوان «شمس في السماء: العلاقة بين وكالة الاستخبارات الباكستانية والمتمردين الأفغان» وضعها مات والدمان من مركز كار لسياسات حقوق الإنسان التابع لكلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد. ثم قال في تغريدة لاحقة «فقط سياسة الضغط - العقوبات والتقارب على أساس شروط مع باكستان يمكن أن حدث تغييراً إيجابياً حقيقياً في أفغانستان ويحافظ على السلام والأمن الدوليين». وأردف، إن تقريراً جديداً صدر عن الأمم المتحدة يكشف العلاقات التكافلية بين تنظيمات «داعش - خراسان» وحركة «طالبان» و«القاعدة».
من ناحيته، صرح الجنرال ديفيد بتريوس، المدير العام السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لـ«إن بي آر» في وقت سابق من الشهر، بأن عودة «طالبان» لم تكن لتتحقق لولا مساندة الداعم الرئيس للجماعة المسلحة... باكستان. وتبدو استجابة باكستان لانهيار الحكومة الأفغانية منسقة للغاية مع «طالبان»، إن لم يكن متفقاً عليها. وينبع هذا الاعتقاد من العلاقة الطويلة بين باكستان و«طالبان»، منذ مولد الجماعة المسلحة عام 1994، ودعم باكستان لاستيلائها المرة الأولى على السلطة في أفغانستان عام 1996، ووصولاً إلى إيواء مقاتليها وقادتها في أعقاب الغزو الأميركي بعد هجمات 11 سبتمبر، رغم ادعاء باكستان في الوقت ذاته دعمها للولايات المتحدة في «الحرب على الإرهاب».
على صعيد متصل، انضم إلى الاحتفالات بسيطرة «طالبان» على أفغانستان غالبية وسائل الإعلام الباكستانية والمسؤولون العسكريون المتقاعدون، وحتى مسؤولون بارزون في حزب عمران خان الحاكم، بجانب سخريتهم من الهند للهزيمة التي مُنيت بها في أفغانستان. وشارك كثيرون منهم في نشر مقابلة مع رئيس وكالة الاستخبارات الباكستانية السابق، الجنرال حميد غول، الذي يعتبر «الأب الروحي» لجميع الحركات المقاتلة يتحدث فيه عن «طالبان» ويسلط الضوء على قيم المساواة داخل الجماعة.
في الواقع، كان حميد غول مغرماً بالتباهي بأنه «عندما تجري كتابة تاريخ أفغانستان، فإنه سيسجل أن وكالة الاستخبارات الباكستانية، بمساعدة الولايات المتحدة، هزمت الاتحاد السوفياتي». وعلى هذا، علقت الصحافية البارزة نيروباما بالقول «لقد كان (الجنرال غول) محقاً في القول، إن تكتيك وكالة الاستخبارات الباكستانية في رعاية المسلحين والإرهابيين - الذين جرى تسليحهم وتزويدهم بالعتاد وتمويلهم من قِبل الولايات المتحدة - ضد الجيش الروسي في أفغانستان أجبر الكرملين على الانسحاب بشكل مخزٍ».
- العلاقة العميقة بـ«طالبان»
أدى غضب واشنطن بعد 11 سبتمبر إلى الإطاحة بـ«طالبان» ونفي أسامة بن لادن، الذي اختبأ في باكستان. أما القيادة السياسية لـ«طالبان» فاحتشدت داخل مدينة كويتا، عاصمة إقليم بلوشستان الباكستاني، والمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية بشكل عام. ومن ثم، تحولت مناطق جنوب وشمال وزيرستان إلى ما يشبه الباب الدوار لمقاتلي «طالبان» الأفغانية و«شبكة حقاني» المرتبطة بها، إلى جانب «القاعدة» ومجموعة من الجماعات المقاتلة الأخرى، وعبر هؤلاء المقاتلون من وإلى أفغانستان كما يحلو لهم.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور شاشي ثارور، وزير الدولة الهندي السابق للشؤون الخارجية، والنائب البرلماني في الوقت الحالي «مع سأم واشنطن من التخبط في المستنقع اللامتناهي في أفغانستان، ومعاونة وكالة الاستخبارات الباكستانية عملاءها من (طالبان) على إعادة تسليح أنفسهم وإعادة تنظيم صفوفهم واستئناف عملياتهم ضد النظام المدعوم من الولايات المتحدة في كابُل، تحوّل المشهد العام لصالح باكستان». وأردف ثارور «كانت الولايات المتحدة على علم بذلك، لكن حاجتها إلى باكستان كساحة خلفية لوجستية للحرب في أفغانستان كانت كبيرة، لذلك لم تضغط على الجيش الباكستاني بما يكفي للعمل ضد مثل هذه الملاذات الآمنة للمسلحين».
- تحديات رغم الابتهاج
ومع ذلك، يعتقد كثيرون أنه على الرغم من ابتهاج باكستان بنجاح «طالبان» في ضوء نظرية «العمق الاستراتيجي» ضد الهند، فإن القيادة الباكستانية ستواجه صعوبة في ترويض الحركة. وفي هذا السياق، أعرب المحلل الأمني الهندي الميجور غوراف آريا عن اعتقاده بأنه «طوال السنوات، كانت باكستان تؤوي «طالبان» ، ولم تسمح الدولة الباكستانية لـ«طالبان» باتخاذ قرار محاورة الحكومة الأفغانية أو الولايات المتحدة من دون موافقتها. وأخطأ زعيم «طالبان» الملا عبد الغني برادر في التواصل مع حامد كرزاي بشكل مستقل، إبان رئاسة الأخير لينتهي به الحال إلى الاحتجاز في أحد سجون باكستان. ثم إن مقاتلي «طالبان» يعرفون جيداً مَن دفع رفاقهم إلى خليج غوانتانامو - حيث لم يعد البعض منهم حتى الآن. ودعونا نقتبس هنا من الغلاف الخلفي لكتاب لسيرة الذاتية للجنرال مشرف، المكتوبة عام 2006 عندما كان لا يزال في منصبه «لقد أسرنا 672 وسلمنا 369 إلى الولايات المتحدة. وكسبنا مكافآت بلغ مجموعها ملايين الدولارات».
وأضاف المحلل الهندي «لا يمكن أن تتلاشى هذه الذكريات بسهولة، على الرغم من أن المنتصر حديثاً قد لا يطيل التفكير في مثل هذه الأمور في الوقت الحالي». وتابع «(طالبان) تتحدى بالفعل مصالح باكستان. على سبيل المثال، شعرت إسلام آباد بالإحباط بسبب إحجام (طالبان) عن التحرك ضد الآلاف من مقاتلي (طالبان باكستان) في شرق أفغانستان». وقال المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد، إن على إسلام آباد التعامل مع «طالبان باكستان»؛ لأن هذه الجماعة ليست مشكلتهم. ويتضح من تصريحات المتحدث باسم «طالبان» أن الحركة لن تظل دمية في يد باكستان. ولذا؛ قد تواجه باكستان مثل أي دولة أخرى في المستقبل نفس التهديد من «طالبان».
أكثر من هذا، في صدمة لباكستان، أدلى قادة من «طالبان» بعدد من التصريحات الإيجابية إزاء الهند. وكمثال، شدد شير محمد ستانيكزاي، رئيس اللجنة السياسية لـ«طالبان»، على اهتمام الحركة بمواصلة الشراكة مع الهند سياسياً واقتصادياً. ونشير هنا إلى أن شير محمد - المعروف شعبيا باسم «شيرو» في الدوائر العسكرية الهندية – كان قد تدرب في أكاديمية عسكرية هندية باعتباره مجنداً في الجيش الأفغاني إبان فترة حكومة نجيب الله، قبل أن يحوّل ولاءه إلى «طالبان». ومن اللافت أن «طالبان» أكدت للهند مرة أخرى أنها ستعالج مخاوف نيودلهي إزاء الأنشطة «المعادية للهند» والإرهاب على نحو إيجابي، وذلك خلال اجتماع بين السفير الهندي لدى قطر ديباك ميتال وشير محمد في السفارة الهندية بالدوحة.
ووفق المحلل الباكستاني قمر شيما، الذي يدير قناة على «يوتيوب»، «ثمة مشكلة أخرى وشيكة، هي أنه بعد استقرار (طالبان) في السلطة، ستطفو قضية الحدود الباكستانية - الأفغانية وخط دوراند من جديد على السطح. وثمة شعور داخل باكستان بأن (طالبان) لن تفعل الكثير لتبديد المخاوف الاستراتيجية لباكستان. ومثل الحكومات الأفغانية السابقة، رفضت (طالبان) الاعتراف بخط دوراند كحدود دولية بين أفغانستان وباكستان. بل وأعلنت (ذراع) «طالبان) الأفغانية في باكستان، حركة (طالبان باكستان)، أنها تقاتل من أجل أفغانستان أكبر».
- مصالح الصين وباكستان
من جهة أخرى، منذ استيلاء «طالبان» على كابُل، كثفت الصين وباكستان اتصالاتهما وسط شعور بالبهجة تجاه «الهزيمة المهينة» للولايات المتحدة. ويذكر أن سفاراتي البلدين تعملان بشكل كامل في أفغانستان. ومع اعتماد «طالبان» الأفغانية على إسلام آباد في حشد دعم جيرانها نيابة عنها، يرى البعض أن نظام «طالبان» في كابُل قد يعني أن أفغانستان قد تسقط في «فلك» باكستان، وبالتبعية... الصين.
في هذا الشأن، يمكن الرجوع إلى البيان الأخير للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون ينغ، التي صرحت يوم 19 أغسطس (آب) الماضي بأنه يتوجب على المجتمع الدولي «الحكم على حركة (طالبان) الأفغانية بموضوعية». وأضافت، أن «طالبان» «لن تكرر الماضي، وهم الآن أكثر حكمة وعقلانية»، مقارنة بآخر مرة حكموا فيها أفغانستان وفي وقت سابق، استضافت بكين كبار قادة «طالبان» وسط اهتمام إعلامي كبير.
وفي المقابل، قال غوتام موخوبادهايا، سفير الهند السابق لدى كابُل، إنه «بعد تعرضها لانتقادات واسعة النطاق بشأن أصل فيروس (كوفيد – 19)، اغتنمت الصين فرصة إذلال الولايات المتحدة إثر (هزيمتها) المتمثلة بانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان». من وجهة نظر بكين، فإن تعثر القوات الأميركية في أفغانستان له فوائد جيوسياسية كبيرة للغاية. ويعتقد البعض أن اعتماد «طالبان» على باكستان سيسمح للصين بتوسيع «مبادرة الحزام والطريق» الطموحة لتشمل أفغانستان. أما بكين، فيمكنها رد الجميل من خلال استخدام سلطتها كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للدفاع عن نظام «طالبان» في كابُل. وتعد حقيقة أن حركة «طالبان» تجلس الآن على كنز معادن يقدّر بتريليون دولار - خاصة الاحتياطيات الضخمة من الليثيوم - مصدر تفاؤل لدى كل من إسلام آباد وبكين. ومن المهم أيضاً أن نذكر هنا جهود الصين الحثيثة لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط. وللعلم، فالصين ليست المشتري الرئيسي لنفط الشرق الأوسط فحسب، بل تمكنت شركات التكنولوجيا الصينية كذلك من تطوير شراكات استراتيجية مع عدد من أبرز دول المنطقة أيضاً».
بناءً عليه، يبدو واضحاً أن بكين ترى مخاطر وفرصاً واعدة وراء عودة «طالبان» إلى السلطة. ومع ذلك، يبقى لدى بكين مخاوف مشروعة من إمكانية تحول أفغانستان مرة أخرى إلى نقطة انطلاق للإرهابيين بسبب الروابط التاريخية لـ«طالبان» مع الجماعات المتشددة، بما في ذلك «الحركة الإسلامية في تركستان الشرقية»، التي تضم قوى إسلامية من شعب الأويغور الثائر ضد الحكم الصيني، والذين تتهمهم بكين بشن «الهجمات الإرهابية» في إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية).
ومع أن الملا عبد الغني برادر، أحد مؤسسي «طالبان»، أكد لوزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال زيارته للصين، الشهر الماضي، بأن «طالبان» لن تسمح للمقاتلين الأجانب بالعمل من داخل أراضي أفغانستان. تبقى بكين غير مقتنعة وغير مطمئنة. ثم إنه في الشهر الماضي فقط، قُتل تسعة عمال صينيين في تفجير انتحاري داخل باكستان، وألقت إسلام آباد في وقت لاحق باللوم على حركة «طالبان باكستان» عن الهجوم.
- ما هو خط دوراند؟
> جرى ترسيم «خط دوراند» لأسباب استراتيجية بريطانية بحتة، ويخترق هذا قلب أراضي الباشتون... أكبر المكوّنات الأفغانية. ومن جانبها، لم تقبل أفغانستان، الدولة التي أسسّها الباشتون (الباثان أو الأفغان) في منتصف القرن الميلادي الثامن عشر، قط هذه الحدود. وعندما أسدل الستار عن الحكم البريطاني في شبه القارة الهندية، عام 1947، رفضت الحكومة الأفغانية في البداية الاعتراف باستقلال باكستان ما لم تتخل باكستان عن «خط دوراند» وتسلم أراضي الباشتون إلى أفغانستان. وما كان مستغرباً أن ترفض باكستان ذلك.
وهكذا، واصلت الحكومات الأفغانية المتتالية رفض الاعتراف بـ«خط دوراند» كحدود قانونية، وحاولت من وقت إلى آخر إثارة النزعة الانفصالية الفئوية الباشتونية داخل باكستان.
ورداً على ذلك، حاولت باكستان على امتداد 70 سنة تقريباً إما التأثير على أفغانستان أو إضعافها من خلال مزيج من الضغوط الاقتصادية والإغراءات مع دعم عمليات التمرد داخل أفغانستان.
ومن ثم، شكلت هذه الاستراتيجية دافعاً رئيسياً وراء توفير باكستان الملاذ لـ«طالبان» الأفغانية، تماماً كما في الثمانينات (بالتحالف مع الولايات المتحدة). وكانت كذلك أحد الحوافز وراء الدعم الباكستاني لـ«المجاهدين» الأفغان ضد الدولة الشيوعية الأفغانية وداعميها السوفيات.
والمفارقة اللافتة، أنه على الرغم من هذا الدعم والمأوى الباكستاني، كانت القومية الأفغانية سبباً وراء رفض قيادة «المجاهدين» الأفغان و«طالبان» الأفغانية على نحو قاطع الاعتراف بـ«خط دوراند».
- نقطة الاشتعال في بلوشستان
> تواجه الحكومات الباكستانية حركة تمرد داخل إقليم بلوشستان الممتاد على الحدود الجنوبية لأفغانستان، منذ تأسيس باكستان عام 1947. ويذكر أن ميناء غوادر الشهير الذي بنته الصين يقع في هذا الإقليم. وتتضمن أسباب الصراع المشتعل بين بلوشستان وباكستان المشاعر القومية العرقية القوية في الإقليم، جنبا إلى جنب مع مشاعر الإقصاء الاقتصادي والسياسي.
وتتهم باكستان منذ زمن الهند باستغلال مشاعر متمردي بلوشستان ضدها، وتزعم أنها وفرت ترسانة لمهاجمة المصالح الباكستانية.
يقع إقليم بلوشستان في جنوب غربي باكستان ويشكل نصف إجمالي أراضي باكستان. ومع أن سكان الإقليم المتاخم لأفغانستان لا يشكلون سوى 3.6 في المائة من إجمالي سكان باكستان، يحظى الإقليم بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب التركيز العالي للموارد الطبيعية فيه، بما في ذلك الغاز والنفط والنحاس والذهب. كما أنه رغم وفرة الموارد الطبيعية فيه، لا يزال بلوشستان أفقر أقاليم باكستان.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.