أميركا تنهي أطول حروبها وواحدة من أكبر عمليات الإجلاء في تاريخها

بايدن يستقبل نعوش القتلى في أفغانستان ويعطي «الضوء الأخضر» لضربات إضافية

جنود بريطانيون لدى وصولهم إلى قاعدة في أكسفوردشاير ببريطانيا أمس بعد إجلائهم من أفغانستان (رويترز)
جنود بريطانيون لدى وصولهم إلى قاعدة في أكسفوردشاير ببريطانيا أمس بعد إجلائهم من أفغانستان (رويترز)
TT

أميركا تنهي أطول حروبها وواحدة من أكبر عمليات الإجلاء في تاريخها

جنود بريطانيون لدى وصولهم إلى قاعدة في أكسفوردشاير ببريطانيا أمس بعد إجلائهم من أفغانستان (رويترز)
جنود بريطانيون لدى وصولهم إلى قاعدة في أكسفوردشاير ببريطانيا أمس بعد إجلائهم من أفغانستان (رويترز)

تنهي الولايات المتحدة أطول حروبها وإحدى كبرى عمليات الإجلاء في تاريخها، مع إتمام انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان بحلول منتصف ليل 31 أغسطس (آب) وقبل 10 أيام فحسب من الذكرى السنوية العشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية. وأعطى الرئيس الأميركي جو بايدن «الضوء الأخضر» لتنفيذ مزيد من الضربات ضد تنظيم «داعش - خراسان» الذي تبنى مسؤولية الهجوم الدامي الذي أدى إلى مقتل 13 من مشاة البحرية الأميركيين، المارينز، وعشرات من الأفغان، الخميس الماضي، على مدخل مطار حميد كرزاي الدولي في كابل.

ضربة استباقية
وبعد ساعات قليلة من كشف 3 من المسؤولين الأميركيين أن الجيش لا يزال يطارد المتورطين بالهجوم في كابل، بعد قتل اثنين من التنظيم الإرهابي وجرح آخر، في هجوم نفذته طائرة أميركية من دون طيار، استهدف «مخطط» الهجوم ضد القوات الأميركية، أعلن مسؤولون في وزارة الدفاع البنتاغون أنه جرى بالفعل تنفيذ ضربة عسكرية يعتقد أنها استباقية ضد تهديد «موثوق به». وأظهر شريط فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي دخاناً يتصاعد من مبنى في كابل وأشخاصاً يحاولون إخماده بالمياه. وقال مسؤول أفغاني، طلب عدم نشر اسمه، إن الانفجار نتج عن صاروخ أصاب منزلاً. ولم يتضح على الفور ما إذا كان المنزل الذي أصيب هو هدف الضربة الأميركية.
غير أن وسائل الإعلام الأميركية أفادت أن طائرة أميركية مسيرة استهدفت انتحارياً في مركبة مفخخة، ما أدى إلى وقوع انفجارين.
وكانت السفارة الأميركية في العاصمة الأفغانية أكدت قبيل ذلك أن هناك «تهديداً محدداً وموثوقاً» لمنطقة المطار، طالبة من الأميركيين الابتعاد «فوراً» عن المنطقة.
وصباح أمس، استقل طلاب الجامعة الأميركية في أفغانستان وعائلاتهم حافلات متجهة إلى المطار، فيما قد يكون اليوم الأخير لإجلاء المدنيين.
وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان إن الولايات المتحدة لديها القدرة على إجلاء نحو 300 مواطن أميركي كانوا لا يزالون في أفغانستان حتى أمس ويريدون المغادرة قبل الموعد النهائي. وأضاف أن الخطة الحالية للإدارة لا تتمثل في «وجود مستمر للسفارة» بعد الانسحاب النهائي للقوات. وعلى رغم «ترجيح» وقوع مزيد من الهجمات، قال سوليفان إن الولايات المتحدة أظهرت أنها قادرة على «قمع التهديد الإرهابي (...) على الأرض (...) وسنفعل ذلك في أفغانستان». وأكد أن خطر وقوع هجوم جديد «كبير للغاية».

بايدن يستقبل الجثامين
وتوجه الرئيس بايدن إلى قاعدة دوفر الجوية في ولاية ديلاوير للانضمام إلى عائلات الجنود الـ13 الذين قتلوا في انفجار الأسبوع الماضي. ولم يعلن البيت الأبيض الرحلة مقدماً، علماً أن هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها إعادة جنود قتلوا أثناء أداء واجبهم منذ توليه الرئاسة. وقال بايدن، في بيان مكتوب، إن «أفراد الخدمة الـ13 الذين فقدناهم كانوا أبطالاً قدموا التضحية القصوى في خدمة أعلى مُثلنا الأميركية، وفي الوقت نفسه إنقاذ أرواح الآخرين». وأضاف: «مكّنت شجاعتهم ونكران الذات أكثر من 117 ألف شخص معرضين للخطر من الوصول إلى بر الأمان حتى الآن».
وأكد مسؤول أن بايدن أعطى وزارة الدفاع البنتاغون «الضوء الأخضر» لضرب أي أهداف تابعة لـ«داعش - خراسان» في أفغانستان من دون السعي إلى الحصول على موافقة مسبقة من البيت الأبيض. وقال إن «توجيهات الرئيس هي أن تفعلوا ذلك فقط»، مضيفاً أنه بناء على ذلك «إذا وجدنا مزيداً منهم، سنضربهم». وكان بايدن أفاد في بيان أن الضربة ضد الإرهابيين «ليست الأخيرة. سنواصل تعقب أي شخص متورط في هذا الهجوم الشائن ونجعله يدفع الثمن». وأكد أن «الوضع على الأرض لا يزال خطيراً للغاية، ولا يزال التهديد بشن هجمات إرهابية على المطار مرتفعاً»، محذراً من أن هجوماً آخر على المواقع الأميركية «مرجح للغاية في غضون الساعات الـ24 إلى الـ36 المقبلة».
ولاحقاً أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تحذيراً للمواطنين الأميركيين لمغادرة محيط مطار كابل، مشيرة إلى «تهديد محدد موثوق به».
وأكد الميجر جنرال ويليام تايلور أن الجيش واثق من أنه سيتمكن من العثور على متعاونين إضافيين. وقال: «نحن نفتش»، مضيفاً أن «عندما نعثر على واحد، يصيرون قذرين، وهذا ما يتيح لنا العثور على آخرين». وقال أيضاً: «من دون تحديد أي خطط مستقبلية، سأقول إننا سنستمر في امتلاك القدرة على الدفاع عن أنفسنا والاستفادة من القدرة في الأفق لإجراء عمليات مكافحة الإرهاب بحسب الحاجة».
وفي معرض مناقشة المخاوف من أن «طالبان» ستغلق البلاد، توقع وزير الخارجية أنطوني بلينكن أن تواصل «طالبان» السماح للأشخاص بمغادرة أفغانستان بعد 31 أغسطس. وقال: «أوضحت 114 دولة أنها تتوقع أن تسمح (طالبان) بحرية السفر بعد 31 أغسطس. لذلك، هذا توقع واضح في كل أنحاء العالم، عبر المجتمع الدولي بأسره». وأضاف أن الولايات المتحدة «تتأكد من أن لدينا كل الأدوات والوسائل اللازمة لتسهيل السفر لأولئك الذين يسعون إلى مغادرة أفغانستان بعد 31 أغسطس».
وتطرق إلى مسألة ما إذا كان هناك أي أمل في أن بعض حلفاء الولايات المتحدة الذين لا يزالون داخل أفغانستان - وخاصة أولئك الذين ساعدوا الولايات المتحدة خلال 20 عاماً حيث كانت القوات الأميركية في البلاد - ستكون لديهم فرصة لمغادرة البلاد إذا لم يتمكنوا من الوصول إلى المطار في كابل مع انتهاء عمليات الإجلاء الدولية. وقال: «كنا نخطط بنشاط كبير، لما سيكون ضرورياً للحفاظ على عمل المطار، سواء لجعله يعمل بشكل صحيح، فوراً بعد الـ31 أو إذا لزم الأمر اتخاذ الخطوات المطلوبة لإعادة فتحه في الوقت المناسب، والعمل مع دول المنطقة المهتمة جداً بالمساعدة». واعتبر أن «لدى (طالبان) مصلحة قوية في وجود مطار يعمل، والشعب الأفغاني لديه مصلحة قوية في وظائف المطار، والمجتمع الدولي بأسره لديه هذه المصلحة».

لا وجود دبلوماسياً
واستبعد بلينكن أن يكون للولايات المتحدة أي «وجود دبلوماسي على الأرض» في أفغانستان في الأول من سبتمبر. لكنه تعهد بأن تواصل إدارة بايدن مساعدة أولئك الذين يريدون الخروج من هذه البلاد. وقال إنه «فيما يتعلق بوجود دبلوماسي على الأرض في الأول من سبتمبر، من غير المحتمل أن يحدث هذا. لكن ما سيحدث هو أن التزامنا بمواصلة مساعدة الأشخاص على مغادرة أفغانستان الذين يريدون المغادرة والذين لم يغادروا بحلول الأول من سبتمبر، سيستمر». وأكد أنه «ليس هناك موعد نهائي لهذا الجهد. ولدينا طرق وآليات للمساعدة في تسهيل المغادرة المستمرة للأشخاص من أفغانستان إذا اختاروا المغادرة».
وأفاد الناطق باسم البنتاغون جون كيربي أن الانسحاب من المطار بدأ، لكنه أضاف أنه لا يمكن مناقشة عدد الأفراد المعنيين. وأشار تايلور إلى أن المعدات يجري نقلها أيضاً كما كان مخطط لها في الأصل.



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.