السينما... علاقة الصورة بالذات والآخر

تتباين التجارب السينمائية في البلدان العربية بشكل جذري

السينما... علاقة الصورة بالذات والآخر
TT

السينما... علاقة الصورة بالذات والآخر

السينما... علاقة الصورة بالذات والآخر

صدر للناقد السينمائي المغربي محمد شويكة، ضمن منشورات دائرة الثقافة بالشارقة، كتاب جديد تحت عنوان «السينما العربية تجارب... رؤى... رهانات».
وجاء في مقدمة هذا العمل أنه «يصعب الحديث عن السينما في العالم العربي بالجمع، لأن لكل قطر تاريخه الخاص في مجال الفن السابع، كما أن المستويات مختلفة من حيث التكوين والصناعة والرهان والتلقي».
لا يقدم الكتاب جرداً للمعطيات الكمية المرتبطة بالسينما في العالم العربي، وإنما يطرق بعض الإشكالات ذات السمة العربية والإنسانية الكونية، وذلك من خلال علاقة الصورة بالذات وبالآخر، حيث إن الواقع يطفح، كما يقول شويكة، بالظواهر التي تثير فضول الناقد من الناحية السوسيولوجية والسياسية والفكرية والبصرية. ومع ذلك، ورغم التفاوت الحاصل على مستوى الحذر من الصورة، والانخراط في صناعتها، فقد «استطاع بعض المبدعين العرب أن يخترقوا كل السلطات الكابحة، وأن يحلقوا في سماء الإبداع بعيداً عن المحلية الضيقة».
اختار شويكة الوقوف عند نماذج متباينة من حيث الجغرافيا والشهرة والتأثير، حيث يقطن مبدعوها بداخل أوطانهم أو سافروا إلى الخارج نتيجة ظروف غير مناسبة لهم، فضلاً عن السينما التي ينتجها الجيل الجديد من العرب الذين ازدادوا وترعرعوا بأوروبا، فدرسوا بها وتشبعوا بثقافتها وقيمها، ولكن التربية الأبوية والتنشئة الاجتماعية جعلتهم ينشدّون إلى ثقافاتهم الأصلية، وذلك ما جعلهم ينخرطون في إنجاز أفلام نقدية تجاهها، لينتجوا رؤى تثير الاهتمام والمناقشة.
يأتي الكتاب، كما جاء في مقدمته، ضمن «رؤية نقدية تحاول مقاربة السينما في الوطن العربي ضمن الشروط الإبستيمية المنتجة لها». وهو يعبر عن وجهة نظر خاصة لا تَدَّعِي الإحاطة أو الشمولية أو التأريخ. بل، يندرج ضمن تصور يبحث عن الأسئلة الراهنة (الحارقة) التي تطرحها الظاهرة السينمائية في وطن مجتمع - متفرق، واحد - متعدد، منسجم - متنافر، متقارب - متباعد. كتابٌ يحاول الانطلاق مما تمت مراكمته استناداً على التجربة القطرية المغربية ثم المغاربية، وذلك بغرض ربط أسئلة المخرجين المغاربيين بنظرائهم المشارقة قصد مقارنتها، واستكشاف هواجسها، والوقوف عند جمالياتها العامة والخاصة.
وكتب شويكة موضحاً طريقة تعاطيه مع مضامين الكتاب: «التحليل ديدني، والانفتاح على التجارب مقصدي، وهي أهداف ترفدها ترسانة منهجية ومفاهيمية منفتحة على الفلسفة والعلوم الإنسانية لتعميق النقاش وتبادل الشغف مع النقاد والباحثين وعموم القراء المهتمين بالسينما في العالم العربي». قبل أن يتساءل: «كيف يمكن الحديث عن السينما العربية؟ ما هي خصوصياتها؟ هل تشكل قوة اقتصادية خارج فضائها اللغوي؟ هل هي متكافئة؟ كيف تتبلور الرؤية الجمالية لدى بعض أعلامها؟ ما مدى تأثيرها في محيطها القريب والبعيد؟».
يرى شويكة أن «السينما تنبني على رؤية عميقة لقضايا الوجود والمعرفة والقيم»، إذ «ليست الكاميرا مجرد آلة محايدة، بل تكشف لنا عن نسق منظم يتوفر على سَنَنٍ بصري وثقافي يسعى إلى الإقناع وفق منطق متعدد: تقني، لغوي، بصري، آيديولوجي».
يقترح شويكة رصداً لأوضاع السينما العربية، من حيث التأسيس للاحتراف والبنية التحتية لصناعة الأفلام، ملاحظاً أن جل الدول العربية لم تنخرط في بناء معاهد أكاديمية كي يتم التأسيس، جدياً، لإرساء أسس الاحتراف، وقطع الطريق أمام الهواية والادعاء، حيث إن غالبية الدول العربية لا تتوفر على بنية تحتية لصناعة الأفلام السينمائية خاصة المختبرات الخاصة بمعالجة الصورة والصوت وغيرهما.
وشدد شويكة على أن معظم هذه الدول لا تراهن على الصورة لأسباب مختلفة تتراوح بين ما هو آيديولوجي وما هو سياسي، كالخوف من خطورتها، وضغط النُخَبِ المُحَافِظَة، والاشتغال بالأولويات الملحة. ولذلك، تستهلك الدول غير المنتجة لصورتها المحلية عدداً لا يُحصى من الأفلام الأجنبية، الشيء الذي يجعلها عُرضة للاستلاب والاختراق والغزو البصري والقصف الخيالي، كظواهر تؤثر سلباً على الأجيال، وتساهم في خلق شرخ عميق في شخصياتهم. ولذلك، لا تخرج السينما في المنطقة العربية عن نطاق التصور العام لكل قطر من الأقطار العربية للحداثة والحرية والزمن، وما يستتبعها من تفاصيل قد تضيق أو تتسع دائرتها.
يرى شويكة أن التجارب السينمائية في البلدان العربية تتباين بشكل جذري، مشيراً إلى أنه إذا استطاعت مصر أن تغزو العالم العربي وتؤثر فيه بواسطة صناعتها السينمائية إلى الدرجة التي يمكن تسميتها بهوليوود العرب، فإن بعض الدول لم تستطع الانخراط بشكل فعلي في مجال صناعة السينما، ولا تتوفر على استراتيجية قارة في المجال، كما أن دولاً قد تراجعت بها هذه البنيات كالجزائر وتونس، وأخرى تتطور فيها هذه السينما بشكل متصاعد، كالمغرب، فضلاً عن أقطار تحافظ على معدل إنتاج قليل كسوريا، أما فلسطين ولبنان فيستمران في الإنتاج بفضل إصرار منتجيهما ومخرجيهما الخواص على بلورة صناعة سينمائية ذات خصوصيات مغايرة، ويسعى بعض المخرجين اليمنيين إلى تحدِّي صعابٍ بنيوية لإنجاز نزر قليل من الأفلام، وتشحذ دول أخرى، كالإمارات العربية المتحدة، كل هممها لتوطيد دعائم إنتاج سينمائي دائم في حين دَمَّر غزو العراق البنية السينمائية التحتية، كما تكشف ذلك الأفلام الروائية، الطويلة والقصيرة، المُنْتَجَة فيه بعد سقوط النظام. فيما لا يمكن الحديث عن السينما ببعض الدول العربية.
وتحدث شويكة عن الصورة، فقال إنها تشكل، اليوم، رهاناً حضارياً يرتبط بشكل وثيق بالعولمة، إذ «بالقدر الذي تنتشر به التكنولوجيا وتكتسح مختلف التشكلات الاجتماعية، تتعدد المنتوجات المسموعة والمرئية، ويزداد استهلاكها بفضل تخفيض كلفتها وتسهيل أنماط ولوجها، وذلك من خلال انتشار الرقمنة بدء بالهواتف المحمولة، وشاشات التلفزيون، والكاميرات اليدوية الخفيفة، والإنترنت وما يرتبط بها من توابع وملحقات»، لافتاً إلى أن هذه التكنولوجيات تؤثر بشكل مباشر في المجتمعات العربية التي تُعتبر سوقاً مفتوحة لهذه المنتوجات، التي يظل أمر استهلاكها مفتوحاً على الأهواء الفردية كأي منتوج صناعي آخر. وبالتالي، فالمسألة تبقى في «غاية الخطورة»، من منطلق أن الأمر لا يتعلق بـ«إشباع بيولوجي عابر»، وإنما بـ«آليات ذات تأثير على الذاكرة والمخيال والوجدان».
ويعتقد شويكة أن الأجيال الجديدة في العالم العربي تحاول أن تنخرط في إنتاج «سينما» تختلف كَمّاً وكيفا، وهي تسعى إلى أن تنشرها عبر مختلف الوسائل المتاحة، خاصة أن مفهوم السينما خضع بدوره إلى تغيرات جذرية هزت مفهومه الذي كان يتأسس على اعتبار أنها صناعة ثقيلة، وذلك لحساب رؤية جمالية جديدة تتعامل مع الفيلم كرؤية يمكن أن نحققها، مثلاً، عبر كاميرا الهاتف الجوال وغيره من العتاد المرئي الخفيف.
فضلاً عن مقدمته، يتضمن الكتاب ثلاثة فصول: فصل أول، حول قضايا الواقع والإبداع، فيما يتناول الثاني نماذج ورؤى من الداخل، والثالث نماذج ورؤى من الخارج. على مستوى التجارب والأفلام، من جهة النماذج والرؤى من الداخل تناول شويكة بعض الملامح السوسيو - أنتروبولوجية لفكرة «الجميل» في أفلام يوسف شاهين القصيرة، فضلاً عن أفلام فيلم «مدام كوراج» لمرزاق علواش من حيث البساطة العميقة، وفيلم «تمبوكتو» لعبد الرحمن سيساكو من حيث رهافة الجمال وبؤس العنف، مع قراءة في فيلم «السنونوة» لمانو خليل، وفيلم «على حلة عيني» لليلى بوزيد من حيث الغناء رمزاً للتحرر، وفيلم «الشجرة النائمة» لمحمد راشد بوعلي من حيث مساءلة العلاقة الملغزة للحياة والموت، وفيلم «قصر الدهشة» لمختار العجيمي من حيث أقنعة الثورة الخفية، وفيلم «آخر الزمان» لياسمين شويخ من حيث المقبرة مجازاً سينمائياً، وفيلم «صمت الفراشات» لحميد باسكيط من حيث جمالية الانتقال بين الأنواع السينمائية.
من جهة النماذج والرؤى من الخارج، تناول شويكة مفهوم النمطية السينمائية من خلال فيلم «باريس... بأي ثمن» لريم خريسي، كما تناول فيلم «البقرة» لمحمد حميدي من حيث رمزية البدائل السينمائية، وفيلم «طواف فرنسا» لرشيد جعيداني من حيث سؤال الهوية الهجينة، وفيلم «ذيب» لناجي أبو نوار من خلال سؤال: «هل يمكن تجاوز الصور الاستشراقية؟»، وفيلم «طعم العسل» لمانو خليل من حيث استعارة الخبز والبصل... النحل والعسل.


مقالات ذات صلة

أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

يوميات الشرق من «صِراط» (ذا ماتش فاكتوري)

أوليڤر لاكس: لكي تكون آمناً في الطبيعة القاسية عليك أن تعيشها

كل الشخصيات في «صِراط» طارئة على الصحراء، ولا خبرة لها بها؛ البقاء على قيد الحياة شعور طبيعي، لكنه ليس كافياً إلا للأب وابنه.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق يُطرَح الفيلم في أول أيام عيد الأضحى (البوستر الرسمي)

بعد أسبوعين... «سفن دوغز» يفتح أبواب أضخم إنتاج عربي في السينما

يمتاز الفيلم باستقطابه نجوماً من السينما العالمية؛ إذ تتصدَّر الإيطالية مونيكا بيلوتشي قائمة الأبطال...

«الشرق الأوسط» (الدمام)
يوميات الشرق هنا يتحوَّل الحفظ إلى جزء من التجربة الفنّية (موقع المتحف)

«ديبوت - انعكاس بوييمانز»... داخل العالم السرّي لأحد أضخم مخازن الفنّ

المادة التي كان يمكن أن تقع في الجفاف، بين معلومات عن الهندسة والتخزين والحفظ، تتحوَّل بين يدَي المخرجة إلى تجربة مشغولة بالتدفُّق والملمس والإيقاع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
سينما 5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

محمد رُضا (باريس)
سينما شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

ما يبقى عالقاً في الذهن من الجزء الأول من هذا الفيلم هو أنه ترفيه يشبه حديث الصالونات، مع الكثير من الأضواء وتصاميم الشعر والأزياء، وقليل من الصدق.

محمد رُضا (باريس)

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة
TT

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلاً على العمق.

وعبر فصول الكتاب التي تتناول 39 عملاً مسرحياً مصرياً، عُرضت في الفترة بين عامي 2023 و2024، تحضر متعة النقد المسرحي عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المتخصص، ولكنها لا تتنازل عن الرؤية المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته.

لا يقدم المخرج محمد زكي في عرضه المسرحي «الأرتيست» سيرة ذاتية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طموح العرض كان أبعد من ذلك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قريب وربما لا يزال ينظر إليها باعتبارها خارجة على الأعراف، ويرى في اشتغالها بالفن عاراً، وكم من عائلات قاطعت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن.

كانت زينات واحدة من هؤلاء، ولعل استعادة سيرتها هنا تؤشر إلى أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالفن لا تزال لدى بعضهم تحمل تلك الرواسب القديمة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهرياً.

إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه من آلام نفسية، وما تدفعه من أثمان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها.

ويلفت حسان إلى أنه من الملاحظ -في مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي اللجوء إلى الدمى في معالجته مسرحية لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوغو «1802-1885»، لكن محمود جراتسي غامر وفعلها، حيث قدم العمل مازجاً بين الدمى والعنصر البشري بشكل تغلب عليه الكوميديا السوداء في بعض المشاهد، تاركاً خلفه كل المعالجات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق.

من يقرأ رواية البؤساء التي تعد واحدة من أشهر روايات القرن التاسع عشر -سواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحياً بطابع تغلب عليه الكوميديا.

ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جيد، ومتماسك، وحافظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي من دون أن ينزلق إلى الاستغراق في الكوميديا، أو يعممها على المشاهد كافة، وهي على أي حال كوميديا سوداء تجلب الضحك والأسى في آنٍ واحد.

في المقابل أثقل المخرج مارك صفوت على نفسه كثيراً، إذ لم يكتفِ بتقديم عرض مسرحي عن إحدى روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذاً عن نص كتبه محمود محمد سيد مزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته.

وما زاد من صعوبة التجربة أن العرض قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» التابعة لوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط في جنوب مصر، وتكمن الصعوبة هنا في كيفية العثور على 20 ممثلاً وممثلة هم عدد شخصيات العرض ينهضون بعبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد.

يبدأ العرض بساتر مفتوح على منظر واحد ثابت، في يمين المسرح غرفة بطل كافكا غريغور سامسا، ويؤدي دوره مصطفى غانم، الغرفة في مستوى مرتفع قليلاً، وفي المنتصف بهو البيت، وفي العمق عدة أبواب لحجرات، ومدخل البيت، وفي اليسار حجرة كافكا. تتغير وضعية المنظر بتحريك بعض القطع، أو بتحويل مائدة الطعام إلى سجن أثناء مشهد المحاكمة، أو نعش يُحمل فيه كافكا، أو قرينه، بحسب تصور كاتب النص غريغور سامسا.

عند دخول الجمهور إلى صالة العرض ينتشر عدد من الممثلين والممثلات في الصالة حاملين الشموع، ويقفون أو يجلسون في وضع متجمد، وكأنهم مجرد تماثيل لا روح فيها، ثم مع بداية العرض يبدأون في التحرك. إنه مشهد مهيب وغامض يفتتح به المخرج عرضه الذي يمضي بعد ذلك مراوحاً بين عرض مأساة غريغور الذي تحول إلى حشرة هائلة، وضيق أهله به، وبين مأساة كافكا وعلاقته المتوترة بأبيه وتهيؤاته عن الأشباح التي تطارده، وكذلك ظهور المحققين اللذين يظهران له فجأة في إحالة إلى رواية «المحاكمة» ليدفعاه في النهاية إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وغيرها من المواقف التي تتماس فيها الشخصيتان حتى تلتصقا معاً في أحد المشاهد باعتبارهما كياناً واحداً.


أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات
TT

أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات

حین ترد على الأذهان أسماء الأدیبات تتجه أفكارنا عادةً إلى الرجال - آباءً وأزواجاً وعشاقاً - الذین لعبوا أدواراً في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلاً إلا من حیث علاقتها بجان بول سارتر. وكذلك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الزواج حین تركها من أجل امرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المرموقات اللواتي شكلن فرجینیا وولف، وآغاثا كریستي، وسیلفیا بلاث» (Mothers of the Mind: The Remarkable Women who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath).

الكتاب صادر عن «مطبعة التاریخ» في 2023 من تألیف راشیل ترثوي Rachel Trethwey، وهي صحافیة وكاتبة بريطانية، درست التاریخ بجامعة أوكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها «بنات تشرتشل» (2021).

موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكلارا میلر كریستي (والدة آجاثا كریستي)، وأوریلیا بلاث (والدة سیلفیا بلاث). فهو كتاب عن المیراث الأموي، وعن ثلاث أمهات قویات الشخصیة شكلن اتجاهات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیراً وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحیاناً ملآنات بالمتناقضات. طمحن جمیعاً إلى أن یغدون أدیبات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن.

كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلاً بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقد ورثت ثلاثتهن عن أمهاتهن فرط الحساسیة وحدة المشاعر وسعة الخیال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهماً لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ.

هؤلاء الأمهات كُنَّ أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقارئات وناقدات لكتاباتهن. وقد شجعهن على الانتقال من الهوایة إلى الاحتراف. وبدورهن كتبت الأدیبات عن أمهاتهن وذلك في صور أوتوبیوغرافیة أحیاناً وتخیلیة أحیاناً أخرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مسز جریتون في روایة سیلفیا بلاث «الناقوس الزجاجي» مبنیة على شخصیة الأم.

وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیاً رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء.

وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصاً للأطفال ومقالات وكتاباً عن فن التمریض.

وكلارا میلر كریستي كتبت قصائد وقصصاً قصیرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المعنون «رسائل إلى البیت» وهو یضم رسائل الابنة إلیها.

وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتاً في جیل البنات.

ونحن نرى آثاراً إیجابیة للحب غیر المشروط بین الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً.

وأكثر اللحظات غموضاً فى حیاة كریستي كانت اختفاءها عن الأنظار عام 1926 حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعاً إلى حیرتها إزاء هذا السؤال:

من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟

وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیضاً - تحت اسم قلمي مستعار هو ماري وستكوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة.

إنها نافذة نطل منها على حیاة أغاثا الداخلیة وعلى تصورها للرابطة بین الأم والابنة.

وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقد انعكست هذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها.

إن أشهر قصائد بلاث تدور حول أبیها. وفى قصیدتها المسماة «بابا» تصوره في صورة نازي وحشي. لكنها كتبت أیضاً قصائد عن أمها، مثل قصیدة «میدوزا»، وهي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة.

إن كتاب راشیل ترثوي رحلة مرور من الاعتماد إلى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریاً بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت.


«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

كانت ليلة لم يسبق أن شهدت مثلها المدينة الخالدة، تمازج تحت قمرها شجن الربابة مع نقاء البيانو، وذابت في نسائمها حشرجة الناي العميقة بين جداول الكمان الماسية، فانتشت روما بعذوبة تثاقف موسيقي فريد تآخت فيه الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع أوركسترا «فونتاني دي روما» أو نوافير روما، بقيادة المايسترو الإيطالي العالمي مارتشيلو روتا. وتوّجه النجم الإيطالي الذائع الصيت آندريا بوتشيلّي بنخبة من الأغاني التي أطلقت شهرته في أصقاع المعمورة كواحد من أجمل الأصوات وأقواها.

استضافت روما، في قلب وسطها التاريخي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية» الذي أقيم داخل حديقة الكولوسيوم، أشهر المعالم الأثرية في العالم حسب تصنيف اليونسكو، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى.

أندريا بوتشيلّي خلال الحفل (هيئة الموسيقى)

جمع الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقياً من الأوركسترا الإيطالية، وتضمّن مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية. كما استعرض أشهر الفنون الادائية السعودية مثل عرضة وادي الدواسر، وفن الخطوة، والفن الينبعاوي، تحت عباءة هيئة المسرح والفنون الادائية ضمن مسعاها لإبراز تنوع الفنون الادائية التقليدية السعودية.

وتخللت الحفل مقطوعة موسيقية بعنوان «الحجر وروما» مع كلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، وهي تعكس عمق الروابط الثقافية بين السعودية وإيطاليا، وتستلهم إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الحوار الثقافي عبر الزمن، وتؤكد دور الموسيقى لمدّ جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، انطلاقاً من العلاقات القائمة على الشراكة والاستقرار والتقدير الثقافي المتبادل

ويندرج هذا الحفل في سياق جهود «روائع الأوركسترا السعودية» لتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور عالمي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية السعودية وإبرازها.

وعلى هامش الحفل، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مشتركاً مع المايسترو مارتشيلّو روتا والرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى باولو باسيفيكو، أكّد فيه الأول أن «هذا اللقاء هو تحوّل غير مسبوق» بالنسبة إليه في فضاء التعاون الموسيقي الدولي، وهو «حوار تفاعل بين ثقافتين، بعيدتين جغرافياً لكن تقربهما أواصر تاريخية وحضارية».

وأضاف روتا: «نحن لا نقدم مقطوعات موسيقية منفصلة كما يحصل عادة عندما يتشارك في الأداء موسيقيون من بلدان مختلفة، بل نبني رحلة موسيقية متواصلة وتدرجية تنطلق من التنوع الذي هو جوهر الإبداع ومحفزّ أساسي له... وعندما نلاحظ كيف تتداخل الآلات الشرقية إلى جانب العناصر التراثية السعودية مع الآلات الغربية وعناصر التراث الموسيقي الإيطالي، تنفتح آفاق جديدة غير مألوفة».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

هذا المزيج بين المقطوعات السعودية وموسيقى فردي وبوتشيني وروسّيني، يولّد «منتوجاً موسيقياً فريداً من نوعه»، بحسب وصف روتا.

وعن مشاركة آندريا بوتشيلّي في الحفل، قال روتا إن علاقته بهذا النجم الإيطالي العالمي تعود إلى نيّف وثلاثين عاماً، جابا خلالها القارات الخمس، وكان سبق لبوتشيلّي أن أحيا حفلاً غنائياً في العلا.

وأشاد روتا باحتراف الموسيقيين السعوديين ومستوى انضباطهم، وقال إن الموسيقيين الإيطاليين يشعرون بفضول كبير لاكتشاف الموسيقى السعودية والتمازج معها.

اختتام الجولة الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية وسط حضور ثقافي وفني (هيئة الموسيقى)

الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى السعودية باولو باسيفيكو قال إن «الهيئة ماضية في مساعيها لحمل الأوركسترا إلى عواصم ثقافية مختلفة، والتواصل مع موسيقيي البلدان الأخرى وتراثها، وايصال الموسيقى والثقافة السعودية للمرة الأولى إلى تلك البلدان».

وأضاف: «تهدف هذه المساعي إلى أن يتمتع جمهورنا السعودي بالثقافة الموسيقية السعودية وتمازجها مع أرفع الثقافات الموسيقية في العالم. ونحن نفتخر بأن الموسيقى والثقافة السعودية تجلس حول نفس المائدة مع أبرز الثقافات الموسيقية».

الحفل استعرض عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي (هيئة الموسيقى)

وقال باسيفيكو لـ«الشرق الأوسط»: «الموسيقى تزخر بقوة هائلة للجمع بين اللغات والثقافات والحضارات، وفي كل حفل نجد شيئاً فريداً وجميلاً ينبع من هذا التمازج بين الموسيقى السعودية والموسيقى المحلية في البلدان التي نزورها. في أستراليا الربابة إلى جانب آلات الشعوب الأصلية القديمة، وفي نيويورك الناي بجانب الساكسفون. في كل محطة نلمس كيف أن الموسيقى تجمع وتوحّد بين الشعوب، وتفتح أبواب الابداع على مصاريعها».

وأضاف أن «المجتمع السعودي، بعائلاته وشبابه وطلابه، يتجاوب بقوة وبشكل رائع مع الأنشطة الموسيقية، ويعتزّ بتراثه ويهتمّ بالتعرّف عليه».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية الدكتور محمد حسن علوان، أن المشاركة جسدت امتزاجاً بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.