تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت

في عهد إدارة أميركية ديمقراطية تختلف توجهاتها عن ترمب

تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت
TT

تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت

تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت

حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بنيت بالأمس معه إلى العاصمة الأميركية واشنطن رؤية حكومته لما تعتبرها أولوياتها ورؤيتها لمستقبل في ظل الأوضاع السياسية والأمنية المتسارعة. ومما لا شك فيه أن الجديد في الأمر، ليس فقط أنه لأول مرة هناك رئيس حكومة إسرائيلي جديد منذ مارس (آذار) 2009 يحمل ملفاتها إلى الإدارة الأميركية، بل أن في البيت الأبيض أيضاً إدارة ديمقراطية تحمل مقاربات – إن لم يكن سياسات – مختلفة عن سابقتها الجمهورية تحت رئاسة دونالد ترمب. ثم إن لقاء بايدن - بنيت يأتي أمام خلفيات إقليمية مهمة، في مقدمها الملف الإيراني النووي الذي عادت واشنطن إلى التفاوض بشأنه، وتولي المتشدد الجديد إبراهيم رئيسي منصب الرئاسة في إيران، ومستقبل نفوذ طهران في العراق وسوريا ولبنان وغزة، وأخيراً، لا آخراً، الانسحاب الأميركي الإشكالي من أفغانستان، ما قد يعني إطلاق يد «حركة طالبان» والقوى المتعاطفة معها في الشرق الأوسط.
في الوقت الذي كانت المعارضة الإسرائيلية تهاجم نفتالي بنيت وحكومته، لأنها لم ترد على صاروخ أُطلق باتجاه إسرائيل من قطاع غزة، وتعتبره «متهرباً من المواجهة مع (حماس)»، هرع بنيت مهرولاً إلى مقر قيادة فرقة غزة في اللواء الجنوبي للجيش الإسرائيلي، التي تقف على أهبة الاستعداد لمواجهة أي توتر حربي جديد.
بنيت أخذ معه في حينه وزير الأمن في حكومته، الجنرال بيني غانتس، ورئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي، ورئيس هيئة الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء، الدكتور إيال حولاتا، وقائد المنطقة العسكرية الجنوبية اللواء إليعيزر توليدانو، وقائد فرقة غزة العميد نمرود ألوني، ومسؤولين في المخابرات. واعتبرها يومذاك جلسة طارئة تحمل العنوان «تقييم الأوضاع في الحدود مع غزة»، وأطلق التصريح: «سنعمل في الوقت والمكان المناسبين، وفي الظروف المناسبة لنا، وليس لأي طرف آخر».
ثمة مَن حسب أنه يهدد «حماس»، إلا أنه في الواقع كان يخاطب الداخل الإسرائيلي أكثر. لقد حاول توضيح أن سكوته على الصاروخ لم يكن ضعفاً، بل لأنه اقتنع برسالة «حماس»، التي حاولت بعدة طرق وعن طريق أكثر من وسيط، تأكيد أنها لم تكن على علم بنية إطلاق هذا الصاروخ، وتنصلت منه بشكل تام.
كان بنيت قد اتخذ قراراً بألا يرد هذه المرة على الصاروخ، والجيش وافق معه. لكن هذا الموقف يبدو متناقضاً مع السياسة الجديدة التي وضعها بنيت نفسه وتباهى بها على الملأ في أعقاب الحرب الأخيرة على القطاع. وبموجبه، صار يرسل طائراته المقاتلة لقصف غزة، حتى بعد إطلاق بالونات متفجرة.

أسئلة إسرائيلية
وإذا كانت الصحافة الإسرائيلية تتعاطى مع بنيت وحكومته بقفازات من حرير، باعتبار أنه لم تمر 100 يوم بعد، ولا تجوز مهاجمتها، فإن المعارضة بقيادة بنيامين نتنياهو راحت تهاجمه بشدة، وتطرح تساؤلاً لاذعاً، وتقول؛ إذا كان بنيت يخاف من «حماس»، فماذا سيفعل عندما يطلق «حزب الله» 1000 صاروخ في اليوم، ويدفع بقوات الكوماندوز عنده للتسلل إلى البلدات الإسرائيلية لتنفيذ عمليات؟ والسؤال الصعب؛ ماذا ستفعل عندما تفتح الميليشيات الإيرانية جبهة جديدة على إسرائيل في الشمال الشرقي؟ بل ماذا ستفعل عندما تقرر إيران، وهي بقيادة رئيس يميني محافظ ومتطرف مثل إبراهيم رئيسي؟
الحقيقة أن هذه التساؤلات تدور أيضاً داخل أروقة الحكومة وبين أقطابها، ولم يجدوا جواباً عليها حتى الآن. فهم عندما شكلوا هذه الحكومة كانوا يهدفون أولاً وقبل كل شيء للتخلص من حكم بنيامين نتنياهو. بعضهم رأوا أنه حكم فاسد يجب التخلص منه. وبعضهم اتخذ موقفاً عدائياً منه، فانضم إلى الهبة المتصاعدة بغرض التغيير، مجرد التغيير. وبعضهم دخلها حرباً انتقامية. وآخرون لمسوا اتجاه الريح في واشنطن، فقرّروا دخول السباق للفوز بقلبها، ولذلك هاجموا كل قوى التطرف من حزب كهانا، برئاسة إيتمار بن جبير، الممثل بـ6 مقاعد في الكنيست، حتى «طالبان».
وبنيت، الذي يعرف مكانة الولايات المتحدة في قلوب الإسرائيليين، سيبحث في واشنطن مع الرئيس جو بايدن، وحشد من القادة الآخرين في الخارجية والدفاع جملة من القضايا. وستوجه إليه عدة أسئلة في هذه القضايا، بدءاً من الموضوع الإيراني حتى موضوع أفغانستان. وكذلك سوريا ولبنان... حتى الصين. وستوجه إليه أسئلة في الموضوع الفلسطيني أيضاً. ولكي يجيب، يفترض أن يكون قد حدد مع وزرائه وجيشه ومخابراته رؤية استراتيجية واضحة.

التحديات الجدّية
بنيت قبل التوجه إلى واشنطن أعرب عن رغبته في وضع قضية إيران على رأس سلم أولويات مباحثاته في واشنطن. وهناك سيقول إن طهران استغلت انسحاب إدارة دونالد ترمب من الاتفاق النووي واكتسبت المعرفة والخبرة اللازمتين للاقتراب من تطوير الأسلحة النووية. فهي حققت تقدماً في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية وتشغيل أجهزة طرد مركزي متقدمة، وبدأت في إنتاج اليورانيوم المعدني. وسيضيف إنه من غير الواضح بعد إذا كانت طهران في عهد الرئيس الجديد، إبراهيم رئيسي، مهتمة بالعودة إلى الاتفاق.
التقديرات الإسرائيلية تقول إن القيادة الإيرانية تماطل وتكسب الوقت في «لعبة الاتهامات»، ولذا يجب التعامل مع السيناريوهات المحتملة بصرامة وحزم. وسيحاول وضع الدور الإيراني في الساحة الإقليمية، باعتبار أنها تواصل ترسيخ نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتدير دفتر حسابات مفتوحاً مع إسرائيل.
حكومة بنيت أحدثت بالفعل تغييراً ملموساً في الموقف الذي وضعه رئيس الحكومة السابق، بنيامين نتنياهو، من الاتفاق النووي. وبنيت يرى اليوم ضرورة التعاون الوثيق مع واشنطن، لا الصدام معها. وبدلاً من معارضة أي اتفاق جديد سيسعى للتأثير على موقفها بحيث يجري إدخال بنود تلائم السياسة الإسرائيلية من جهة... كأن يكون هذا اتفاقاً «أوضح أطول وأقوى وأشد قيوداً»، مع الحفاظ على حرية إسرائيل في العمل. ويريد أيضاً ضمانات لوجود خيار عسكري إسرائيلي ذي مصداقية تجاه إيران والتحسب لسيناريوهات الفشل في الوصول إلى اتفاق، والوصول إلى «عتبة قريبة» حتى تحقيق «اختراق (النووي)». ويريد إدخال بند يتعلق بأنشطة إيران الإقليمية وتقييد إنتاج الصواريخ الباليستية.
موضوع الساحة الحربية المحيطة بإسرائيل، والخاضعة لتأثير مباشر لإيران، مرشح للبحث جدياً. فمع ظهور التطورات الجديدة في أفغانستان، سيعيد قول ما سبق وطُرح في التصريحات الإسرائيلية. ففي تل أبيب يرون في هذه الأحداث برهاناً على أنه «لا يمكن الوثوق بالاتفاقيات مع تيارات إسلامية شبيهة بـ(حركة طالبان)، من إيران حتى (حزب الله) و(حماس) وغيرهما». وسيعبر عن القلق الإسرائيلي من الأوضاع في لبنان؛ حيث يسود انهيار اقتصادي وسلطوي ويسيطر على المشهد صراع القوى الذي لا ينتهي، وتبدو فيه إيران مصرة على التدخل والحسم لصالحها. لديها «حزب الله»، الذي يبدو منضبطاً أمام إسرائيل ومنفلتاً في دفع المصالح الإيرانية... وقد تنشأ أوضاع ودينامية للتصعيد الحربي.

حالة «حزب الله»
يورام شفايتسر، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، يرى أن «قيام (حزب الله) بإطلاق 19 صاروخاً على قطاع جبل روس (في مزارع شبعا) في 6 أغسطس (آب) الحالي، رداً على غارة جوية شنتها القوات الجوية الإسرائيلية على لبنان، وبعد صمته على نيران المدفعية الإسرائيلية على جنوب لبنان في اليوم السابق، كان أمراً غير عادي. فمن جهة تجرأ على إطلاق صواريخ، وفي المقابل، أكد أنه غير معني بحرب... بل وجّه صواريخه إلى مناطق مفتوحة، تعبيراً عن ضبط النفس». ويضيف الباحث؛ ينبع ضبط النفس الطوعي الذي ينتهجه «حزب الله» من الوضع المتردي في لبنان المنهار، الذي يؤثر عليه أيضاً. هناك تفسير يدعي أن «حزب الله» مهتم حالياً بتسخين الحدود من أجل ترسيخ مكانته الحصرية كـ«مدافع عن لبنان» أمام منتقديه في الساحة الداخلية، وصرف الأنظار عن انتقاده اللاذع لدوره في فساد المؤسسات وانهيار الاقتصاد اللبناني والنظام السياسي، وكذلك بفعل الادعاءات بشأن مسؤوليته عن الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت قبل عام بالضبط. ومن ناحية أخرى، هناك الادعاء الحاسم ضده بأن تأجيج النار المتعمد مع إسرائيل لا يخدم التنظيم، خاصة في ظل اتساع الاحتجاجات ضده، لأن ذلك يجرّ لبنان إلى مواجهة مع إسرائيل، لا يريدها أحد، خدمة لرعاته الإيرانيين.
الجولة الأخيرة عززت هذا الادعاء، بل إن خصومه باتوا يجرؤون على انتقاده علناً أكثر مما كان عليه في الماضي. وتجلى التعبير الملموس عن معارضة تحركاته في حادثة وقعت في قرية شويا الدرزية، عندما هاجم سكانها بغضب عناصر «حزب الله» العائدين من إطلاق الصواريخ على إسرائيل، بحجة أن القصف من محيط القرية كان من الممكن أن يؤدي إلى هجوم إسرائيلي عليها. وأثار نشر الفيديوهات الخاصة بالحدث على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل غاضبة ضد «حزب الله»، لكن في المقابل، كان هناك من سارع للدفاع عن «المقاومة» اللبنانية، من أجل تهدئة التوتر بين الدروز والشيعة. وقام نصر الله الذي خشي من تضرر صورة التنظيم داخل لبنان، بتبني لهجة تصالحية في خطابه الأخير، وأوضح أن إطلاق النار وقع في منطقة مفتوحة وغير مأهولة، بل نشر مقطع فيديو يظهر أن إطلاق النار تم من بين أشجار كثيفة وليس من داخل البلدة. لكن رجال «حزب الله»، قاموا في الوقت نفسه، بإرسال رسائل تهديد إلى القرية الدرزية لردع سكانها عن القيام بعمل مماثل في المستقبل ودفع قادتهم إلى تهدئة النفوس في صفوف الطائفة.

جبهتا فلسطين وسوريا
من جهتها، تقول أورنا مزراحي، الباحثة في المعهد نفسه، إن النيران المتقطعة التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية على الحدود، في الآونة الأخيرة، حلقة في سلسلة عمليات «محور المقاومة» بقيادة إيران، في إطار المواجهة مع إسرائيل... وشملت تجنيد «حماس» و«الجهاد الإسلامي» الفلسطيني، سواء أكان ذلك في قطاع غزة أو في التجمعات الفلسطينية في لبنان. ثم إن مشاركة زعيم «حماس» إسماعيل هنية في حفل تنصيب رئيسي في طهران، وإعلانه أن تنظيمه يعتبر نفسه شريكاً في محور المقاومة، إلى جانب زياد النخالة زعيم «الجهاد الإسلامي» في فلسطين، نعيم قاسم، نائب نصر الله، صورٌ تعبّر عن تعاون أوثق بين مركبات هذا «المحور». ويبدو تورط إيران أخيراً في تسخين الحدود الإسرائيلية اللبنانية، من قبل الفصائل الفلسطينية بديهياً تقريباً. إذ درّبت إيران مبعوثيها؛ «حزب الله» و«الجهاد الإسلامي» الفلسطيني و«حماس» (جنباً إلى جنب مع الميليشيات الشيعية في سوريا والعراق واليمن)، طوال سنوات وحثّتها على مضايقة إسرائيل وخلق شعور لديها بالحصار، وكان آخر ذلك فتح جبهة أخرى ضدها من لبنان. هذا، في ظل تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل في سوريا وفضاء «السايبر» والحلبة البحرية.
أيضاً، في إسرائيل هناك جهد يكرس لمتابعة التطورات في سوريا أيضاً؛ حيث تصرّ إيران على التموضع فيها عن طريق ميليشيات خاصة بها جلبتها من أفغانستان وباكستان والعراق، فضلاً عن ضباط «الحرس الثوري» وطبعاً «حزب الله». وهي - حسب التقديرات في الجيش الإسرائيلي - تعمل على بناء جبهة حربية مباشرة مع إسرائيل؛ خصوصاً في الجولان ودرعا وغيرهما من مناطق الجنوب السوري. ومع أن سلاح الجو الإسرائيلي ينفذ مئات الغارات الحربية على مواقع هذه الميليشيات ومخازن الأسلحة وقوافل نقل الأسلحة، تدرك إسرائيل أن جهودها يمكن أن تعطل وتعرقل وتؤخر... لكنها لن تمنع نشوء هذه الجبهة في النهاية.

حيرة في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي
> في خلفية المداولات التي يجريها مجلس الأمن القومي الإسرائيلي حول هذه التحديات، تظهر حيرة إزاء التعاطي معها، وآراء مختلفة، وفي بعض الأحيان متناقضة، حول سبل العمل. وثمة من يقول إن إسرائيل تواجه تحدياً مزدوجاً.
من جهة، يوجد ضعف في معادلة الردع القائمة التي بموجبها سيقابل أي هجوم إسرائيلي في لبنان بردّ، كما وعد «حزب الله». حرص إسرائيل على الالتزام بقواعد اللعبة هذه ساعد في إرساء هدوء نسبي على مدى العقد الماضي، على طول الحدود اللبنانية، لكنه سمح في الوقت نفسه للمنظمة بمواصلة تعزيز قوتها، لتصبح التهديد العسكري التقليدي الرئيس لإسرائيل في طليعة محور المقاومة الإيراني.
ومن جهة ثانية، يرون محاولة «محور المقاومة» بقيادة إيران، لتحويل الحدود الإسرائيلية - اللبنانية إلى ساحة صراع نشطة، بطريقة تخدم إيران و«حزب الله» و«حماس» على حد سواء، من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق... لأن هذا المحور يثق بأن إسرائيل هي التي ستتجنب المغامرة في الظروف الحالية في لبنان، كي لا تتسبب في اندلاع حرب شاملة تشمل القتال على عدة جبهات.
فكيف ستتصرف؟ هل تستمر في الحفاظ على السياسة الحالية، والرد بشكل منضبط، وفقاً لقواعد اللعبة، على أي محاولة لإيذاء جنودها أو مدنيّيها، مع الحفاظ على قواعد اللعبة ضد «حزب الله»، أم تُقدم على تعزيز الردع بالرد على أي عملية من لبنان، لكن بقوة أكبر من ذي قبل، وبشكل أساسي عبر الضربات الجوية الكفيلة بتقويض معادلة الردع التي يحاول «حزب الله» ترسيخها، أم تستغل إسرائيل ضائقة «حزب الله» والمبادرة إلى تحرك عسكري مفاجئ وموضعي، يقوض قدرات التنظيم (مع التركيز على مشروع الدقة الصاروخية)، في محاولة لإعادة الهدوء إلى الحدود بعد جولة قصيرة من الاشتباكات، لكن مع الأخذ بالاعتبار والاستعداد لردّ قاسٍ (هجوم على الجبهة الداخلية) متوقع من «حزب الله»؟
يعتقد الجنرال إسحاق إبريك، وهو عضو سابق في رئاسة أركان الجيش، أن قوة الردع الإسرائيلية تصدّعت من جراء هذه الحيرة. ويرى إبريك، الذي يمثل تياراً في المؤسسة العسكرية والسياسية، أن المحور الإيراني يعد نفسه لحرب شاملة على عدة جبهات في آن واحد. وبالتالي، على إسرائيل استباق الحدث وتوجيه ضربة مسبقة تردع هذا المحور عن الإقدام على حرب كهذه. ويتساءل تيار إبريك: «ما المصلحة في الاستمرار بهذه الحيرة؟ ولماذا ننتظر حتى يكملوا مشروعهم ويجهزوا أنفسهم لحرب كهذه، بينما نحن قادرون على توجيه ضربات رادعة؟».
ثم يجيبون: «إذا كان خوفنا هو من ردّ فعل قاسٍ يفجّر حرباً شاملة بضرب الجبهة الداخلية، وإيقاع إصابات شديدة في صفوف المدنيين الإسرائيليين، فينبغي علينا إذاً أن نعد الجمهور لمثل هذه الحالة، ونوضح أن أي حرب متأخرة ستكون أسوأ، وستكون نتائجها أقسى».
أيضاً، يرى أصحاب هذا التيار ضرورة رفع مستوى التنسيق مع واشنطن، وإعداد الرأي العام العالمي أيضاً لهذه التحديات كي يكون أي حراك إسرائيلي في هذا الاتجاه مفهوماً دولياً ومدعوماً أميركياً بشكل فاعل.
إلا أن الحسم في هذه القضايا لم يأتِ بعد. والآراء في الحكومة الإسرائيلية تبدو منقسمة. وفي كل الأحوال، لم يبلور بنيت بعد موقفاً محدداً منها. وهو يحتاج إلى اللقاءات في واشنطن حتى تتبين له حدود المناورة. وهنا قد يساعده القادة الأميركيون في بعض القضايا... لكن سيكون عليه أن يتوقع أيضاً مواقف أميركية لا تعجبه ولا تعطيه إجابات شافية.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.