«نساء داعش» في مخيم روج تحت رقابة صارمة... وينتظرن العودة إلى بلادهن

تحقيق لـ«الشرق الأوسط» من «النسخة الملونة» من «دويلة الهول» شمال شرقي سوريا

سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

«نساء داعش» في مخيم روج تحت رقابة صارمة... وينتظرن العودة إلى بلادهن

سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
سيدتان في مخيم روج شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

قبل الدخول إلى مخيم روج، يطلب عناصر الأمن (الأسايش) التابعون لـ«الإدارة الذاتية» التأكد من هوية الزائر؛ فهذا المخيم بين أكثر المخيمات خطورة، لأنه يضم مئات النساء المتشددات، وهن زوجات عناصر تنظيم «داعش»، حاولن عدة مرات الهرب والفرار.
على طول سور المخيم وُضعت أبراج حراسة وكاميرات مراقبة وعناصر مدججون بالأسلحة.
ومخيم روج هو الجزء الثاني أو المشابه لمخيم الهول شرق سوريا، الذي ظهرت فيه خلال السنوات الماضية صور نساء متشحات بالسواد ومنتقبات لا يظهر منهنّ شيء؛ بينما يختلف المشهد اليوم، بعد تحول كثير من النساء فيه، ليظهرن دون نقاب يرتدين غطاء رأس وملابس زاهية. يقع المخيم في أقصى شمال شرقي سوريا بريف بلدة المالكية (ديريك) التابعة لمحافظة الحسكة، تقطنه نحو 800 عائلة، ويضم 2500 شخص، جميعهم من النساء والأطفال، بينهم لاجئات عراقيات ونازحات سوريات، إضافة إلى عائلات أجنبية لمسلحي «داعش» يتحدرون من جنسيات غربية وعربية، ومن دول الاتحاد الروسي.

أثناء الحديث مع إحدى النساء الألمانيات، وكانت تبلغ من العمر 40 سنة، أصلها من كوسوفو، تروي كيف تعرضت لكثير من التهديدات في مخيم الهول بعد رفضها لبس النقاب والخمار الأسود، ليتم ترحيلها وأطفالها الأربعة قبل عامين إلى مخيم روج، وأعربت عن أملها في العودة لبلدها الأصلي أو مكان إقامتها (ألمانيا): «أريد تربية أطفالي الصغار بعيداً عن هذا المكان. منذ وصولي لسوريا صيف 2015 وأنا أعيش يومياً فصلاً من هذه المأساة».
وقالت سيدة من طاجيكستان في عقدها الخامس بصوت مرتفع، وطلبت عدم تصويرها: «إلى متى سنبقى هنا؟ هل يشاهد العالم والحكومة الطاجيكية حالتنا؟ ألا ترأف لنا وتعيدنا لبلدنا وحياتنا الطبيعية».
ويضم المخيم سوقاً تتألف من مجموعة محال تجارية، منها الخضراوات والفاكهة، إلى جانب محال الألبسة والعطورات والكهربائيات، وقسمت إدارة المخيم أوقات التبضع إلى دوامين؛ وقت خاص بالعائلات القديمة، ووقت ثانٍ للنساء المتشددات، كي لا يتم حدوث احتكاك بينهنّ، خشية وقوع حالات شغب وفوضى بعد خلع كثيرات النقاب واللون الأسود.
وتضمّ السوق مكتباً خاصاً بالتحويلات المالية تخضع لرقابة مشددة من إدارة المخيم بالتنسيق مع أجهزة الأمن وغرفة عمليات التحالف الدولي؛ إذ تفرض إجراءات معقدة، ويُسمح للعائلة التي لا يزيد عدد أفرادها على 3 أشخاص بتسلُّم مبلغ 300 دولار أميركي فقط شهرياً. أما العائلات التي يزيد عدد أفرادها على 3 أشخاص فيسمح لهم بتسلم 500 شهرياً، وهذه القيود لمنع تجميع الأموال واستخدامها في عمليات الهروب.

زراعة الورود
وعند الاقتراب من خيمة البريطانية شميمة بيغوم «عروس داعش»، وإخبارها بوجود الصحافة، سارعت ودخلت خيمتها، وكانت دون نقاب، لكنها زرعت بعض النباتات الخضراء والزهور أمام مدخل الخيمة، في إشارة إلى أنها تبحث عن أي شيء لملء أوقاتها.
أما الفرنسية إيميلي كونيغ، المدرَجة لدى الأمم المتحدة على لوائحها السوداء للمقاتلين الأكثر خطورة بالعالم، وبعد مشاهدة الكاميرا، اكتفت بترديد التحية، واعتذرت عن الحديث، وذكرت أن السلطات الفرنسية تتابع بكثب التقارير والمواد الصحافية التي تشارك فيها، وتخشى أن ينعكس ذلك سلباً على ملفها لدى عودتها.
بين الخيام، كان بالإمكان سماع أغانٍ وموسيقى غربية تصدح بلغات أجنبية، بالوقت ذاته حوَّلت بعض النسوة المتطرفات خيمتها لعقد حلقات سرية لتعليم الأطفال الفكر المتطرف، وسماع أغانٍ متطرفة، وإعطاء دروس شرعية، وذكرت مسؤولة أمنية كيف كشفوا، بداية العام الحالي، العشرات من النساء اللواتي أعطين مثل تلك الدروس، لتقول: «بعد المداهمة ابتكرن حيلاً جديدة، بتقليل أعداد الأطفال، وتنظيم زيارتهم، وأنهم يسمعون أغاني خاصة ببلدانهم وثقافاتهم، بهدف ابتكار طرق جديدة للتخفي، وتربية جيل جديد من التطرف».

ولدى حديثها إلى جريدة «الشرق الأوسط»، قالت مديرة المخيم، نورة عبدو، إن المخيم مقسم إلى قسمين: الأول، وهو المخيم القديم، تأسس سنة 2015، يضم عائلات عراقية وسورية وبعض العوائل الأجنبية الذين استسلموا لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في معاركها ضد التنظيم، شرق الفرات.
أما القسم الثاني، وهو منطقة التوسُّع، فتضم نحو 400 خيمة تسكنها أكثر من 300 عائلة تم استقبالهم من مخيم الهول المكتظ.
وتقول المسؤولة الكردية إن جميع النساء القاطنات في هذا القسم هن اللواتي حاولن الهرب، والمتشددات اللاتي اعتدين على نساء أخريات، «واللواتي شاركن في حوادث فوضى، وافتعلن حالات شغب، الأمر الذي دفع الإدارة لوضع قوانين صارمة، بحيث تمنع لبس النقاب والزي الأسود».

نداءات كردية
ولا تقتصر المعاناة في المخيم على نقص الأدوية والمساعدات الغذائية، بل تشمل غياب البنى التحتية الخدمية الأساسية، وتكرّر «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» نداءاتها إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لمساعدتها على تحمل التكاليف وتأمين احتياجات المخيمات.
وحولت سيدة تركستانية خيمتها إلى محل تجاري صغير تبيع فيه السكاكر والموالح وبعض المواد الأساسية وأنواعاً من العطورات والماكياج، وقالت في حديثها: «كثير من النساء هنا يشترين العطور والماكياج، على الرغم من أن نساء متشددات اعتدين على أخريات بسبب وضع مساحيق التجميل ولبس السراويل وبنطلونات الجينز».

وأعربت سيدة مغربية (35 سنة) تتحدر من مدينة تطوان الساحلية المطلة على شواطئ البحر المتوسط، والآن تعيش وأطفالها في مخيم تصل درجات الحرارة فيه هذه الأيام إلى 45 درجة مئوية، عن أنها تحلم بالعودة إلى بلدها، وتنتظر بفارغ الصبر لحظة وصولها، بعد مضي 6 سنوات لها بسوريا، منها 5 سنوات عاشتها بالتنقل بين مخيمات الهول وروج، فيما رفضت مواطنة مصرية العودة لبلدها خشية من الملاحقة الأمنية، وأن ملفّ زوجها الذي التحق بالتنظيم بداية 2015، وحارب في صفوفه، سينعكس سلباً على مستقبل أطفالها ودراستهم وإكمال حياتهم بشكل طبيعي، وأنها ستقدم طلباً للجوء لدولة ثالثة تتقبلهم.
وشرحت إسبانية كانت بعمر 30 عاماً لكن بدا عليها أنها أكبر من عمرها بسبب التجارب المريرة التي مرت بها في هذه السن المبكرة، كانت ترتدي غطاء رأس لونه أحمر، وعباءة ذات لون فاتح، قصتها لتقول: «زوجي الإسباني قرر الالتحاق بتنظيم (داعش) نهاية 2014، وبعد وصولنا لسوريا بخمسة أشهر لقي مصرعه. كنت قد أنجبت منه طفلين؛ بنتاً وصبياً»، ثم تزوجت مرة ثانية من مقاتل سوري، وأنجبت منه طفلين، وهما ولدان، وقُتل في معارك الباغوز، وأكدت رغبتها في الخروج من المخيم، والعيش بسوريا، أو العودة لموطنها الأصلي: «هنا نعيش مرارة السكن تحت رحمة هذه الخيمة الساخنة أنا وأطفالي، ومرارة البعد عن أهلي وبلدي».
يُذكر أن «الإدارة الذاتية» طالبت مراراً الدول المعنية وحكومات دول التحالف الدولي باستعادة مواطنيها المحتجزين في السجون والمخيمات، أو إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المتطرفين في سوريا، كما حثّت الأمم المتحدة أيضاً 57 دولة على إعادة رعاياها بلا تأخير؛ غير أن بضع دول أوروبية وعربية اكتفت باستعادة عدد محدود من الأطفال اليتامى.

3 أرامل يتحدثن لـ«الشرق الأوسط» عن «أسرار» أزواجهن «الدواعش»


مقالات ذات صلة

باكستان: منفذ هجوم مسجد إسلام آباد تلقى تدريباً في أفغانستان

آسيا مشيعون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا التفجير الذي وقع يوم الجمعة داخل مسجد في إسلام آباد (أ.ب)

باكستان: منفذ هجوم مسجد إسلام آباد تلقى تدريباً في أفغانستان

حددت السلطات الباكستانية هوية منفذ الهجوم على مسجد في إسلام آباد بأنه من سكان بيشاور وتلقى تدريباً في أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم أرشيفية لسجناء من «داعش» داخل أحد سجون الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

الأمم المتحدة: خطر تنظيم «داعش» ازداد وأصبح «أكثر تعقيداً»

قالت الأمم المتحدة الأربعاء إن التهديد الذي يشكّله تنظيم «داعش»  ازداد بشكل مطّرد منذ أواسط العام 2025 وأصبح «أكثر تعقيدا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

وزير الخارجية الفرنسي يبدأ الخميس جولة شرق أوسطية تشمل سوريا والعراق ولبنان

يبدأ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الخميس جولة في الشرق الأوسط، حيث تسعى فرنسا إلى الاضطلاع بدور وازن في ملفات حساسة عدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي مروحية أباتشي أميركية خلال تدريب بالذخيرة الحية 14 أغسطس 2024 (رويترز)

«سنتكوم» تعلن تنفيذ 5 ضربات على أهداف ﻟ«داعش» في سوريا خلال أسبوع

أعلنت القيادة المركزية الأميركية الأربعاء أن قواتها نفّذت 5 ضربات على أهداف لـ«تنظيم داعش» في الأراضي السورية خلال الفترة من 27 يناير إلى 2 فبراير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».