الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

وزيرة الثقافة السابقة تقول إنها أرادت تجريب «الوصفة الثقافية» لحل المعضلات السياسية

روضة الحاج
روضة الحاج
TT

الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

روضة الحاج
روضة الحاج

اشتهرت الشاعرة الإعلامية السودانية روضة الحاج أكثر ما اشتهرت، بصفتها شاعرة، بقصيدتها «بلاغ امرأة عربية» التي ألقتها في برنامج «أمير الشعراء» الذي يقدمه تلفزيون أبوظبي، والذي فازت بإحدى مراتبه، وأُطلق عليها لقب «أميرة الشعراء». وكانت روضة الحاج الشاعرة الوحيدة التي نافست الشعراء العرب في جائزة «سوق عكاظ»، وفازت في دورة عام 2012 بالجائزة، وارتدت بردة «شاعر عكاظ»، واختيرت من بين 35 شاعراً من 8 دول عربية.
وأصدرت روضة الحاج مجموعة من الدواوين، منها: «عش القصيد»، و«في الساحل يعترف القلب»، و«مدن المنافي»، و«للحلم جناح واحد»، و«ضوء لأقبية السؤال»، و«قصائد كأنها ليست لي».
وكانت قد اختيرت وزيرة للثقافة، إذ عينها الرئيس السوداني السابق عمر البشير وزيرة للثقافة والسياحة والتراث في آخر تعديل له في التشكيلة الحكومية، قبل عشرة أيام من إطاحته على يد الجيش السوداني... وهنا، لقاء معها عبر الهاتف:

> أولاً، في حالة الترقب والقلق العالمي من جائحة كورونا... هل هناك دور للشعر؟
- ما يحدث أمر معقد إنسانياً، وبالتالي فهو معقد شعرياً: فرض العزلة والتباعد الاجتماعي، وتجنب التواصل، والانغلاق على الذات، وتضييق خيارات البشر لأقصى حد ممكن، كلها تمثل حالة «كونية شعرية» سيعبر عنها الأدب بطريقته، سواء كان قصة أو رواية أو مسرحاً أو شعراً أو غير ذلك.
> كيف تعاملت بصفتك شاعرة أديبة مع العزلة التي فرضتها جائحة كورونا؟ وما تأثيرها عليك بصفتك كاتبة؟
- لطالما أحببت العزلة، على الرغم من تصنيفي على أنني كائن اجتماعي جداً، لكنني كنت أعرف في قرارة نفسي أن هذه هي حقيقتي التي لم تتح لي طبيعة عملي واهتماماتي تجربتها على الإطلاق، فقد كنت منذ طفولتي «تحت الضوء»، بطريقة أو بأخرى، فمنذ السادسة من عمري وأنا أقدم طابور الصباح المدرسي. وقد تواصل هذا «الضوء» عبر عملي الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون ومجلة السمراء (بنتي المدللة) ونشاطي الثقافي وحضوري في المشهد العام إجمالاً.
لكن توقي للعزلة لم يخمد يوماً. وعندما فرضت الجائحة بصرامة شديدة، خاصة في الأيام الأولى، شروط الحياة في ظلها، كان جانب مني سعيداً بذلك، مع خشيتي البشرية العادية من عواقب ذلك بالطبع. وقد أنجزت خلال هذه الفترة ديوانين، صدر أحدهما وسيصدر الآخر قريباً، وكتبت مسرحية شعرية (حرة غرناطة)، وأنجزت رواية، وأعمل خلال هذه الأيام على إنجاز الرواية الثانية.
> برأيك، أين موقع المرأة في خريطة الإبداع الشعري العربي اليوم؟
- المرأة موجودة، وبقوة. وأزعم أن الفترة الحالية هي أخصب فترات الإبداع النسوي في المجالات كافة. فالمجتمعات أصبحت أكثر تقبلاً وتصالحاً مع نتاجاتهن، وقد أسهمت النقلات الفكرية التي شهدها العالم العربي إلى حد كبير في توسيع مساحاتهن الضيقة، وفك كثير من القيود عن أقلامهن. وصاحب ذلك زيادة في حالة الوعي الجمعي العام الذي شمل المبدعات أنفسهن، فقد تجاوزن مرحلة التصادم والتمرد والعصيان بصفته نوعاً من رد الاعتبار، واندمجن في حركة التنوير والإبداع العامة بأقلام تشعر بالندية، وليس بعقدة النقص أو الرغبة في الانتقام، وأصبح بالإمكان الحديث عن ملامح مكتملة لمشروع نسوي إبداعي.
> هل تعتقدين أن لشعرك السياسي الذي رافق مسيرتك الأدبية دوراً في انتشارك الإعلامي؟
- لا أعتقد. وعموماً، قصائدي الوطنية والقومية قليلة جداً، مقارنة ببقية شعري، وأكثرها لم يصدر حتى الآن ولم يجمع أيضاً، بينما بقية شعري صدرت في 7 دواوين، وأستعد لإصدار الديوان الثامن قريباً إن شاء الله.
كما أن عملي الأساسي هو الإعلام، فقد شغلت وظيفة مذيعة ومعدة برامج بالإذاعة القومية السودانية والتلفزيون وقنوات أخرى، ووثقت وحاورت معظم المبدعين السودانيين على مدى سنوات وسنوات؛ أي بمعنى آخر كنت أنا من يقدم الآخرين من واقع عملي بصفتي محاورة أكثر من كوني ضيفة يحاورها الآخرون، وأفخر بأنني وثقت تجارب أهم الشعراء والأدباء السودانيين، وقدمت أول برنامج يستضيف الأدباء العرب والسودانيين، ويحاورهم عبر قناة الشروق الفضائية، بل حصلت على جائزة أفضل محاور من مهرجان القاهرة للإذاعات والتلفزيونات العربية.
> يبدو المشهد الثقافي بالسودان في حالة نكوص منذ سنوات طويلة... لأي سبب ترجعين ذلك؟
- أول وزارة تمت الإطاحة بها من قائمة الوزارات هي وزارة الثقافة التي ضغط المثقفون والأدباء على صناع القرار السياسي طويلاً لاعتمادها في السابق بصفتها وزارة مستقلة. وعلى الرغم من أن الشعب السوداني معروف بثقافته العالية، وحبه للأدب بشكل عام، وللشعر على وجه الخصوص، فقد لاحظ كثيرون ضعف النتاجات الأدبية المعبرة عما حدث من تغيير، مقارنة بثورة أكتوبر (تشرين الأول) 64 مثلاً، أو حتى أبريل (نيسان) 85. ويبدو أن السبب ضيق العيش، وصعوبة الحياة التي يكابدها السودانيون حالياً بمختلف قطاعاتهم، والتي ألقت بظلالها على كل شيء، بما في ذلك المشهد الثقافي والإبداعي.
> زرتِ المملكة العربية السعودية، وكنتِ أول امرأة تتلحف ببردة عكاظ... كيف وجدت بيئتها الأدبية ومشهدها الثقافي بشكل عام، ومكانة المرأة تحديداً؟
- المملكة من أغنى بلدان المنطقة ثقافياً، ولا غرو، فمن هنا بدأ كل شيء: الشعر والحداء والغناء والنشيد. والمتلقي السعودي متلقٍ مذهل جداً، يقدر الشعر ويحبه، ويعرف قيمته ويتجاوب معه. وفي الوقت الذي تصاب فيه أشجار الشعر في كثير من أنحاء العالم العربي بالعطش وتساقط الأوراق والتصحر والآفات، تزداد أشجار الشعر في المملكة خضرة وارتفاعاً، يدعم ذلك كليات آداب ذات ثقل معرفي عالٍ، وأقسام لغة عربية وأدب ونقد قوية البناء والمنهج، وملاحق ثقافية ومواقع على الشبكة وقنوات؛ كل هذه الأشياء تجعل من المملكة ميداناً راقياً للإبداع والثقافة والأدب.
أما المرأة السعودية، فهي حالة نادرة مبهرة من الذائقة النسوية المتميزة في التلقي والتفاعل الشعري والثقافي. وأنا بصدق مبهورة جداً بالمرأة السعودية المتذوقة المتفاعلة مع الشعر والأدب في المملكة، وأحد مفاخري الكبرى محبتهن لما أكتب، وتواصل قطاعات واسعة منهن معي دائماً.
> يبدو أن صوت قصيدتك «بلاغ امرأة عربية» أعلى من باقي قصائدك... كيف تفسرين ذلك؟
- ربما لأنها من أقدم نصوصي، فقد كتبتها في عشرينياتي، وكانت مفتاحاً سحرياً بحق قدمني إلى كل العواصم العربية، وأتاح لي القراءة في منصة واحدة مع كبار الشعراء السودانيين والعرب، كذلك كانت هذه القصيدة محظوظة بحصولها على قراءات نقدية متنوعة من نقاد كبار.
> ما علاقتك بوسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل ترين مثل هذه العلاقة تؤثر على النشاط الأدبي؟
- وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت واقعاً لا نستطيع إلا التعاطي معه، ولكني أؤمن جداً بالاعتدال، وهو ما أمارسه معها. فمثلاً، صفحتي على «فيسبوك» يتابعها كثير من محبي الشعر في السودان والعالم العربي وأفريقيا، ويمثل تفاعلهم مع ما أكتب قيمة مهمة جداً، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«تويتر» وبقية المنصات. والتواصل مع الجمهور بشكل مباشر مهم، ولكنه قد يتحول إلى عائق إذا لم نحسن إدارته بشكل جيد، وهذا ما أحاوله.
> ماذا لو استمرت روضة الحاج وزيرة للثقافة؟ ماذا كنتِ ستفعلين للثقافة والمثقفين السودانيين؟
- توليت لعامين (2016 - 2018) منصب نائب رئيس لجنة الشباب والرياضة والثقافة والإعلام والسياحة بالبرلمان السوداني (بدرجة وزيرة دولة)، وأتاح لي هذا التكليف الإشراف المباشر على ملفي الثقافة والسياحة تحديداً، والاطلاع على أداء هاتين الوزارتين (قبل دمجهما لاحقاً) فيما يلي التشريعات والقوانين والميزانيات المالية والمشاريع المستقبلية والمشكلات الأساسية وغير ذلك، وكانت تلك هي (الإضافة العملية) لصلاتي السابقة من واقع كوني فاعلة ثقافية بشكل عام.
ولو قدر الله لي الاستمرار، لوددت (تجريب الوصفة الثقافية) لتكون حلاً للمعضلات السياسية المزمنة في بلادنا، وذلك بإحسان إدارة التنوع الثقافي بصفته مصدراً للقوة، وليس الضعف، وتفعيل مبدأ (الاحترام الثقافي)، بصفته بديلاً (للاستعلاء الثقافي)، وذلك ببناء جسور للتواصل الثقافي والإبداعي مع محيطنا العربي والأفريقي، وإبراز ميزتنا بصفتنا بلداً يجمع الثقافتين العربية والأفريقية.
وكنت سأكمل ما بدأته من مشاريع فردية للتعريف والتوثيق للمبدعين السودانيين في شتى المجالات، وجعل (المكتبة الوطنية) معلماً من معالم الخرطوم، وملء المدن بالنصب التذكارية للرموز الكبيرة، وإعادة الحياة للمجلات الثقافية والجمعيات الأدبية والمسرح المدرسي، بالتعاون مع وزارة التربية، ونفض الغبار عن تجارب الكبار، وتكريم سيرهم، وإنشاء مدينة الثقافة السودانية، وكثير من الأفكار التي آمل أن يهيئ الله لبلادنا من يقوم بها أو بأفضل منها، من المهمومين والمؤمنين بالفعل الثقافي.



طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب
TT

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

طارق الطيب
طارق الطيب

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني، وفي سن 25 عاماً يمَّم شطر الغرب، وتحديداً النمسا التي يقيم بها منذ 42 عاماً.

في عام 1992، صدرت روايته الأولى «مدن بلا نخيل» ثم تعددت مؤلفاته، ومن أبرزها «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، و«أطُوف عارياً»، و«نهارات فيينا»، و«الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء»، و«بيت النخيل»... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمه الأدبي.

* في روايتك الجديدة «رأيت ما لا يجوز لك»، يبدو أن البطل على استعداد لتحويل الشعار الثقافي القديم «قتل الأب» من حالة مجازية تشير إلى رغبة كل جيل أدبي في تجاوز من سبقوه، إلى حالة فعلية من خلال هاجس إنهاء حياة والده فعلاً... ألم تكن قاسياً في تجسيد السلطة الأبوية؟

- فكرة قتل الأب أدبياً وفلسفياً ترمز في مضمونها إلى فكرة تمرّد نابع من سلطة الأب أو جبروته، وهي أيضاً تعبير عن عِصيان للتقاليد ومخالفة للأصول والجذور المتوارثة. الأب في روايتي تلك هو رجل واهن لا حول له ولا قوة ومصاب بألزهايمر.

من يقرأ العمل بلا اجتزاء، سيتبيّن له أن العلاقة بين الابن بلال والأب تتبع مبدأ (وبالوالدين إحساناً)؛ علاقة في مُنتهى اللطف واللين والمحبّة من الابن، يُحضّر للأب ألبومات الصور القديمة ليسحبه نحو الذكريات المبهجة، ويتذكر دوماً المعاملة الحنون من أبيه له وهو طفل صغير.

فكرة ضيق الابن بـ«حالة» أبيه وبعجزه هو عن التصرف لا جحود فيها، بل هو يتمنّى أن يأتي أبوه إلى هذا البرزخ الذي يستعيد فيه كلّ شخص عافيته وشبابه.

* بدا لبعض القراء أنك تنحاز لموقف الابن وتمنحه كل المبررات في مشاعر الجحود ضد والده؟

- الجحود هو إنكار المعروف وعدم الاعتراف بالفضل، والعكس في الرواية هو الموجود.

الابن يبوح لنا بحقيقة مشاعره تجاه حالة أبيه، بلال لا يتمنّى أن يكون أبوه في هذا الوضع المُحزن، يعترف بضعف طاقته كابن. لم يَظهر منه خلال الرواية بالكامل أي لفظ يدلّ على جحوده بأبيه، بل إنّه حين يحكي نتعاطف معه بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع الأب.

* هل يمكن القول إن السلطة الأبوية هنا تشير إلى سلطة الاستبداد السياسي أو المجتمعي عموماً؟

- لا توجد سلطة أبوية في الرواية ولا صراع أجيال. الرواية تدور ببساطة حول أب مريض بمرض مُرهِق والابن يحاول التخفيف عنه بكل الطرق الممكنة، فكأنّ الأدوار تبدّلت وصار هو الأب، حيث يحاول أن يعوّضه عن تلاشي عالمه القديم من ذاكرته.

حين أصبح بلال في البرزخ مع الموتى - الأحياء، ورأى بنفسه هناك بهاء الحياة ونعيمها وأدرك أن كلّ مريض قد برأ من مرضه؛ تمنى أن يأتي أبوه إلى هذا المكان.

مَن سيتجاوز هذه النقطة المهمة ويتسرّع في القراءة سيخِلَ بفكرة النص؛ فكرة أمنية بلال في استحضار أبيه إلى مكان يبرأ فيه من ألزهايمر ويتعافى.

* لك العديد من التصريحات التي تنتقد فيها «تقديس» البعض للطيب صالح وتحويله «صنماً» وفق تعبيرك... هل يمثل لك هذا الكاتب السوداني الشهير نوعاً من «السلطة الأبوية» التي أردت أن تتمرد عليها مبكراً؟

- الكاتب الكبير الطيب صالح أكتب عنه دوماً كلّ ما يليق به كقامة عظيمة شامخة. ويبدو أيضاً أن قراءة تصريحاتي مبتورة من الأصل، فانتقادي يتعلّق بمحاولة البعض اعتبار الطيب صالح نبياً أو قديساً لن يأتي من بعده من يمكن أن يكون جديراً بالتفرّد والإبداع الجديد والمميّز.

فكرتي بوضوح التي عبَّرت عنها مراراً أن الطيّب صالح سيبقى دوماً مصدرَ إلهامٍ لكثيرٍ من الأدباء في كلّ مكان، وهذا أمر جيّد وطبيعيّ لكاتب فريد من طراز الطيّب صالح، أمّا مسألة كونه سقف الرواية السودانية؛ فهذا شأنٌ ضارٌّ تَسبّب فيه الناقد المتساهل أولاً ثمّ القارئ المتسرّع ثانياً بتحويل الأديب الكبير إلى «صنم».

هذا الأمر للأسف ليس في صالح الأدب السودانيّ برُمّته ويغلق الباب من البداية بفرضيّة: «لا أدبَ سودانياً بعد الطيّب صالح»، ولا أعرف من أين يأتون بهذا اليقين؟!

* هل تشعر أن البعض لا يزال يختصر الأدب السوداني في شخص الطيب صالح، على نحو يبخس التجارب والأجيال التالية حقها؟

- سبق أن أكدت كذلك على أنه يكاد لا يخلو أيّ نقد عن كاتب سودانيّ من الوقوف عند ناصية الطيّب صالح والبدء منها أو الانتهاء بها، وهذا يدلّ على إجْحاف في براعة وتميُّز الكتابات السودانيّة التي تسبَح في عالم آخر بعيد تماماً عن سِكَة الطيّب صالح.

معظم النقاد يتساهلون في قراءة الأدب السودانيّ الجديد ويراوغون باستيعاب كتابات الطيّب صالح ويصوغونها بإفراط كمرجعيّة لكلّ أدب سودانيّ بَعده.

* أديب سوداني مولود في القاهرة ويعيش في فيينا... هل تتكامل أم تتصارع عناصر الهوية في تكوينك؟

- الهويّة تتبدّل كل لحظة باستيعاب المزيد من اللّغات أو المعارف أو القناعات، فهي لا تمحو قديماً لتنسخ جديداً، هي حاملة متغيّرات على أصل ثابت لا يتغيّر. الهويّة كائن حيّ يعيش ويتزوّد ويتلاقح ويتجدّد ليضيف ويُثبت وجوده الأصليّ وجذره الذي لا يفنى.

هويتي مكونة من عناصر متعدّدة لا تتعارض على الإطلاق، بل تضيف إلى جذر هوّيتي الثابت. الهوية الصماء المغلقة على نفسها التي لا تقبل التلاقح والانفتاح تتجه نحو العدم وإلى عدم القدرة على الإنتاج ولا حتى التفرد.

ميلادي في القاهرة ونشأتي منحاني نِعماً كثيرة. وجود الأب السوداني منحني بلداً كاملاً يمتزج بهوّيتي. فيينا درَستُ فيها وتخرّجتُ وعملتُ بجامعاتها الكبرى وعشت فيها لاثنتين وأربعين سنة وتزوجتُ من أهلها. أضاف كلّ ذلك لي ولهوُيتي التي أعتزّ بها.

إنها نِعمة كبيرة أن يكون للإنسان كلّ هذه الروافد الثقافيّة والإنسانيّة المؤتلفة، ثم يبحث فيها عن التناقض ويعزّزه فيشقى!

* كيف انعكست تجربتك الشخصية ما بين شمال وادي النيل وجنوبه، إلى جانب الحياة في الغرب، على تجربتك الإبداعية، فيما يتراءى لك؟

- بعد ربع قرن من الحياة في مصر انتقلتُ إلى النمسا وأقمتُ فيها حتى الآن (42 سنة)، حملتُ معي كلّ هذا الخزين الحياتي بحُلوه ومُرّه.

معرفتي العميقة بالحياة في النمسا سواء في فيينا أو في الريف كانت ضروريّة للحياة قبل الكتابة. كتبتُ عن النمسا من خلال معرفتي الوطيدة باللغة الألمانيّة وبالعادات والتقاليد وتحديداً النَّسَق الاجتماعي الوسط أوروبي، هذه المعرفة مكّنتني من الكتابة من كثب من الداخل عن الداخل.

كتبتُ بتفاصيل دقيقة عن أبطال وبطلات من عالمنا في الجنوب، عن أحوالهم هناك وعن انتقالهم إلى فيينا. ظهرت هذه الأصداء في رواياتي: في قصة حب في «بيت النخيل»، أيضاً في قصة علاقة مستحيلة، لكنها نجت ونجحت في «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، كتبت عن الفنان المضطهد في كلّ مكان عاش فيه في «وأطوف عارياً».

كذلك، كتبت عن غرائبيّة تحقق الأمنيات حين تأتي بالخطر والرعب في «لهو الإله الصغير»، في كلّ هذه الروايات ضَفّرتُ أفريقيا بأوروبا من خلال خبرة شخصيّة وتجربة فنيّة ضروريّة لكتابة الرواية، باختصار لا يمكن تجاوز تاريخ حياة الكاتب وتأثُّره بالبيئة عندما يكتب.

* أصداء العلاقة بين الشرق والغرب... كيف تسللت إلى نصوصك، وماذا كان عنوانها العريض برأيك؟

- تسلّلتْ العلاقة في نصوصي ببساطة «في» الشرق والغرب، وليس «بين» الشرق والغرب؛ فالعيش في النمسا لأكثر من أربعة عقود لا بد أن يأتي بحصيلته الفنيّة: عشتُ في وسط البلاد، حيث درَستُ بجامعة فيينا العريقة ثم درّستُ فيها.

كما عشتُ في شمالها، في مدينة كريمس وأقمتُ في بيتنا في الريف في أقصى الشمال، وكذلك أقمت في جنوبها. وبما أنهم يعدّونني كاتباً نمساويّاً نشطاً بينهم، منحوني وسام الجمهوريّة النمساويّة وعيّنوني سفيراً ثقافيّاً.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

ومنحوني منحة «إلياس كانتّي» الكبرى وجعلوني أمثّل النمسا في العديد من بلدان العالم وقدّموا لي الكثير غير ذلك.* تحاضر في ثلاث جامعات غربية في مجال شديد الجفاف هو الاقتصاد، وفق الانطباع السائد على الأقل، هل يتكامل التدريس الجامعي أم يتنافر مع تجربتك الإبداعية عموماً؟

- يظنّ أغلب الناس أن الاقتصاد مادّة جافّة لا علاقة لها بالأدب، في حين يرون أن مِهناً أخرى أكثر قرباً من الأدب أو أكثر جدارة أو قدرة على الكتابة فيه. أرى، على العكس، أن العلوم الاقتصادية من أقرب العلوم إلى الأدب، فهي قمّة التعامل العقلانيّ مع الموارد المحدودة أو السلع النادرة والقدرة على اتخاذ القرارات بعد تحليل دقيق من أجل إيجاد حلول لمشكلاتنا الاقتصادية. والاقتصاد يتضمّن مواضيع عديدة: من حروب واحتلال واحتكار وتسليح وفساد وأزمات بيئيّة وديكتاتوريّات ومصالح عالميّة شريرة... وغيرها، كلّ هذا يدخل بيسر من بوّابة الاقتصاد إلى ميدان الأدب.

الإلهام عبر الاقتصاد يتسلّل أيضاً بكل بساطة إلى حياتي كأديب، وإلى روحي كإنسان يحاول أن يفهم العالم ويكتبه. دراستي للاقتصاد في جامعة فيينا كانت في قسم فلسفة الاقتصاد، مع دراسة إلزاميّة موازية للعلوم الاجتماعية من أجل دراسة تعايش البشر وعلاقاتهم الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي والقوانين والأنماط التي تحكم الحياة المجتمعية ودراسة المعايير والقيم والأدوار والتفاعلات والتوقّعات التي تشكّل سلوكهم.

تخصّصتُ فيما بعد بموضوع «أخلاق الاقتصاد» وكتبتُ أطروحتي عن «نقل الأخلاق»، أظنُّ أنه ليس هناك ما هو أقرب من ذلك إلى الأدب.


الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر
TT

الجميلات يواجهن غزاة البحر

الجميلات يواجهن غزاة البحر

مدينة مصرية قديمة تحتشد بالجميلات القويات البارعات في الحفاظ على الحضارة، لكنهن يجدن أنفسهن فجأة في قلب مشهد كابوسي يبدو فيه كل ما شيدته أياديهن من أسباب للخلود مهدَّداً بسبب غزو قادم من البحر يهدد جميع فئات المجتمع بعواقب كارثية.

يفتتح الكاتب المصري مصطفى الشيمي أحداث روايته «آرو... تراتيل النار»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة، والذي يخالف النقوش الموجودة على نقوش معبد هابو، حيث خلّد النساخ كلمات رمسيس الثالث «وصلوا إلى الشاطئ لكن ذريتهم لم تفعل»، معلناً نهاية الغزاة من شعوب البحر، لكن على خلاف إرادة الفرعون تنجو امرأة غازية في بيت كاهن وتترك ذريتها على هذه الأرض.

يولد الطفل ميري بعينين مغلقتين وحواس خامدة فلا يدرك الحياة إلا حين تفتح أمه جفنيه بقطرتين من زيت التمساح ليجد نفسه المنوط به إحياء ديانة إخناتون ومجابهة فرعون وجنوده، ولا يملك في يده سوى معجزة واحدة هي صبغة الألوان.

من مستنقعات مدينة ثونيوس إلى معابد طيبة، تشق الرواية جسد مصر القديمة بتاريخها الممزوج بالأسطورة، وتتبع رحلة عائلة استثنائية على حافة زمن يتداعى وعالم توشك قواعده القديمة على السقوط، عبر لغة جزلة تتدفق بسلاسة وقدرة على التخييل لجعل القارئ يرى تفاصيل الأزمنة البعيدة بأنهارها ومعابدها وشخصياتها التي تجمع بين الصلابة والهشاشة في آن واحد.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان كل شيء يبدو مثالياً في مدينة (ثونيوس)، الضوء ينساب كالشلال على الوجوه وفي أول النهار، البيوت طينية مطلية بالأبيض ومسقوفة بالنخيل أو القصب من طابق أو عدة طوابق، مزينة بجداريات من حياة الفلاحين ومواسم الحصاد وصيد الأسماك.

فجأة دوّى صوت البوق من أحد أبراج المراقبة، وظل الجندي ينفخ فيه بلا توقف، مشيراً إلى البحر بجنون. لم يطل الغموض فعندما اقترب الجنود من مواقعهم على حافة الميناء رأوا ما رأى في قلب البحر: أسطول هائل من السفن لا تُرى ألوانها ولا تميّز أعلامها من بعيد، لكنها لم تكن سفناً تجارية لم يحتج أحد إلى تفسير إنه الغزو...

صاح قائد الجند:

- إنهم أبناء البحر!

ليست أول مرة يغزون مدن وادي النهر العظيم أو ممالك البحر الأخضر، سفنهم مصنوعة بهيئة ضيقة تساعدها على شق البحر بسرعة بالغة، إضافة إلى مجاديفها وأشرعتها القوية.(النص كاملاً على الموقع الإلكتروني)

داخل كل سفينة مجموعة من رماة الأسهم والرماح حتى السفن البيضاوية التي احتوت غالباً على النساء والأطفال والبضائع والحيوانات كانت قادرة على اصطياد السفن التجارية أيضاً. بداخلها نساء شرسات في القتال. التجار الذين فضَّلوا البقاء آمنين على الأرض راقبوا الجنود وهم يُغرقون سفنهم التجارية أمام أعينهم لاستعمالها متاريس حربية، دون أن يستطيعوا الاعتراض. الأمان والبقاء على قيد الحياة هو كل ما أرادوه، هل الأمان بالبقاء على هذه الأرض المنذرة بالفناء؟ أليس الهاربون المغامرون أكثر حكمة؟».


مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.