نقد الشعر... أين هو؟

نقاد هم في الحقيقة قراء لم يتزودوا بالعدة النظرية

نقد الشعر... أين هو؟
TT

نقد الشعر... أين هو؟

نقد الشعر... أين هو؟

لأفول نقد الشعر عندنا أسباب كثيرة، لا تقف عند حدود العملية الشعرية مما له علاقة بفورة الإبداع أو نضوبه وقوة المواهب أو ضعفها، بل تتعدى إلى النقاد أنفسهم وطبيعة قدراتهم في استيعاب المناهج ومواكبة جديدها والوعي بطبيعة تطبيقاتها، مؤدين وظائفهم النقدية في رصد النصوص الشعرية وتحليل بناها الداخلية والخارجية، مدركين موجهات القراءة وأساليب التصنيف وأطر التمثيل وعلاقة ذلك كله بأغراض الشاعر الذاتية والموضوعية في التعبير عن رؤية العالم.
وإذا أردنا تعداد أسباب الأفول؛ فإننا سنجد أن أكثرها وضوحاً وبروزاً هي تلك المتمثلة في غلبة الاهتمام بالنصوص الروائية والقصصية، لا بسبب الوقوف على النظريات السردية واستيعاب كل ما فيها من مفاهيم دقيقة ومصطلحات قارة، بل هي متاحات القراءة السردية نفسها التي تسمح لبعض القراء؛ لا سيما مدرسي الأدب والبلاغة الجامعيين وغير الجامعيين من الذين يجدون بغيتهم في قراءة روايات أو قصص ثم الكتابة عنها بأعمدة ومقالات انطباعية تُحسب على النقد وهي ليست منه، ويَحسَبون هم أنفسهم نقاداً بينما هم في الحقيقة قراء لم يتزودوا بالعدة النظرية، ولم يستندوا إلى منهجية معينة، اعتقاداً منهم أن الأمر لا يحتاج إلى الاعتماد على أي منظور أو مفهوم معين؛ بل هو اجترار ببغاوي لمفاهيم ومعلومات تحصلوا عليه من الوظيفة الجامعية، ظانين أن ألقابهم الأكاديمية كافية لجعلهم نقاداً للأدب، غير مقتنعين أن تدريس المناهج شيء وتطبيقها شيئاً آخر، فينكبون من ثم على التحليل بحسب أهوائهم وأمزجتهم، ملخصين أحداث الرواية أو القصة مسجلين بعض الانطباعات الشخصية السطحية والملاحظات الهامشية.
وبعكس هؤلاء النقاد الهواة، نجد نقاداً جادين يقفون عند القصائد الوقفة المطلوبة، أيا كان جنسها وطبيعة أغراضها؛ فيواجهونها مكتملي الأدوات متمتعين بذوق مثقف، ولديهم إمكانات تكفي لأن يكونوا نقاداً للشعر... بيد أن هذا النمط الجاد من النقاد يعزف - في الأغلب ـ عن نقد الشعر لعلمه أن نقد السرد أكثر حظوة بالاهتمام من لدن القراء ومن لدن وسائل النشر، ولأن نقد الشعر يستدعي جهازاً مفاهيمياً خاصاً... ولأن القصيدة لا تعين الناقد على تحليلها ما لم يكن مُعيناً هو نفسه بإضافة ما عنده من مفاهيم إليها بقصد المشاركة في إتمامها بالتفسير والتأويل والاستبطان فكاً لمغاليقها واستكناهاً لمخبوءات متنها.
ولا يعني تركيزنا على السبب أعلاه أننا نقلل من أهمية الأسباب الأخرى التي ساهمت في انزواء نقد الشعر وأفوله؛ وإنما هي الهيمنة التي صار السرد يتمتع بها بسبب جماهيرية موضوعاته التي لها علاقة بأحداث الساعة الساخنة، فضلاً عن محفزات أخرى؛ منها إعلامية ومنها ترجمية ومنها تسويقية حتى صار طبيعياً أن يكون نقدنا نقداً سردياً يتجه نحو الرواية بالدرجة الأولى ونحو القصة القصيرة بالدرجة الثانية.
ومع غياب نقد الشعر غدت القصيدة منسية ومنزوية ومقصية، فما الذي جعل القصيدة غير جاذبة للناقد العربي؟ ولماذا لم يعد هذا الناقد مكترثاً بقراءتها؟ ما الذي يريده من وراء انحيازه لقراءة السرد ونقده؟ ألأن تحليل الشعر يحتاج إلى الموهبة والدربة، أم لأن محدودية النص الشعري لا تسمح للقارئ بأن يستفيض في تلخيصه فيحجم من ثم عنه؟
لا نغالي إذا قلنا إن نقد الشعر ممارسة لا يتمكن منها من هو طارئ أو هاوٍ، على عكس نقد السرد الذي يمكن ممارسته من قبل الطارئين والهواة والغارقين في برك الإخوانيات والشللية أو الساعين إلى إعادة الفاعلية لألقابهم بعد فقدانها تلك الفاعلية بتقاعدهم من جامعاتهم.
وصحيح أن نقدنا ترك مهمة التقدير وحكم القيمة وتمسك بالرؤى الموضوعية والمنهجية العلمية التي جادت بها علينا النظرية البنيوية وما بعد البنيوية، بيد أن الانفتاح على الدراسات الثقافية كان قد سمح بتعدد المناهج من جانب والنكوص إلى مناهج عفا عليها الدرس النقدي كالمنهج الانطباعي من جانب آخر... الأمر الذي ساهم في ظهور طبقات من أنصاف النقاد أو من يمكن أن نسميهم «المتناقدين» الذين أساءوا فهم ماهية الدراسة الثقافية للنص الأدبي فضلاً عن فهم بعض النقاد هذه الماهية على أنها نقد ثقافي، وغالى بعضهم فراح يدعو إلى جعله بديلاً عن النقد الأدبي، متهماً الأخير بالموت بدعوى لا جدوى مناهجه العويصة ولا ضرورة لنظرياته الشائكة وما فيها من رطانة اصطلاحية... وهلم جرا من التقولات المتحاملة على النقد الأدبي وعلمية ميادينه.
ولا خلاف على أن النقد الثقافي هو نقد تغييب النصوص، بينما نقد الشعر يوجب التخندق عند جسد القصيدة عبر فحص كل خلية من خلاياها، وهو أمر لا يتأتى لكل مستطرق وطارئ على النقد أو عديم القدرة على الخوض في تفاصيل العملية الشعرية واستنباط جمالياتها.
إن الإشكالية إذن ليست في طبيعة النقد الأدبي كمناهج وموجهات وممارسات مفاهيمية واصطلاحية التي هي في العموم موضوعية في فرضياتها ودقيقة في تحصيلاتها، بل هي في اتخاذ النقد الثقافي تعلة عليها؛ يعلق القراء آمالهم في أن يكونوا نقاداً من جهة، ويدارون بها من جهة أخرى على خوائهم المنهجي وفقرهم العلمي وفراغهم النظري، محللين الروايات بحسب أهواء وأمزجة تطبيلية وتهليلية... صارت تسير بالنقد العربي الراهن مساراً خطيراً انزلق بسببه متحدراً ومتراجعاً نحو الانطباعية التي كانت أجيال من النقاد العرب قد بذلت جهوداً جبارة في التخلص من شرك الوقوع فيها حتى ساهمت بشكل فاعل في الانتقال بنقدنا نقلات نوعية أثرت في الناقد العربي ومدى أدائه وظيفته النقدية محللاً ومفسراً ومُؤولاً النصوص الأدبية، وقبل ذلك دقيقاً في انتقاء الملائم القرائي من هذه النصوص.
وإذ نعدُّ النقد الثقافي سبباً في انزواء نقد الشعر؛ فلأنه قلل من أهمية تحلي الناقد بالنظرية والمنهجية وشجَّع على لا جدوى المنهجية بأن وضع الانطباع محل المنهج ومنح الذاكرة مساحة، ومن ثم لم تعد قراءة القصيدة نقداً؛ إنما هي انطباع واستذكار. وإذا أردنا تصنيف الكتابات التي تسمى ثقافية وهي في الحقيقة انطباعية، فإننا سنصنفها في خانة تاريخ الأدب وليس النقد، لا لأن الناقد مؤرخ؛ وإنما هو الانطباع الذي به تسجل لحظة من لحظات التوثيق. والتوثيق والتسجيل فعلان لهما في الأرشفة مكان وموضع راسخان.
وإذا وقفنا عند نقد الشعر الذي يمارسه نقادنا المحترفون لوجدناه أيضاً قليلاً بالقياس إلى نقدهم الروائي والقصصي. وهم إذا نقدوا الشعر ركزوا على تجارب الشعراء الكبار من الرواد وما بعدهم وأهملوا تجارب شعراء آخرين بعيدين عن الأضواء وغير مكترثين بترويج شعرهم إعلامياً ولا مهتمين بلفت نظر النقاد إليهم. أما التجارب الشعرية الجديدة والفتية فلم تعد تلقى من النقد اهتماماً؛ سواء في الرصد والمتابعة، وفي غربلة المميز منها عن غيره.
وما يتعلق بنصوص الشعر نفسه التي صارت تتهافت من ناحية إيغالها في التهويم وتسطح محتواها؛ فإن له أسبابه أيضاً؛ منها ما هو كمي يتعلق بكثرة مدعي الشعر من المتكالبين على ترويج أسمائهم نقدياً، ومنها ما هو نوعي يتمثل فيما امتلكه الشعراء الكبار عرباً وأجانب من أبوة شعرية هيمنت على المشهد بالعموم فلم تدع مجالاً للكثرة من التجارب الشعرية الناضجة والناشئة بالظهور، أو لأن هذه التجارب هي بالأساس غير قادرة على تجاوز هذه الأبوة. وبسبب هذه الهيمنة الأبوية ترك بعض منهم كتابة الشعر واتجهوا يجربون حظهم في الرواية والقصة.
ومنها أيضاً فقر المرجعيات الثقافية لدى كثير من الشعراء الشباب؛ فلا هم يثقفون مواهبهم بالقراءة في الشعر العربي القديم وكلاسيكيات الشعر العالمي، ولا هم يعنون بإتقان لغات أخرى بها يتمكنون من مواكبة آخر التيارات والمدارس في كتابة الشعر، فضلاً عن جهل كثير منهم خصائص كتابة قصيدة النثر وطبيعة أنواعها وتقاناتها. وهو ما أدى بهم بشكل أو بآخر إلى كتابة السرد من دون أن يكونوا قاصدين إلى ذلك قصداً.
ومن الأسباب أيضاً النشاطات الثقافية المهتمة بالرواية، كالمؤتمرات والحلقات الدراسية والجوائز والمسابقات الأدبية - والتي كان لها دور غير مباشر في انحسار العناية بالنتاجات الشعرية... علماً بأن أي اهتمام ثقافي بالشعر إنما يكون في الغالب محصوراً وبشكل ملحوظ في قصيدة النثر والأنواع الجديدة المستحدثة كالومضة والهايكو والنص التفاعلي.
وإذا وقفنا عند المجلات وما صارت تعده في مناسبات معينة من ملفات شعرية أغلبها مخصص للكبار من الشعراء الراحلين، ثم وقفنا عند الصحافة الثقافية التي تنشر في العادة النصوص القصصية القصيرة والقصيرة جداً والمقالات الناقدة لها، فسندرك حجم التحيز للسرد على حساب الشعر ونقده.
إن ما يعانيه الشعر من ضائقة قرائية معها تقلصت مساحات نقده وقلَّ نقاده، يجعلنا أمام حاجة ماسة لإعادة الاعتبار لنقد الشعر بمختلف أجناسه، لا سيما إذا تذكرنا أن نشأة النقد العربي الحديث كانت قد انبنت على دراسة النصوص الشعرية قديمها وجديدها. وقد واصل النقد المعاصر المنوال نفسه، فعرفنا نقاداً مرموقين في نقد الشعر بأجناسه العمودية والتفعيلية والنثرية؛ نذكر مثلاً كمال أبو ديب وعبد السلام المسدي ومحمد بنيس وعبد الجبار عباس وعبد الجبار البصري وفاضل ثامر وحاتم الصكر وطراد الكبيسي ومحسن اطيمش ومالك المطلبي... كما أن من الضروري الاهتمام بالتجارب الشعرية الراهنة بالبحث عنها والتأشير على مستوياتها في التجريب الشعري وبما يضفي على شعرنا مسارات جديدة. ومن دون وجود نقد شعري، فلن يترسخ مسار القصيدة العربية الراهنة، وفي ذلك دليل على قصور النقد وعجزه عن القيام بما هو منوط به من مهام.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.