أفلاطون أم أرسطو؟

تقليدان فلسفيان قديمان في عالم حديث

أرسطو
أرسطو
TT

أفلاطون أم أرسطو؟

أرسطو
أرسطو

لا أرى في السؤال الذي ينطوي عليه عنوان هذه المادّة رغبة عابرة في معرفة التوجّه الفلسفي لكلّ واحد منّا بقدر ما أحسبهُ سؤالاً يكشف جوابه الكثير من الخصائص الفكرية للفرد وطريقة رؤيته للحياة والأشياء والصيرورات العديدة في هذا العالم. يمكن - مثلاً - الاستشهاد بأحد كبار علماء الذكاء الصناعي والحوسبة الكمومية، ديفيد دويتش، الذي يرى أنّ مقاربتنا الفلسفية (أي بمعنى أدقّ: هل نعتمدُ مقاربة فلسفية أفلاطونية أم أرسطوية؟) هي التي ستفكّ مغاليق الذكاء الصناعي في نهاية المطاف، وهذا دليلٌ لا تعوزه مصداقية إضافية - كما أرى - في تأكيد أهمية رؤيتنا الفلسفية للعالم. هذه الموضوعة ذات أهمية حقيقية، عملية وفكرية معاً، وليست محض لعبة ذهنية يرادُ منها تعضيد موقف فلسفي في مواجهة موقف فلسفي آخر، كما تؤكّدُ هذه الموضوعة الأهمية الاستراتيجية لدراسة الفلسفة وتأريخها منذ وقت مبكّر في حياتنا.
لطالما سادت المقاربة الأفلاطونية في المساءلة الفلسفية تأريخ الفلسفة، وقد لوحظت سيادة هذا النمط الفلسفي في القرن السابع عشر وبخاصة في عصر عقلانية ديكارت ولايبنتز وسبينوزا ؛ لكنه ساد أيضاً في القرن العشرين وبخاصة مع تنامي النزعة المنطقية Logicism لبرتراند رسل الذي سعى بالاشتراك مع الفيلسوف ألفرد نورث وايتهد لإقامة المنطق والرياضيات على أسس رياضياتية صارمة. في المقابل، وجدت المقاربة السقراطية صدى لها عبر القرون وبخاصة في القرن الثامن عشر، حيث سادت التجريبية البريطانية التي قاد لواءها كلٌّ من جون لوك، الأسقف بيركلي، وديفيد هيوم، إلى جانب النزعة البراغماتية Pragmatism التي تسيّدت الفلسفة الأميركية في القرن التاسع عشر، وكان فرسانها جون ديوي، تشارلس ساندرس بيرس، وويليام جيمس.
هذان المزاجان الفلسفيان يمكن التمييز بينهما بدقة معقولة وفقاً للمرجعيات التالية:
أولاً: تركّز المقاربة الأفلاطونية على مبادئ تجريدية شاملة ؛ في حين تركّز المقاربة السقراطية على مبادئ محدّدة خاصة مستمدّة من العالم الواقعي ومحكومة به.
ثانياً: يسعى الأفلاطونيون إلى أسس المعرفة الآمنة غير المتحوّلة (عالم المُثُل الأفلاطونية) في حين يقبل السقراطيّون بأنّ مثل هذه الأسس هي - من المؤكّد تقريباً - عصية على البشر.
ثالثاً: يميل الأفلاطونيون لرؤية أي عنصر نقص أو عدم دقة مكتملة على أنه عنصر سيطيحُ بالنظام كله؛ في حين يعضّد السقراطيون عناصر الغموض والفوضى إلى الحد الذي يجعل منهما عناصر مناسبة لمعرفة أي موضوع في العالم الواقعي (ميكانيك الكم دليلاً).
لكن رغم وجود تمايزات أساسية وواضحة بين هذين المزاجين الفلسفيين فهناك دوماً خطرٌ قائم يواجه الفلسفة يتمثّلُ في أننا عندما نصنّفُ المفكّرين في مدارس فلسفية مختلفة فإننا نُعلي من شأن الاختلافات بين هاتين المقاربتين الفلسفيتين. ليس ثمة أحدٌ من المفكّرين الفلاسفة العِظام يتطابق كلياً مع القالب النمطي الذي تصفه توصيفات تعريفية على شاكلة: فيلسوف أفلاطوني «عقلاني» أو سقراطي «تجريبي». قد يكون أفلاطون طمح لبلوغ صرامة ويقينية المعرفة التي توفّرها الأشكال «الأفلاطونية»؛ لكنّ سقراط في محاوراته «السقراطية» لا يبلغ أبداً مثل هذا الحافات النهائية من المعرفة، والنتيجة هي أنّ سقراط لا ينفكّ يذكّرنا دوماً بالحدود المفروضة على معرفتنا، ويشجّعنا في الوقت ذاته على العيش مع معتقدات تبقى أقلّ من معرفة يقينية. لطالما تمّ تصوير سقراط على أنه الرجل الأكثر حكمة في أثينا لأنّ الشيء الوحيد الذي عرفه بيقينية كاملة هو أنه لا يعرف أي شيء بصورة مؤكدة باستثناء معرفته بعدم قدرته على بلوغ مرتبة المعرفة اليقينية بالأشياء.
وماذا عن أرسطو وهو الهرم الثالث في المثلث الفلسفي (سقراط - أفلاطون - أرسطو) ؟ يعدُّ أرسطو الوريث الشرعي للتراث الفلسفي السقراطي؛ ولكن برغم هذا ليس صحيحاً القولُ بأنّ أرسطو رفض كلّ المناهج الأفلاطونية. إنّ واحدة من أعظم مساهمات أرسطو الفلسفية حقاً كانت في الارتقاء بالمنطق الذي يتأسّسُ على مبادئ تجريدية، والذي يخلو من أي محتوى يرتبط بوقائع مادية أو تجريبية. الفرق بين أفلاطون وأرسطو (وكذلك المفكّرين الذين أعقبوهما) يكمن في الأهمية النسبية التي يقرنها كل مفكّر فيهم مع منهج المساءلة القَبْلية (أي الرياضياتية) أو البَعْدية (أي التجريبية): يميلُ المفكّر العقلاني الأفلاطوني أكثر من سواه نحو السعي وراء اليقينية والدقة الرياضياتية؛ في حين يتوقّع المفكّر التجريبي السقراطي الكثير من الغموض واللايقينية والمناطق الرمادية المشتركة من المعرفة. لا يعني هذا الأمر بأي شكل من الأشكال أنّ المفكّر التجريبي يمتلك رؤية غامضة أو غير دقيقة تجاه الرياضيات، مثلما لا يعني هذا الأمر أنّ المفكّر العقلاني يؤكّدُ دوماً أنّ كل فرق بين المنهجيْن الأفلاطوني والأرسطوي يجب أن يكون فرقاً واضحاً، وصارماً من غير تداخلات بينية بينهما.
هنا من المهمّ أن نتساءل: ما تأثيرُ هاتين المقاربتين الفلسفيتين على موضوعة الأبستمولوجيا (أصل المعرفة)؟ يجب منذ البدء أن يكون واضحاً أننا عندما نتوغّل في مبحث المعرفة سنُقابلُ أصنافاً مختلفة من النظريات، والأمر كله مرهونٌ في نهاية المطاف هل نعتمد مقاربة أفلاطونية أم أرسطوية في رؤيتنا الفلسفية؛ ومن هنا الأهمية الحاسمة لهاتين المقاربتين الفلسفيتين القديمتين في النظرية الحديثة للمعرفة. تحثّنا المقاربة الأفلاطونية على التمييز الصارم بين المعرفة Knowledge والاعتقاد Belief على أساس أنّ معرفة شيء ما ليست بالأمر الذي يكفي ليكون ذلك الشيء حقيقياً؛ إذ يجب في نهاية الأمر أن نتحصّل على ضمانة guarantee بأن يكون ذلك الشيء حقيقياً. الاعتقاد، وعلى العكس من المعرفة، يفتقد الإثبات أو التسويغ الكافي. يحثنا هذا الفارق بين الحقيقة والمعرفة على توصيف الكيفية التي بها يمكن تعريف المعرفة.
لكن على كل حال تبدو الأشياء مختلفة عن بعضها تماماً تبعاً للمنظور الأرسطوي. الفارق بين المعرفة والاعتقاد هو على الأغلب مسألة فرق في التمايز النسبي وليس فرقاً مطلقاً: كلّما استطعنا إقامة معتقداتنا على أسس صلبة سيكون من المسوّغ أكثر الإشارة إلى هذه المعتقدات باعتبارها تنطوي على معرفة؛ لكن ليس ثمة من معتقد مؤكّد لنا بما يكفي لكي ندّعي احتواءه على 100 في المائة من المعرفة، ويعود الأمر وراء ذلك - جزئياً - إلى عدم وجود أساس من الشواهد القوية في العالم تكفي لإسناد ودعم كلّ معتقداتنا. هكذا تعمل المقاربة الأرسطوية: بدلاً من تبديد الجهود في محاولات عبثية لبلوغ أسس قوية تسند معتقداتنا يكون من الأجدى والأفضل التركيز على كيفية جعل معتقداتنا تدعم بعضها وتتناغم مع المعطيات التي يقدّمها العالم المادي (أي تطابق المعتقدات مع المعطيات الاختبارية الواقعية).
يوجد انشقاق واضح أيضاً يكشف عن حاله بطريقة لا تخفى بين المقاربتين الأفلاطونية والأرسطوية تجاه الحقيقة. يريد المزاج الأفلاطوني إقامة «الحقيقة» باعتبارها أمراً واضحاً، مؤكّداً، وقابلاً للمعرفة، ويسعى هذا المزاج بخاصة نحو الحقائق (الخالدة) المستقلة عن الزمان والمكان: حقائق المنطق والرياضيات التي تبقى صحيحة إلى الأبد. البديل الأرسطوي يرى أنّ بعض الأشياء حقيقية أكثر من غيرها؛ لكن ليس سوى بضعة أشياء، أو ربما لا شيء أبداً، يحوز مرتبة أن يكون حقيقة أبدية خالدة وغير متغيّرة. الكينونات المرشّحة أفضل من سواها لكي تكون حقائق أبدية خالدة وغير متغيرة تبعاً للمقاربة الأرسطوية هي كينوناتٌ مماثلة لمكانة حقائق الرياضيات والمنطق في المقاربة الأفلاطونية.
تشغلُ هذه الموضوعات أهمية عظمى وبخاصة في عصرنا الحاضر (عصر ما بعد الحقيقة Post – Truth) لأنه صار عصراً تسوده نزعة شكوكية Skepticism عميقة بشأن كلّ من الحقيقة والمعرفة. صار من الأمور الجمعية الشائعة في أوساطنا المجتمعية العامة سماعُ بعض الناس يقولون «ما هو حقيقي بالنسبة لي قد لا يكون حقيقياً بالنسبة لآخرين» ، وهنا «الآخرون» قد يكونون أناساً من زمان آخر، أو مكان آخر، أو جماعة دينية أو سياسية تختلف عنّا، وفي الوقت الذي قد يَقْبَلُ فيه الناس أنّ الخبراء يحوزون بعضاً من المعرفة فثمة ميلٌ متزايد للقول إننا - كبشر - نحوز آراء مختلفة، وإننا نمتلك قدرة متكافئة على حيازة أي آراء - مهما تباينت - تجاه معظم الأشياء التي نحسبها مهمة ومؤثرة في تشكيل حياتنا وطريقة تفكيرنا.
بالعودة إلى سؤال البداية، يمكن القولُ: نحنُ كائنات أفلاطونية وأرسطوية بنسبٍ مختلفة تعتمدُ على ميولنا المعرفية (هل هي رياضياتية أم تجريبية)، وسيكون السعي لبلوغ كائن أرسطوي خالص أو أفلاطوني خالص نوعاً من المسعى اليوتوبي الذي قد يثيرُ فينا نوعاً من أحلام التخييل اللذيذة التي باتت تضيق مدياتها أمام البشر.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».