كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي

مارس التمثيل والتصوير الفوتوغرافي وأخذ عن أمه مهارة الحكواتي

كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي
TT

كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي

كواليس الحياة اليومية للروائي الراحل جبور الدويهي

شخصية الروائي الراحل جبور الدويهي البعيدة عن الاستعراضية، أبقت حميمياته متوارية عن عيون القراء، ممارسته الكتابة بخفر من دون كثير جلبة، جعلت رواياته هي المتداولة فيما بقيت المقابلات معه قليلة، وبوحه شحيح. لكن لجبور شخصية تستحق أن تروى، هو في حياته كما في كتاباته له مسار متشعب ومركّب يشبه لبنان نفسه. مما لا نعرفه عن جبور حبه للسينما وعلاقته بالمسرح وتعلقه بالتصوير الفوتوغرافي، قبل أن يصبح روائياً، ثم لجوئه للصور كمصدر بحثي في كتابة رواياته، وأشياء كثيرة أخرى تكشف للمرة الأولى.
هذا ما أتاحه لنا الشاعر والأستاذ الجامعي فوزي يمين، الذي التقى بجبور الدويهي وهو في عشريناته، وربطته به صداقة، حيث تعرّف معه على المسرح والسينما والحياة الثقافية في بيروت، ثم صاهره وبقي قريباً منه بحكم الرباط العائلي.
نبدأ مع د. يمين من الرواية الأخيرة لجبور الدويهي «سمّ في الهواء» التي تزامنت كتابتها مع مرضه، وصدرت قبل فترة قصيرة من وفاته. يروي لنا «كيف كان جبور يستعجل صدورها، ويحثّ الناشر على الإسراع. وحين كان لا يتمكن من الاتصال به بسبب الإنهاك، يطلب إلى أحد أفراد العائلة أن يفعل ذلك. أحب أن يراها قبل أن يغادر. وهذا ما حدث. فقد تسلم نسخاً منها وأرسلها إلى الأصدقاء، ثم رحل».
قبل سنتين بدأ جبور يشعر أن ثمة ما هو غريب. يصاب بالهزال رغم أنه يأكل كالمعتاد. «كان قد بدأ في كتابة (سمّ في الهواء). يذهب إلى المقهى في إهدن ليكتب ويحدثنا عنها. لم يوقفه القلق، حين عرف أنه يعاني من مشاكل في الدم، واصل بإصرار متخطياً كل الظروف، مستفيداً من هدنة يأخذها من الألم بين فترة وأخرى، إلى أن وضع النقطة الأخيرة». الشخصية الرئيسية في رواية «سمّ في الهواء» تتنقل بين طرابلس وزغرتا وبيروت. حكاية رجل يحب الأدب، ويعيش مع أهله، ويختار في آخر الرواية العزلة والاختفاء. «جبور أيضاً في السنتين الأخيرتين كان قد عزله المرض، وداهمت (كورونا) العالم، وفرضت عليه حجراً على حجر. كان ماركسياً هو الآخر كما بطله، ومن جيل تحطمت أحلامه الكبيرة، ووصل كما راوي الحكاية وبطلها إلى خاتمة عبثية».
جبور كان يكتب يومياً من التاسعة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً، ثم يتوقف. هذه هي أوقات العمل الفعلية لديه. كل أعماله أنجزت صباحاً، أما بعد الظهر، فلا يكلّ من سماع الأخبار. «التلفزيون مفتوح طوال الوقت. يريد أن يعرف تفاصيل التفاصيل عما يحدث خاصة في لبنان وفرنسا. كان متابعاً حثيثاً لما يحدث هناك، ومعني أحياناً بدقائق مواضيع لا تخطر على بال. حين يكتب يفضل أن يكون محاطاً بالناس. يؤلف وهو يجالسنا، وصوت التلفزيون يلعلع، لا مشكلة لديه في ذلك. لا نعرف عنه أبداً أنه أغلق غرفته وعزل نفسه ليكتب. هو بحاجة إلى خلفية حية كي تأتيه الأفكار، خلفية فيها حرارة الحياة. في نفس الوقت هو رجل طقوس. يحب أن يكون لأيامه إيقاع ينظمها. فبعد الكتابة الصباحية وسماع الأخبار وقيلولة بعد الظهر، لا بد من لعب الورق، ذاك موعد ثابت لا يمكن تجاوزه ولا تأجيله، ومن بعده قد يلبي دعوة عشاء أو لقاء مسائي مع الأصدقاء».
إذا كان جبور الدويهي حكواتياً بارعاً، فذلك بفضل والدته ماريا، التي فارقت الحياة قبله بعشرة أشهر، عن عمر ناهز المائة عام. «بقيت المرأة فتية وحكّاءة، تروي دون كلل، وعنها أخذ مهارة القصّ. هي خزّان إرثه الشفهي النابض بالحكايات. وقد اشتغل جيداً على هذا الجانب، ونحته بوع تام منه. جلساته مع الأصدقاء، قربه من الناس وتفاصيلهم، كانت كلها غذاء لرواياته. اجتماعي حتى الثمالة، يجالس أشخاصاً من مختلف الأجيال والطبقات، لأنه كان بحاجة للاستماع»، يقول يمين. «ثم أي ذاكرة كانت له! إذا ما سمع قصة، يرويها لك بكامل تفاصيلها، ولو بعد مضي سنين. هذه مقدرة رهيبة. ذهنه مكتنز بالقصص والذكريات العفيّة، وله قدرة على التنقل بينها، ومزجها والخروج من قصة للدخول في أخرى. هذا سره ومفتاحه. له مقدرة فائقة على التخزين وإعادة الإنتاج على طريقته الروائية». ذاكرة جبور ليست سمعية فقط، بل بصرية كذلك. هو ابن المسرح والسينما. لهذا يضيف يمين: «جبور كان بالفعل كاتب الحياة اليومية اللبنانية، لأن أدبه مطعم بشعبية المجتمع، بالعادات والتقاليد. علاقته متينة بجذوره، وعلى دراية بالتاريخ، يتعامل معه بليونة وبقدر عالٍ من التخييل، ليأتي بفسيفساء، ليست بعيدة عن الفسيفساء اللبنانية. كأنه يدخل ما يعرفه في قناة، ويخرجه من جهة ثانية بعد أن يغربله ويصفيه ويضيف إليه نكهته الخاصة». عشقه كان ماركيز «أعجب بمهارته في المزج بين الواقع والخيال، وتحركه بين هذين العالمين بسلاسة مغرية».
قيل الكثير عن دور المكان في روايات جبور الدويهي. في «ريا النهر» كتب عن نهر المرداشية الذي يعرفه جيداً، حيث كان يرتاد مقاهي تلك المنطقة ويكتب هناك. وقبل أن يشرع في «حي الأميركان» وهو حي موجود في منطقة القبة في طرابلس، ويعرفه بدرجة أقل، استعان بأحد أصدقائه الطرابلسيين، وزاره بصحبته أكثر من مرة، كي يتعرف إليه عن كثب. أما «عين وردة» يقول يمين، فهي «حكاية بيت لفت جبور يوم كان طفلاً في الخمسينات، موجود على (تلة الخازن) قرب زغرتا، كانت تسكنه عائلة برجوازية تأتي من بيروت، وتقيم الحفلات الراقية التي تفتن الأهالي. لكن سرعان ما هجرت العائلة البيت».
قال جبور مرة: «المكان هو البطل، الأمكنة أساس، وكل أقدار العالم تدور حولها». وهي دائماً عند جبور موجودة على مفترق. في رواياته يتقاطع الريف مع المدينة، ويتقاطع المهاجر مع المقيم. «كان يفعل ذلك واعياً، ومدركاً، وليس صدفة. فهو من الذين اشتغلوا بشكل كبير على المجاز»، يشرح د. يمين.
ما لا يعلمه كثيرون أن هذا الروائي المغروم بالتاريخ كان عاشقاً للصور القديمة، يجمعها، يؤرشفها، يعود إليها ليتأملها وهو يعيد ترتيب عوالمه الروائية. «هي جزء من مصادر الوحي التي كان يركن إليها. بل هي أرشيف معلومات يستند إليه، ويجد فيها الكادر الزمني الذي تدور الأحداث ضمنه». يكمل دكتور يمين: «التصوير الفوتوغرافي أساساً هو هواية قديمة لجبور. مارسها باكراً وأحبها. الصورة بالنسبة له، شديدة الأهمية. سواء التقطها، أو اقتناها وأضافها إلى مجموعته. هذا غير البحث في الكتب القديمة التي تعني بتاريخ الأمكنة، وكان أيضاً يقتنيها ويعود إليها لتغذية الرواية. على أي حال، عمله على تاريخ الأمكنة جاء امتداداً لاهتمام مبكر، منذ كان يحضّر الدكتوراه عن أدب المستشرقين الذين اهتموا بجبل لبنان».
لم يتوقف صاحب «مطر حزيران» عن شراء الكتب، كانت في غالبيتها فرنسية. فهو من النوع الذي يقرأ بسرعة كبيرة. ومن ملاحظته بعد قراءة عشرات الروايات أنه وجد غالبيتها، إلا ما ندر تختتم بنهايات بائسة. هذه الخلاصة قد تفسر الحزن الشفيف الذي يغلف نصوصه كلها.
في مطلع شبابه، في ستينات القرن الماضي، انضم جبور الدويهي إلى «حركة الشباب الزغرتاوي»، حركة يسارية شيوعية ملتزمة بالنضال الفلسطيني، تطالب بحقوق اجتماعية. ثم ذهب طالباً جامعياً إلى بيروت كما بقية رفاقه في الحركة، انضم إلى الحزب الشيوعي اللبناني، وحلم كما أبناء جيله بالعدالة والتغيير. ثم سافر إلى فرنسا ونال شهادة الدكتوراه، وحين عاد كانت الحرب الأهلية في انتظاره.
ذلك لم يمنعه من الانخراط في المسرح. أسس مع سيمون قندلفت وجان هاشم، ومثقفين آخرين «فرقة الديوان» المسرحية في زغرتا. قدموا أربع مسرحيات «مهاجر بريسبان» و«حكاية فاسكو» لجورج شحاده، «عرس الدم» للوركا و«الملك يموت» ليوجين يونيسكو. شارك جبور بحرارة في هذه التجربة مترجماً من الفرنسية إلى العامية اللبنانية وممثل عرف تجربة الوقوف على الخشبة. وقعت «مجزرة البحصاص» في طرابلس عام 1983 التي راح ضحيتها عدد من الشبان الزغرتاويين، بينهم الدينامو الفني للفرقة بيار فرشخ، لينتهي الحلم المسرحي. «هذا ما يفسر وجود شيء من روح المسرح في روايات جبور، بقي المسرح حاضراً في أعماله، ولم يغب أبداً»، يعقب فوزي يمين.
إلى جانب المسرح شارك جبور في تأسيس نادٍ للسينما عرض أفلاماً منتقاة من جنسيات مختلفة، وفتح المجال للحوار حول ما يعرض. يذكر د. يمين أنه كان لا يزال في العشرين حين حضر فيلماً يابانياً لأول مرة في حياته في هذا النادي، الذي كان لجبور فضل في تأسيسه.
كانت زغرتا، في تلك الفترة من الحرب الأهلية، التي نشط فيها جبور، مزدهرة اقتصادياً وثقافياً. فبسبب مجزرة إهدن التي وقعت عام 1978. خشي الزغرتاويون في كل من طرابلس وبيروت على حياتهم، وعادوا إلى بلدتهم طلباً للأمان وبينهم تجار وأدباء وفنانون، وأطلقوا المبادرات في منطقتهم.
بدأ جبور الدويهي الكتابة بالفرنسية، وبقي يكتب بها مقالاته الصحافية التي ثابر عليها. لكنه لحظ أن مواضيع روايته، يعبر عنها أفضل باللغة العربية، لأنها تحكي قصصاً محلية. تطورت جملته، واشتغل على أسلوبه. بدأ بـ«اعتدال الخريف»، التي تنقل جانباً من نشأته الأولى. هي أشبه بأوتوبورتريه. «مطر حزيران» جاءت أطول، وفيها نفس ملحمي. لم تكن عربية جبور ضعيفة يوماً. كان في الأصل قادراً على الكتابة باللغتين. حين يعرض نصوصه على أصدقائه قبل النشر، على جري عادته، يأخذ عليه بعضهم تلك التراكيب اللغوية التي تسربت إلى أسلوبه من الفرنسية. يعلّق د. يمين: «لكنني أرى هذا التطعيم قد تحول إلى ميزة في أسلوبه الروائي».
لم يندم أنه كتب الرواية متأخراً، ذلك سمح له ألا يأسف على كتاب نشره. يضيف يمين: «كان قد كتب أشياء مبكره، ولم ينشرها. ربما لم يجد الوقت لذلك. بعد تقاعده من التعليم الجامعي، صارت الفسحة أكبر. فهو من الصنف الذي يأخذه اللهو ويركن إلى الكسل. لعله لم يكن يأخذ نفسه كروائي على محمل الجد. تصرف كهاوٍ لفترة طويلة، إنما لحسن الحظ، وثق بعد ذلك أكثر بأهمية ما يفعل. وكان ذلك مفيداً جداً لتطوره الأدبي».
جبور الدويهي



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.