سوريا في العام الخامس لـ«الثورة»: كيانات مسلحة تعكس تنامي العصبيات القومية والمذهبية

معارضون يحملون النظام مسؤولية «عسكرة» الثورة وبروز التشدد

صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

سوريا في العام الخامس لـ«الثورة»: كيانات مسلحة تعكس تنامي العصبيات القومية والمذهبية

صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)

تحل يوم غد الأحد الذكرى الرابعة لاندلاع الأزمة السورية. بعد أن بدأت ثورة سلمية انطلقت شرارتها في احتجاجات فيما سمي «يوم الغضب السوري» حين خرجت مظاهرة حاشدة في دمشق القديمة. وخلال أيام، انتشرت المظاهرات السلمية المطالبة بحفظ حقوق السوريين وهتافات من أجل «الحرية». إلا أن النظام السوري رد على المظاهرات بالقوة المفرطة، مما أدى إلى حمل مجموعات سورية مختلفة السلاح. وخلال السنوات الأربع الماضية، تشعبت الأطراف المسلحة، الرافضة للنظام السوري والداعمة له، لتصبح الأزمة اليوم أقرب إلى حرب استنزاف بين الأطراف المتحاربة. ومع دخول الأزمة عامها الخامس غدا، لا حلول مطروحة لإنهاء القتال في المستقبل المنظور.

لم يبقَ من مشهدية «الثورة السورية» التي بدأت بالخروج إلى شوارع مدن البلاد في مارس (آذار) 2011، بعد 4 سنوات، إلا بلدة كفر نبل في إدلب.
لا يزال الناشطون فيها يتمتعون بالقدرة على الخروج بمظاهرات ومسيرات مندّدة بالقتل، سواء أكان مصدره نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أم التنظيمات المتشددة.. ويحتفظ سكانها بقدرتهم على إنتاج رسوم وتخطيط شعارات ولافتات، تدين وتتضامن، كما في الشهر الأول من الأزمة.
غير أن السواد الأعظم من المدن السورية التي دأبت، لمدة سنتين على الأقل، على الخروج بمسيرات احتجاجية سلمية، توقفت عن ذلك، حين خطت شعار «مالنا غيرك يا ألله». فالثورة السلمية، التي شابهت كثيرا الثورة المصرية أو الليبية أو التونسية، تعرّضت لانتكاسة كبيرة تضاعفت على مرحلتين في أعقاب تصدّي النظام لها بالسلاح الحي: المرحلة الأولى عسكرتها، والمرحلة الثانية «أرهبتها» - أي وصمها بالإرهاب - وذلك بعد طغيان مشهد المتشددين عليها، وظهور كيانات «إرهابية» فيها مثل «جبهة النصرة» و«داعش».
لقد باتت سوريا، بعد مرور 4 سنوات كاملة على الأزمة، منقسمة إلى 5 مكونات مسلحة: أولها القوات الحكومية السورية وحلفاؤها، وثانيها تنظيم «داعش»، وثالثها تنظيم «جبهة النصرة» (وهو ذراع تنظيم القاعدة في سوريا)، ورابعها فصائل الجيش السوري الحر المتشرذمة، وخامسها القوات الكردية. وتتقاسم هذه المكونات السيطرة على كيانات الجغرافيا المتشظّية، بعد مقتل ما بين 200 و350 ألف شخص.
المعارضة السورية تقرّ بانتكاسة الحراك الثوري المدني والسلمي، محملة النظام الجزء الأكبر من مسؤولية «عسكرة» الثورة عبر «استدراج الثوار إلى حمل السلاح». ويقول الدكتور نجيب الغضبان، ممثل «الائتلاف الوطني السوري» المعارض في واشنطن لـ«الشرق الأوسط»، إن بداية مخطط إحباط الحراك السلمي كانت في تصريحات الأسد نفسه بعد نحو شهر على انطلاق الثورة بشكلها المدني والسلمي، وزعمه أنه «يواجه عصابات مسلحة وإمارات إسلامية»، لتعقبها تصريحات مساعدته بثينة شعبان، بالقول إن الحراك «طائفي». ويوضح الغضبان أن «عسكرة الثورة كانت نتيجة للقمع المتواصل، إذ لم يتوقف القتل ولو ليوم واحد طوال 7 أشهر، في ظل تزايد الاحتجاجات». وأشار إلى أن الشعب «وصل إلى درجة ما عاد يحتمل معها التعامل معه بالقتل، فبدأ البحث عن بدائل للمواجهة والدفاع عن نفسه». وأردف أن الاتجاه إلى العسكرة تعزز «بعد بروز انشقاقات من الجيش، خرج معها من صفوف المؤسسة العسكرية أبناء البلد الذين أجبروا على إطلاق النار على إخوانهم.. ومن ثم اتجهوا إلى المقلب الآخر للدفاع عن المحتجّين».
ويوضح الدكتور الغضبان في حديثه «أن العسكرة لم تكن صعبة، لأن درجة التحمّل عند البشر قليلة. لقد راقب السوريون عجز المجتمع الدولي عن الاستجابة لمطالبهم بالحماية على غرار التدخل في ليبيا، وعندها لم يتردد السوريون في استخدام السلاح لأنهم وجدوا أنفسهم أمام وحشية في الرد من قبل النظام، باستخدام المدفعية أو القنص أو إطلاق النار»، لكن الغضبان يشدد على «أننا كحركة سياسية، كنا وما زلنا نعتقد أن الخيار السلمي كان أساسيا».
من جهة ثانية، يصرّ المعارضون السوريون على تأكيد أن تعمّد النظام استخدام الحل الأمني كان دافعا لجرّ الحراك المدني إلى العسكرة، كذلك كانت «مساهمة النظام في خلق الظاهرة المتطرفة عبر إطلاق سراح المتطرفين المعتقلين في سجونه، وكان بعض هؤلاء من صنيعة النظام نفسه، وإذ كان قد صنعهم للقتال ضد القوات الأميركية في العراق، في حين كان يُقتل الناشطون المدنيون تحت التعذيب في سجونه». ووفق الغضبان فإن «النظام يمتلك خبرة واسعة بالتعاطي مع المتشدّدين، كونه كان يدرّبهم ويجهّزهم للقتال في العراق خلال العامين 2004 و2005 قبل أن يتحوّل هؤلاء أنفسهم، بدءا من عام 2012، إلى قياديين في (النصرة) ولاحقا (داعش)..».
غير أن النظام وحده لم يكن مسؤولا عن تنامي ظاهرة التطرف، و«أرهبة» الثورة، كما يستدرك الغضبان، لأن «تنامي القمع وتصاعده في ظل عجز دولي عن الحماية أجبر السوريين على التحول إلى من يحميهم بعد إعلانهم شعار «مالنا غيرك يا ألله». ويتابع موضحا: «لقد وفرت تلك الجماعات كل الامتيازات والتسهيلات التي تجذب المعتدلين والثوار إليها». ويضيف: «الشعب لم يعُد يفكر بعقليات سياسية وفق منظومة فكرية محدّدة، بل بعقلية الدفاع عن نفسه، ووجد تلك الميزات في جماعات متطرّفة تمتلك التمويل والخبرات بالقتال»، مشيرا إلى أن «كثيرين لم يندمجوا في تلك الجماعات بدافع آيديولوجي، بل بدافع الحاجة». أما العامل الآيديولوجي، في رأيه، فدخل على الخط «نتيجة دخول العامل الإيراني في الأزمة منذ عام 2013، ما خلق انقساما طائفيا في البلاد، وبات جزءا من المعركة مذهبيا، لأن التطرف يجر إلى التطرف، وسط أرضية خصبة لذلك».
حول تأثير المتشددين، يكاد يجمع المحللون على أن بروز التنظيمات المتشدّدة كان العامل الأبرز في «تعويم» الأسد الذي كانت المطالبة بتنحيته المطلب الأساسي للانتفاضة السلمية التي انطلقت ضده في منتصف مارس 2011 قبل أن تتحوّل إلى نزاع مسلح دامٍ؛ إذ قال كريم بيطار، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (إيريس) في العاصمة الفرنسية باريس، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، إن تنظيم داعش المتطرف «ذهب بعيدا في الترويع إلى درجة بات معها الغرب اليوم مقتنعا بأن (داعش) يمثل العدو المطلق وكل ما تبقى شر أدنى منه». لكن الدكتور الغضبان لا ينفي، مع ذلك، مسؤولية المجتمع الدولي والمعارضة السورية عن الدفع باتجاه المتطرفين، إذ يقول: «اليوم نقدم تجربة نقدية شفافة، توجب الاعتراف بأن الجيش الحرّ كان ولا يزال يشكل عامل الحسم الأول، منذ عام 2012، لكنه يفتقد الدعم وجهة مركزية، فضلا عن وجود بعض الفاسدين فيه الذين باعوا أسلحة إلى المتطرّفين، وخروج (أمراء حرب) انتفعوا من الظاهرة، وهؤلاء لم يكونوا مدفوعين بطموحات الشعب السوري، بل جاءوا من خلفيات مهرّبين وشبّيحة ومنتفعين وانتهازيين».
على صعيد آخر، ضاعفت الأزمة السورية، بعد 4 سنوات من انطلاقتها، حدة المشاعر القومية والدينية بشكل لم تعرفه سوريا في سنوات قبل الأزمة أو حتى في السنة الأولى لانطلاقتها. وتشير الوقائع اليوم إلى تنامي النزعتين القومية والمذهبية، بدليل خريطة توزع القوى العسكرية على الأرض، وبروز كيانات عسكرية متفاوتة الأحجام والنفوذ. وبحسب مراقبين، كان هناك فريقان محدّدان خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.. أما اليوم فتشهد الساحة «حرب الجميع ضد الجميع».
وبعدما منيت قوات النظام ببعض الهزائم في مواجهة مقاتلي المعارضة عند بدء النزاع، تمكّن النظام اليوم إلى حد ما من تحقيق استقرار في الجبهة العسكرية، بل وأحرز بعض التقدم بفضل الدعم الحاسم لحزب الله اللبناني وحلفاء آخرين، بينهم الحرس الثوري الإيراني. وراهنا تسيطر قواته اليوم على 40 في المائة من الأراضي السورية بما فيها المدن الكبرى باستثناء الرقة بشمال وسط البلاد ونصف مساحة مدينة حلب. كذلك يعيش 60 في المائة من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرته، غير أن حسم المعركة لصالحه ما زال بعيدا. اليوم تشير الخريطة العسكرية في سوريا إلى أن القوات الحكومية تسيطر على معظم المدن في المحافظات الكبرى، باستثناء الرقة، كما سبقت الإشارة، في حين فقدت السيطرة على جزء كبير من الأرياف، أهمها في محافظات حلب وإدلب وحماه (شمالا) ودير الزور (شرقا) ودرعا (جنوبا) والغوطة الشرقية في محافظة ريف دمشق.
كذلك كرّس العام المنصرم تراجع قوة وحجم «الجيش الحر» الذي لم يبق منه إلا مجموعات صغيرة محدودة التجهيز والفاعلية. وفي المقابل، برز الأكراد كقوة عسكرية وقفت في وجه تنظيم داعش في معركة عين العرب (كوباني) التي استنفرت لأشهر طويلة الإعلام العالمي. وتكاد أخبار التنظيم المتطرف تختصر وحدها الحدث السوري في الإعلام، بينما يستمر النزف في البلاد المقسمة إلى مناطق نفوذ متعدّدة. ولقد انهار اقتصادها ودمّرت بناها التحتية ويدق الجوع أبواب شريحة واسعة من سكانها.
ولكن ماذا عن «داعش»؟
برز هذا التنظيم في سوريا، أساسا، خلال عام 2013، كمجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة قبل أن يستقل عنه. وبعدما تجنب طويلا الاصطدام بقوات نظام الأسد على الأرض، دخل منذ صيف 2014 في صراع مفتوح مع هذه القوات، وجاءت هذه المواجهات بعد أن استولى «داعش» على مناطق واسعة في العراق، ثم انتزع من فصائل المعارضة السورية المسلحة ومن «جبهة النصرة» مساحات كبيرة في شمال سوريا وشرقها.
وحقا، أدى تنامي نفوذ تنظيم داعش إلى تغيير الأولويات على المستوى الدولي. وبات بعض من كانوا خصوما للأسد ويشترطون رحيله من دون تأخير.. قلة اليوم. بل أخذ البعض يرى أنه ربما تحوّل إلى «مُحاور» حتمي للمجتمع الدولي. وتجلى ذلك في زيارات واتصالات كسرت عزلة النظام وقامت بها وفود أجنبية، ولو غير رسمية، إلى دمشق منذ فترة.
وفي الوقت نفسه، بدأ نفوذ «داعش» بالانحسار، منذ مطلع العام الجاري، بعد خسارته في السيطرة على مدينة عين العرب، بموازاة فقدانه القدرة على الهجوم وتقويض حركته، منذ بدء ضربات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» استهداف مناطق تمركزه منذ سبتمبر (أيلول) 2014. وهذا مع العلم أن نفوذ التنظيم كان يمتد على مساحة واسعة من شرق سوريا إلى شمالها، تناهز 40 في المائة من الجغرافيا السورية، تضم منابع المياه والغاز والنفط الرئيسية في البلاد. لكن الوضع تبدّل خلال العام الحالي، فشهد تراجع «داعش» من 3 مواقع رئيسية على الأقل، بينها ريف حلب الشرقي وريف الحسكة بشمال شرقي سوريا.
وفي موازاة «الدولة» المعلنة من تنظيم داعش، تسعى «جبهة النصرة»، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، إلى التفرد بـ«إمارة» في شمال غربي البلاد (ريف إدلب)، بينما يعمل الأكراد على الحفاظ على «الإدارة الذاتية» لمناطقهم في أجزاء من ريف حلب والرقة (في الشمال) والحسكة (في الشمال الشرقي).
أما الكتائب المتعددة الولاءات والقيادات وغالبيتها إسلامية، فهي لا تزال تقاتل في الجنوب (درعا والقنيطرة) وريف دمشق وحلب حيث تسيطر على الأحياء الشرقية للمدينة وأجزاء من المحافظة، وريفي حماه (وسط البلاد)، تارة ضد النظام وطورا ضد المتشددين.
في نهاية المطاف، لا ترى المعارضة السورية أفقا لنهاية النزاع وحسمه إلا بتجهيز المقاتلين المعتدلين المنضوين تحت لواء «الجيش السوري الحر»، وتدريبهم، بعدما توصلوا إلى قناعة بأن «الصورة معقدة وتحوّل الصراع الداخلي إلى صراع إقليمي - دولي»، كما يقول نجيب الغضبان لـ«الشرق الأوسط»، الذي يضيف: «يجب أن نظل متمسكين ومحافظين على ثوابت الثورة وتحديد أفق الحل.. فالحرب على (داعش) إيجابية، ولكن نقطة الضعف بالاستراتيجية التي ركزت على الهزيمة العسكرية له، من غير التعاطي مع أسباب ظهور (داعش) التي تتمثل في عنف النظام وارتكابه جرائم ضد الإنسانية، واستخدام البراميل والتعذيب بالسجون».
ويختتم ممثل «الائتلاف» في واشنطن كلامه بالقول: «لا بد من التعاطي مع الأسباب الجذرية والحل يجب أن يبدأ من رحيل الأسد... ويبقى منطق تجميع القوى المعتدلة تحت قيادة موحّدة للأركان، هو نقطة الانطلاق».



«ضغط مصري» يعيد مستوى إرشادات السفر الأميركية إلى ما قبل الحرب الإيرانية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

«ضغط مصري» يعيد مستوى إرشادات السفر الأميركية إلى ما قبل الحرب الإيرانية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

أعلنت مصر أن الولايات المتحدة أعادت إرشادات السفر الخاصة بالقاهرة إلى ما كانت عليه قبل الحرب الإيرانية، ورفعت اسمها من قوائم الدول التي دعت مواطنيها إلى مغادرتها، وذلك بعد اتصالات مكثفة بالدول الغربية للتأكيد على استقرار الأوضاع الأمنية.

وعدَّ خبراء ومحللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» نجاح ذلك الضغط المصري انعكاساً مهماً لتفهم الغرب لأهمية دور مصر في هذه الظروف الإقليمية شديدة الحساسية.

وأفادت الخارجية المصرية، في بيان أصدرته الأربعاء، بأنها كثفت من اتصالاتها «مع الدول الغربية الصديقة والشريكة»، في إطار المتابعة المستمرة لتداعيات التصعيد العسكري الراهن في المنطقة.

وأكدت مصر خلال الاتصالات على «مناخ الأمن والاستقرار الذي تتمتع به»، وعدم الحاجة إلى إجراء أي تعديلات على إرشادات السفر الخاصة بها، لا سيما وأنها تُعد أحد المراكز الأساسية لعمليات إجلاء الأجانب من المنطقة عند الحاجة.

وأسفرت هذه الاتصالات المكثفة، حسب البيان المصري، عن «الحفاظ على إرشادات السفر الصادرة عن عدد من الدول بشأن مصر، ومن بينها الولايات المتحدة وكندا وآيرلندا».

ونشر الجانب الأميركي، حسب البيان المصري، تحديثاً بتاريخ الثالث من مارس (آذار) يُبقي إرشادات السفر الخاصة بمصر على ذات المستوى الذي كانت عليه قبل التصعيد العسكري الأخير «في انعكاس للأمن الذي تتمتع به مصر رغم التحديات الإقليمية المحيطة».

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، أن هذه الخطوة الأميركية التي جاءت بعد ضغوط «ليست مجرد تعديل فني في إرشادات السفر، بل تحمل مؤشراً سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً يعكس تفاعلاً إيجابياً مع التحرك المصري في لحظة إقليمية شديدة الحساسية».

ويعكس ذلك، حسب تصريحات حجازي لـ«الشرق الأوسط»، نجاحاً للتحرك الدبلوماسي في إدارة أزمة إرشادات السفر مع عودة التقييم الأمني للدول الكبرى بأن مصر «لا تزال مستقرة وآمنة رغم الاضطرابات بالمنطقة».

وأضاف: «وهذا يكشف عن تفهم غربي للموقف المصري، وإدراك أهمية عدم توجيه رسائل سلبية قد تؤثر على دولة بحجم مصر تلعب دوراً محورياً في إدارة الأزمات بالمنطقة».

واستطرد: «الإشارة إلى مصر بصفتها مركزاً محتملاً لعمليات إجلاء الأجانب في حال تفاقمت الأوضاع الإقليمية تحمل دلالة إضافية مهمة؛ فهي تعكس ثقة في البنية التحتية والقدرة التنظيمية للدولة المصرية وفي استقرارها».

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد دعت، الاثنين، رعاياها إلى مغادرة نحو 15 دولة في الشرق الأوسط، من بينها مصر، على الفور في ظل الضربات الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.

ولم تقدم الخارجية الأميركية سبباً لإدراج مصر بتلك القائمة، الذي يأتي بعد نحو ثمانية أشهر من رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب إدراجها بقائمة الدول الخاضعة لحظر السفر إلى الولايات المتحدة، التي ضمت 12 دولة جديدة، من بينها أربع دول عربية، وذلك بعد هجوم بولاية كولورادو كان المشتبه به مصري الجنسية. وأرجع ترمب ذلك وقتها إلى أن «الأمور تحت السيطرة بالقاهرة».


هل يكون خط «سوميد» المصري بديلاً مؤقتاً لمضيق هرمز؟

وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)
TT

هل يكون خط «سوميد» المصري بديلاً مؤقتاً لمضيق هرمز؟

وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)

وسط تطورات الحرب الإيرانية المستمرة، برز الحديث في مصر عن خط أنابيب «سوميد» الرابط بين البحرين الأحمر والمتوسط لنقل النفط، مع إعلان طهران غلق مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية أن يكون الخط الذي يعد حلقة وصل حيوية بديلاً مؤقتاً للمضيق المضطرب.

وتطرق وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي لهذا الأمر خلال مشاركته في مؤتمر صحافي للحكومة المصرية، الثلاثاء، حين قال إن مصر «تمتلك الإمكانيات الفنية واللوجيستية الكافية لدعم هذا المسار الاستراتيجي»، عادّاً أن خط «سوميد» يعزز من مرونة تدفق الإمدادات النفطية في المنطقة، ومؤكداً استعداد بلاده للتعاون مع دول الخليج لتسهيل نقل النفط من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط من خلاله.

واتفق خبراء في مجال الطاقة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» على أن خط «سوميد» يمكن أن يخفف من أزمة الطاقة المشتعلة حالياً في غياب أفق سياسي يمكن أن يوقف الحرب الحالية، مشيرين إلى أن الخط جرى تصميمه لكي يكون بديلاً حال وجود عوائق لنقل النفط عبر قناة السويس.

خط «سوميد»

تمتلك خط الأنابيب الشركة العربية لأنابيب البترول (سوميد) بملكية عربية مشتركة تقودها مصر بحصة 50 في المائة عبر «الهيئة المصرية العامة للبترول»، إلى جانب شركاء آخرين في دول الخليج.

ويمتد الخط داخل مصر من مدينة العين السخنة على خليج السويس إلى منطقة سيدي كرير على البحر المتوسط، وتبلغ سعته قرابة 2.8 مليون برميل يومياً.

وحسب بيانات وزارة البترول المصرية، فقد نقل هذا الخط قرابة 24.9 مليار برميل من النفط الخام، وأكثر من 730 مليون برميل من المشتقات النفطية، منذ بدء تشغيله عام 1974 وحتى عام 2024.

ميناء سوميد البترولي في مصر (وزارة البترول المصرية)

وعن إمكانية استخدام خط «سوميد» بديلاً لمضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله خُمس تجارة النفط العالمية وأكثر من 20 مليون برميل يومياً، قال رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة بمركز الأهرام للدراسات أحمد قنديل إن أهمية الخط تتمثل في تخفيف انقطاع تجارة النفط مع إعلان طهران إغلاق المضيق.

وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن شحنات النفط تصل إلى الخط من خلال شاحنات تنقله من ميناء ينبع السعودي إلى ميناء العين السخنة بمصر ومنه إلى البحر المتوسط ثم أوروبا، مشيراً إلى وجود تنسيق مع دول الخليج لاحتواء مخاوف إمدادات الطاقة خاصة بالنسبة للمستهلكين الأوروبيين.

ويعد قنديل أن وصول جزء من الصادرات الخليجية إلى الأسواق الأوروبية يُعد أمراً بالغ الأهمية مع انحسار البدائل الأخرى، كما أنه يسهم في الحد من قفزات خام برنت الذي تجاوز سعره حاجز 80 دولاراً للبرميل.

وقال: «بروز الخط المصري يأخذ أهمية مع غياب الأفق السياسي، ما يعني احتمالات إطالة أمد الصراع القائم».

القدرات التخزينية

ووفقاً لـ«إدارة معلومات الطاقة الأميركية»، فإن السبب الرئيسي لإنشاء خط أنابيب «سوميد» في هذا الموقع يرجع إلى أن ناقلات النفط العملاقة، التي تحمل نحو 2.2 مليون برميل، لا يمكنها عبور قناة السويس بسبب الوزن والعرض الزائد اللذَيْن قد يعرّضانها للغرق، وتضطر إلى تفريغ حمولتها في العين السخنة لتُنقل عبر الأنبوب إلى الجانب الآخر، وتُعيد سفن أصغر حجماً التحميل من ميناء سيدي كرير منطلقة إلى أوروبا وأميركا.

قوارب في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بسلطنة عُمان (رويترز)

ويشير خبير أسواق الطاقة رمضان أبو العلا إلى أن الخط المصري يعد بديلاً «لقناة السويس» ويمكن أن يسهم مؤقتاً في تخفيف حدة الأزمة الناتجة عن غلق مضيق هرمز، لافتاً إلى أنه يبقى أكثر فاعلية بالنسبة لناقلات النفط الآتية من السعودية وسلطنة عمان والبحرين والإمارات التي تصل إلى العين السخنة ومنها إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.

ويتوقع أبو العلا أن يبقى «سوميد» أكثر أهمية بالنسبة لصادرات النفط الخليجية إلى أوروبا حال إطالة أمد الحرب، وأن يزيد الاعتماد عليه في تلك الحالة، لكنه يرى في الوقت ذاته أن ذلك يتطلب تجهيزات وتأميناً مشدداً لناقلات النفط في البحر الأحمر.

وتطرق خبراء في أسواق الطاقة إلى قيمة مضافة أخرى تتمثل في تعزيز القدرات التخزينية للخط ، حيث تمتلك شركة «سوميد» صهاريج تخزين كبيرة بسعة 40 مليون برميل نفط. وسبق لشركة «أرامكو» توقيع عقدَيْن في فبراير (شباط) 2019 مع الشركة لتوفير سعة تخزينية للسولار والمازوت.


السيستاني يدعو إلى وقف الحرب ويُحذر من «فوضى عارمة» في المنطقة

المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)
المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)
TT

السيستاني يدعو إلى وقف الحرب ويُحذر من «فوضى عارمة» في المنطقة

المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)
المرجع الشيعي علي السيستاني (إكس)

في الوقت الذي دعا المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، الأربعاء، إلى وقف الحرب الدائرة حالياً بين أميركا وإسرائيل وإيران، محذراً مما سماها «فوضى عارمة» يمكن أن تصيب المنطقة، في حال تصاعدها، أعلن رئيس حكومة تصريف الاعمال محمد شياع السوداني، أن «الدولة بمؤسساتها هي وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسلم»، وأن الحكومة «ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات «الجارية الآن»... وبموازاة ذلك، علمت «الشرق الأوسط» أن قوى «الإطار التنسيقي» قررت سحب ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، من دون أن تتفق على البديل.

رجل وسيدة يمران أمام مبنى مهدَّم جراء غارات وسط طهران (أ.ف.ب)

وقال السيستاني في بيان صدر عن مكتبه: «اتسعت دائرة العمليات العسكرية المضادة -كما كان متوقعاً- لتشمل عدداً من الدول الأخرى، حيث تعرّض عديد من مناطقها ومرافقها للأذى والأضرار، في مشاهد غريبة لا عهد للمنطقة بها منذ أمد بعيد». مبيناً أن «اتخاذ قرار منفرد بمعزل عن مجلس الأمن الدولي بشنّ حرب شاملة على دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة، لفرض شروط معينة عليها أو لإسقاط نظامها السياسي -بالإضافة إلى مخالفته للمواثيق الدولية- بادرة خطيرة جداً وتُنذر بنتائج بالغة السوء على المستويين الإقليمي والدولي».

وأشار إلى أنه «من المتوقع أن يتسبب ذلك في نشوب فوضى عارمة واضطرابات واسعة لمدة طويلة تُلحق الويلات بشعوب المنطقة وبمصالح الآخرين أيضاً».

وأكد البيان أن «المرجعية الدينية العليا إذ تدين بأشدّ الكلمات هذه الحرب الظالمة، وتدعو جميع المسلمين وأحرار العالم إلى التنديد بها والتضامن مع الشعب الإيراني المظلوم، تكرر مناشدتها جميع الجهات الدولية الفاعلة، ودول العالم لا سيما الدول الإسلامية، لكي تبذل قصارى جهدها، لوقفها فوراً، وإيجاد حلّ سلمي عادل للملف النووي الإيراني وفق قواعد القانون الدولي».

رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني (د.ب.أ)

قرار الدولة...

من جهته، أكد السوداني، وفقاً لبيان رسمي صدر عن مكتبه خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء، أن «القوات المسلحة العراقية بكامل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية»، مبيناً في الوقت نفسه أن «الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية في المحيط الإقليمي والدولي، ومن منطلق رئاسة العراق للقمة العربية، والسعي إلى تنسيق المواقف بما يؤمّن فرض الاستقرار ووقف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث مزيد من أسباب العنف».

ودعا السوداني إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

المالكي...

إلى ذلك وفي ظل تصاعد حدّة الحرب وتداعياتها السلبية على العراق، لا سيما في حال إغلاق مضيق هرمز تماماً، وتوقف تصدير النفط العراقي عبره، فضلاً عن الهجمات التي تقوم بها الفصائل المسلحة والهجمات المضادة التي تتعرض لها، لايزال «الإطار التنسيقي» الشيعي، غير قادر على حسم أمر مرشحه لرئاسة الوزراء بعد «الفيتو» الأميركي على رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن قوى الإطار قررت سحب ترشيح المالكي لمنصب رئيس الوزراء من دون أن تتفق على البديل، وأن المالكي أبلغ موفد الإطار له زعيم «منظمة بدر»، هادي العامري، الذي زاره فجر الأربعاء، بأنه لن يسحب ترشيحه ما لم يصدر القرار بالإجماع.

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

وطبقاً لمصدر مطلع من داخل «الإطار التنسيقي» الذي يجمع القوى السياسية الشيعية في العراق، فإن العامري زار المالكي، وتحدث معه بخصوص ما يرغب به بعض قادة «الإطار التنسيقي» لجهة سحب ترشيحه، وأبلغه بضرورة حصول ذلك، قبل انعقاد الاجتماع الثاني للإطار في الأيام المقبلة، إلا أن المالكي رفض، وأكد مشاركته في الاجتماع المقبل، لافتاً إلى أن «قرار الترشيح صادر عن قيادة الإطار، وإذا كان الإطار لا يريد ذلك، فعليه سحب الترشيح بالإجماع، وبحضور جميع قياداته».

في المقابل ذكر مدير المكتب الإعلامي للمالكي، هشام الركابي، في تدوينة على منصة «إكس»، أن «ما يُتداول حول سحب الإطار ترشيح الرئيس نوري المالكي غير صحيح».

وأضاف أن «ما نُشر بخصوص سحب الترشيح غير صحيح، ولا يحق لـ(الإطار التنسيقي) اتخاذ أي قرار في غياب الأعضاء الأساسيين عن الاجتماع».