سوريا في العام الخامس لـ«الثورة»: كيانات مسلحة تعكس تنامي العصبيات القومية والمذهبية

معارضون يحملون النظام مسؤولية «عسكرة» الثورة وبروز التشدد

صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

سوريا في العام الخامس لـ«الثورة»: كيانات مسلحة تعكس تنامي العصبيات القومية والمذهبية

صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)
صورة لسورية تحاول تجاوز سيارة مشتعلة بفعل قصف قوات النظام لمنطقة في شمال حلب في مايو الماضي (أ.ف.ب)

تحل يوم غد الأحد الذكرى الرابعة لاندلاع الأزمة السورية. بعد أن بدأت ثورة سلمية انطلقت شرارتها في احتجاجات فيما سمي «يوم الغضب السوري» حين خرجت مظاهرة حاشدة في دمشق القديمة. وخلال أيام، انتشرت المظاهرات السلمية المطالبة بحفظ حقوق السوريين وهتافات من أجل «الحرية». إلا أن النظام السوري رد على المظاهرات بالقوة المفرطة، مما أدى إلى حمل مجموعات سورية مختلفة السلاح. وخلال السنوات الأربع الماضية، تشعبت الأطراف المسلحة، الرافضة للنظام السوري والداعمة له، لتصبح الأزمة اليوم أقرب إلى حرب استنزاف بين الأطراف المتحاربة. ومع دخول الأزمة عامها الخامس غدا، لا حلول مطروحة لإنهاء القتال في المستقبل المنظور.

لم يبقَ من مشهدية «الثورة السورية» التي بدأت بالخروج إلى شوارع مدن البلاد في مارس (آذار) 2011، بعد 4 سنوات، إلا بلدة كفر نبل في إدلب.
لا يزال الناشطون فيها يتمتعون بالقدرة على الخروج بمظاهرات ومسيرات مندّدة بالقتل، سواء أكان مصدره نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أم التنظيمات المتشددة.. ويحتفظ سكانها بقدرتهم على إنتاج رسوم وتخطيط شعارات ولافتات، تدين وتتضامن، كما في الشهر الأول من الأزمة.
غير أن السواد الأعظم من المدن السورية التي دأبت، لمدة سنتين على الأقل، على الخروج بمسيرات احتجاجية سلمية، توقفت عن ذلك، حين خطت شعار «مالنا غيرك يا ألله». فالثورة السلمية، التي شابهت كثيرا الثورة المصرية أو الليبية أو التونسية، تعرّضت لانتكاسة كبيرة تضاعفت على مرحلتين في أعقاب تصدّي النظام لها بالسلاح الحي: المرحلة الأولى عسكرتها، والمرحلة الثانية «أرهبتها» - أي وصمها بالإرهاب - وذلك بعد طغيان مشهد المتشددين عليها، وظهور كيانات «إرهابية» فيها مثل «جبهة النصرة» و«داعش».
لقد باتت سوريا، بعد مرور 4 سنوات كاملة على الأزمة، منقسمة إلى 5 مكونات مسلحة: أولها القوات الحكومية السورية وحلفاؤها، وثانيها تنظيم «داعش»، وثالثها تنظيم «جبهة النصرة» (وهو ذراع تنظيم القاعدة في سوريا)، ورابعها فصائل الجيش السوري الحر المتشرذمة، وخامسها القوات الكردية. وتتقاسم هذه المكونات السيطرة على كيانات الجغرافيا المتشظّية، بعد مقتل ما بين 200 و350 ألف شخص.
المعارضة السورية تقرّ بانتكاسة الحراك الثوري المدني والسلمي، محملة النظام الجزء الأكبر من مسؤولية «عسكرة» الثورة عبر «استدراج الثوار إلى حمل السلاح». ويقول الدكتور نجيب الغضبان، ممثل «الائتلاف الوطني السوري» المعارض في واشنطن لـ«الشرق الأوسط»، إن بداية مخطط إحباط الحراك السلمي كانت في تصريحات الأسد نفسه بعد نحو شهر على انطلاق الثورة بشكلها المدني والسلمي، وزعمه أنه «يواجه عصابات مسلحة وإمارات إسلامية»، لتعقبها تصريحات مساعدته بثينة شعبان، بالقول إن الحراك «طائفي». ويوضح الغضبان أن «عسكرة الثورة كانت نتيجة للقمع المتواصل، إذ لم يتوقف القتل ولو ليوم واحد طوال 7 أشهر، في ظل تزايد الاحتجاجات». وأشار إلى أن الشعب «وصل إلى درجة ما عاد يحتمل معها التعامل معه بالقتل، فبدأ البحث عن بدائل للمواجهة والدفاع عن نفسه». وأردف أن الاتجاه إلى العسكرة تعزز «بعد بروز انشقاقات من الجيش، خرج معها من صفوف المؤسسة العسكرية أبناء البلد الذين أجبروا على إطلاق النار على إخوانهم.. ومن ثم اتجهوا إلى المقلب الآخر للدفاع عن المحتجّين».
ويوضح الدكتور الغضبان في حديثه «أن العسكرة لم تكن صعبة، لأن درجة التحمّل عند البشر قليلة. لقد راقب السوريون عجز المجتمع الدولي عن الاستجابة لمطالبهم بالحماية على غرار التدخل في ليبيا، وعندها لم يتردد السوريون في استخدام السلاح لأنهم وجدوا أنفسهم أمام وحشية في الرد من قبل النظام، باستخدام المدفعية أو القنص أو إطلاق النار»، لكن الغضبان يشدد على «أننا كحركة سياسية، كنا وما زلنا نعتقد أن الخيار السلمي كان أساسيا».
من جهة ثانية، يصرّ المعارضون السوريون على تأكيد أن تعمّد النظام استخدام الحل الأمني كان دافعا لجرّ الحراك المدني إلى العسكرة، كذلك كانت «مساهمة النظام في خلق الظاهرة المتطرفة عبر إطلاق سراح المتطرفين المعتقلين في سجونه، وكان بعض هؤلاء من صنيعة النظام نفسه، وإذ كان قد صنعهم للقتال ضد القوات الأميركية في العراق، في حين كان يُقتل الناشطون المدنيون تحت التعذيب في سجونه». ووفق الغضبان فإن «النظام يمتلك خبرة واسعة بالتعاطي مع المتشدّدين، كونه كان يدرّبهم ويجهّزهم للقتال في العراق خلال العامين 2004 و2005 قبل أن يتحوّل هؤلاء أنفسهم، بدءا من عام 2012، إلى قياديين في (النصرة) ولاحقا (داعش)..».
غير أن النظام وحده لم يكن مسؤولا عن تنامي ظاهرة التطرف، و«أرهبة» الثورة، كما يستدرك الغضبان، لأن «تنامي القمع وتصاعده في ظل عجز دولي عن الحماية أجبر السوريين على التحول إلى من يحميهم بعد إعلانهم شعار «مالنا غيرك يا ألله». ويتابع موضحا: «لقد وفرت تلك الجماعات كل الامتيازات والتسهيلات التي تجذب المعتدلين والثوار إليها». ويضيف: «الشعب لم يعُد يفكر بعقليات سياسية وفق منظومة فكرية محدّدة، بل بعقلية الدفاع عن نفسه، ووجد تلك الميزات في جماعات متطرّفة تمتلك التمويل والخبرات بالقتال»، مشيرا إلى أن «كثيرين لم يندمجوا في تلك الجماعات بدافع آيديولوجي، بل بدافع الحاجة». أما العامل الآيديولوجي، في رأيه، فدخل على الخط «نتيجة دخول العامل الإيراني في الأزمة منذ عام 2013، ما خلق انقساما طائفيا في البلاد، وبات جزءا من المعركة مذهبيا، لأن التطرف يجر إلى التطرف، وسط أرضية خصبة لذلك».
حول تأثير المتشددين، يكاد يجمع المحللون على أن بروز التنظيمات المتشدّدة كان العامل الأبرز في «تعويم» الأسد الذي كانت المطالبة بتنحيته المطلب الأساسي للانتفاضة السلمية التي انطلقت ضده في منتصف مارس 2011 قبل أن تتحوّل إلى نزاع مسلح دامٍ؛ إذ قال كريم بيطار، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (إيريس) في العاصمة الفرنسية باريس، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، إن تنظيم داعش المتطرف «ذهب بعيدا في الترويع إلى درجة بات معها الغرب اليوم مقتنعا بأن (داعش) يمثل العدو المطلق وكل ما تبقى شر أدنى منه». لكن الدكتور الغضبان لا ينفي، مع ذلك، مسؤولية المجتمع الدولي والمعارضة السورية عن الدفع باتجاه المتطرفين، إذ يقول: «اليوم نقدم تجربة نقدية شفافة، توجب الاعتراف بأن الجيش الحرّ كان ولا يزال يشكل عامل الحسم الأول، منذ عام 2012، لكنه يفتقد الدعم وجهة مركزية، فضلا عن وجود بعض الفاسدين فيه الذين باعوا أسلحة إلى المتطرّفين، وخروج (أمراء حرب) انتفعوا من الظاهرة، وهؤلاء لم يكونوا مدفوعين بطموحات الشعب السوري، بل جاءوا من خلفيات مهرّبين وشبّيحة ومنتفعين وانتهازيين».
على صعيد آخر، ضاعفت الأزمة السورية، بعد 4 سنوات من انطلاقتها، حدة المشاعر القومية والدينية بشكل لم تعرفه سوريا في سنوات قبل الأزمة أو حتى في السنة الأولى لانطلاقتها. وتشير الوقائع اليوم إلى تنامي النزعتين القومية والمذهبية، بدليل خريطة توزع القوى العسكرية على الأرض، وبروز كيانات عسكرية متفاوتة الأحجام والنفوذ. وبحسب مراقبين، كان هناك فريقان محدّدان خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.. أما اليوم فتشهد الساحة «حرب الجميع ضد الجميع».
وبعدما منيت قوات النظام ببعض الهزائم في مواجهة مقاتلي المعارضة عند بدء النزاع، تمكّن النظام اليوم إلى حد ما من تحقيق استقرار في الجبهة العسكرية، بل وأحرز بعض التقدم بفضل الدعم الحاسم لحزب الله اللبناني وحلفاء آخرين، بينهم الحرس الثوري الإيراني. وراهنا تسيطر قواته اليوم على 40 في المائة من الأراضي السورية بما فيها المدن الكبرى باستثناء الرقة بشمال وسط البلاد ونصف مساحة مدينة حلب. كذلك يعيش 60 في المائة من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرته، غير أن حسم المعركة لصالحه ما زال بعيدا. اليوم تشير الخريطة العسكرية في سوريا إلى أن القوات الحكومية تسيطر على معظم المدن في المحافظات الكبرى، باستثناء الرقة، كما سبقت الإشارة، في حين فقدت السيطرة على جزء كبير من الأرياف، أهمها في محافظات حلب وإدلب وحماه (شمالا) ودير الزور (شرقا) ودرعا (جنوبا) والغوطة الشرقية في محافظة ريف دمشق.
كذلك كرّس العام المنصرم تراجع قوة وحجم «الجيش الحر» الذي لم يبق منه إلا مجموعات صغيرة محدودة التجهيز والفاعلية. وفي المقابل، برز الأكراد كقوة عسكرية وقفت في وجه تنظيم داعش في معركة عين العرب (كوباني) التي استنفرت لأشهر طويلة الإعلام العالمي. وتكاد أخبار التنظيم المتطرف تختصر وحدها الحدث السوري في الإعلام، بينما يستمر النزف في البلاد المقسمة إلى مناطق نفوذ متعدّدة. ولقد انهار اقتصادها ودمّرت بناها التحتية ويدق الجوع أبواب شريحة واسعة من سكانها.
ولكن ماذا عن «داعش»؟
برز هذا التنظيم في سوريا، أساسا، خلال عام 2013، كمجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة قبل أن يستقل عنه. وبعدما تجنب طويلا الاصطدام بقوات نظام الأسد على الأرض، دخل منذ صيف 2014 في صراع مفتوح مع هذه القوات، وجاءت هذه المواجهات بعد أن استولى «داعش» على مناطق واسعة في العراق، ثم انتزع من فصائل المعارضة السورية المسلحة ومن «جبهة النصرة» مساحات كبيرة في شمال سوريا وشرقها.
وحقا، أدى تنامي نفوذ تنظيم داعش إلى تغيير الأولويات على المستوى الدولي. وبات بعض من كانوا خصوما للأسد ويشترطون رحيله من دون تأخير.. قلة اليوم. بل أخذ البعض يرى أنه ربما تحوّل إلى «مُحاور» حتمي للمجتمع الدولي. وتجلى ذلك في زيارات واتصالات كسرت عزلة النظام وقامت بها وفود أجنبية، ولو غير رسمية، إلى دمشق منذ فترة.
وفي الوقت نفسه، بدأ نفوذ «داعش» بالانحسار، منذ مطلع العام الجاري، بعد خسارته في السيطرة على مدينة عين العرب، بموازاة فقدانه القدرة على الهجوم وتقويض حركته، منذ بدء ضربات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» استهداف مناطق تمركزه منذ سبتمبر (أيلول) 2014. وهذا مع العلم أن نفوذ التنظيم كان يمتد على مساحة واسعة من شرق سوريا إلى شمالها، تناهز 40 في المائة من الجغرافيا السورية، تضم منابع المياه والغاز والنفط الرئيسية في البلاد. لكن الوضع تبدّل خلال العام الحالي، فشهد تراجع «داعش» من 3 مواقع رئيسية على الأقل، بينها ريف حلب الشرقي وريف الحسكة بشمال شرقي سوريا.
وفي موازاة «الدولة» المعلنة من تنظيم داعش، تسعى «جبهة النصرة»، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، إلى التفرد بـ«إمارة» في شمال غربي البلاد (ريف إدلب)، بينما يعمل الأكراد على الحفاظ على «الإدارة الذاتية» لمناطقهم في أجزاء من ريف حلب والرقة (في الشمال) والحسكة (في الشمال الشرقي).
أما الكتائب المتعددة الولاءات والقيادات وغالبيتها إسلامية، فهي لا تزال تقاتل في الجنوب (درعا والقنيطرة) وريف دمشق وحلب حيث تسيطر على الأحياء الشرقية للمدينة وأجزاء من المحافظة، وريفي حماه (وسط البلاد)، تارة ضد النظام وطورا ضد المتشددين.
في نهاية المطاف، لا ترى المعارضة السورية أفقا لنهاية النزاع وحسمه إلا بتجهيز المقاتلين المعتدلين المنضوين تحت لواء «الجيش السوري الحر»، وتدريبهم، بعدما توصلوا إلى قناعة بأن «الصورة معقدة وتحوّل الصراع الداخلي إلى صراع إقليمي - دولي»، كما يقول نجيب الغضبان لـ«الشرق الأوسط»، الذي يضيف: «يجب أن نظل متمسكين ومحافظين على ثوابت الثورة وتحديد أفق الحل.. فالحرب على (داعش) إيجابية، ولكن نقطة الضعف بالاستراتيجية التي ركزت على الهزيمة العسكرية له، من غير التعاطي مع أسباب ظهور (داعش) التي تتمثل في عنف النظام وارتكابه جرائم ضد الإنسانية، واستخدام البراميل والتعذيب بالسجون».
ويختتم ممثل «الائتلاف» في واشنطن كلامه بالقول: «لا بد من التعاطي مع الأسباب الجذرية والحل يجب أن يبدأ من رحيل الأسد... ويبقى منطق تجميع القوى المعتدلة تحت قيادة موحّدة للأركان، هو نقطة الانطلاق».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended